
رائعة المبدع الراحل جوزف حرب : الكون يكتب قصيدة خلقه
حسين سرمك حسن
ملاحظة : هذه المقالة هي جزء من مخطوطة كتاب للكاتب عنوانه “محبرة الخليقة” كان المبدع الراحل جوزف حرب قد اتصل هاتفيا بالمؤلف من بيروت قبل رحيله بأيام مبديا إعجابه الشديد به وعازما على طبعه. يدور الكتاب حول ديوان جوزف حرب “المحبرة” الذي دخل موسوعة غينيس لكونه أضخم ديوان في العالم (1750 صفحة). وهي تحية إلى روحه لكونه عاشقا كبيرا للعراق وهو ما لمسته من خلال لقاءاتي الشخصية به.
(هي الأرضُ ،
خاليةٌ ، خاويهْ ،
كمعصرةٍ ، ليسَ من عاتقِ الخمرِ
فيها ،
سوى خابيهْ ،
تنامُ بفخّارها
عَتمةُ الزاويهْ )
… و”الرائعة” هي قصيدة المفتتح في ديوان المبدع “جوزف حرب” “المحبرة” الذي يقع في (1725 صفحة) ، وتتكوّن من أحد عشر مقطعا ، ويستهلها الشاعر كما يأتي :
(يديْ
ريحٌ
وطاولتيْ سوادُ الليلِ ، والأوراقُ غيمٌ
عن يمينيْ ، قربَها أقلامُ صندلةٍ ، ومحبرةٌ تقطّرَ
حبرُها الكحليُّ
من ماءِ البنفسجِ
عنْ
يَساريْ
شمعةٌ من فضّةٍ ، يدعونها : قمراً ،
ولي كرسيّ أيلولٍ ، خفيف الحَور ، أجلسُ فيهِ
مستنداً إلى
قُزَحَيْ سَحابهْ
وظهرِ عريشةٍ
عند الكتابهْ – ص 11 و12) .
وهذه جلسة أسطورية خارقة “يرتكبها” شاعر من عصرنا ، تخرق حدود الوجود الفردي/ وجودنا البائس الذي تتسع دائرته هنا لتشمل الكون كلّه ، جلسة مشرفة من علٍ ، تتحكّم بالريح وسواد الليل والغيم وماء البنفسج والقمر .. كرسيّه الزمان .. مسنده قوس قُزح السحاب ، ومتكأ ظهره العرائش ، ومسترخياً عند الكتابة .
وإذا كان الشاعر “العادي” يوصف بأنه ابن الطبيعة لأنه يمتح من روحها وصورها ويخلص لقوانين نمائها ، ويتمثل حكمتها وهذا هو الأهم ، فإن شاعرنا هنا هو “أبو الطبيعة” ، أو هو طبيعة كبرى كونية هائلة ؛ يتجسد هذا في “مكتب” إبداعه ومستلزمات كتابته : فيده الريح ، وطاولته سواد الليل ، يخطّ على هذا السواد الكوني قصائده بأقلام الصندل على جسد ورقة الغيم ، بحبر كحلي تقطّر من ماء البنفسج . أما شمعته التي يستهدي بها في عمله الذي يبدأ عادة في الليل فهو : القمر ، وأمّا زمانه ووقت فعله ، فهو وقت قدوم الربيع الباهر حيث صمت الولادة لا يقطعه سوى حفيف الحور .
إنها أجواء ومناخات أسطورة مهيبة ومقلقة نسبيا . وفي جلسته المسترخية هذه يدخل على الشاعر خادمه : السنونو ، يطلب منه الإذن بدخول رسول عليه هو : الملاك . رعيّة الشاعر سماوية لا أرضية ، وبدخول الخادم السنونو نبدأ حكاية عالم الشاعر بإشكالية خلق . وحين نقول “حكاية” فليس الوصف هنا معنويّاً حسب ، بل لأن السمة الحكائية السردية تهيمن على ديوان “المحبرة” بأكمله . فنحن أمام قصّة للخلق والخليقة والكون والحياة والإنسان كما سنرى .
يدخل الملاك بغموضه الباهر المشوّش ، وبخفّة لون مّربك خلطته أنامل وحساسية فنان لم يشهده تاريخ الأرض كـ :
(غامضاً كالزرقةِ الملأى مساءً)
وهنا تتضح عظمة “الكلمة” ، فلو جئت بأعظم رسّام في التاريخ ، وطلبت منه أن يجري بفرشاته وأنابيب ألوانه هذه الخلطة المعجزة : أزرق مملوء بالمساء ، يتضبّب بالزرقة فيلفّه غموض الكينونة – ولعل جوهر بداية عملية الخلق كلّها هو بهذه الصيغة الجنينية اللونية والتركيبية – أقول لو جئنا بهذا الرسام ، ومهما كانت درجة عبقريّته ، لأعلن عجزه فورا عن التعبير عن مثل هذا المشهد الخارق بتركيبيته ، مثلما لا يستطيع تصوير صرخة أم مثكولة جارحة ؛ قد يصوّر تعابير الصرخة على وجه الأم ، لكن الصرخة نفسها ، لا يمكن تصويرها إلا بأداة من “جنسها” وهي هنا “الكلمة” . إن كلّ ما هو مادي يحدّد إمكانيات “التشخيص” ؛ تشخيص المجرّد ، ويضيّق من قدرات “التصوير” . ومن المفارقات الصعبة التي يتمأزق بها العقل البشري ، هي نزوعه المستحيل لتصوير ما هو مجرّد بما هو مادي !! ولعل هذا واحد من أهم اسرار موقفنا المسلّم بعظمة الصانع الأكبر حين يعلن عقلنا عجزه السافر عن تصويره ، كما أنه – من ناحية أخرى مكمّلة – من دوافع موقف المرجعيات الدينية المتصلّب والشاجب لعملية التصوير عموما ، والذي بدآ خطوته الأولى في التوراة ، فأن تقوم بـ “تصوير” الأشياء من دلالاته المستترة ، معناه أنك “تخلقها” أو “تعيد إنشاءها” في صورة أحسن ، وأن تحاول أو تستطيع تصوير الذات الإلهية ، فهذا يعني أنك مثلها ؛ كفؤها وندّها ، وهل لهذا اختار الله صفة (المصوّر) كواحد من أسمائه الحُسنى ؟ وهل هذا هو سبب كره الآلهة للشعراء الذين شُغْلهم الأساسي هو “التصوير” ، لا باللون المحدود الإمكانات ، ولكن بالكلمة الخارقة التي تحيي وتُميت ؟ :
( تقدّمَ مرّةً منّي السّنونو
خادمي
قالَ :
الملاكُ .
فقلتُ :
فليدخلْ .
فأقبلَ لابساً فوفَ الصباحِ ، أخفّ
من نومِ الخُزامى ، غامضاً كالزُرقةِ المَلأى
مساءً، حاملاً مخطوطةً من ستّ غيماتٍ، ومكتوباً
بمنديلٍ ، وقال :
الكونُ حمّلنيهما سرّاً إليكْ – ص 12 و13) .
وقد يتساءل القاريء : من أين جاء الشاعر بمفردة “فوف” ، وكيف عنّ له ربطها بمفردة “الصباح” ، فأقول إن هذه من السمات الأسلوبية لجوزف حرب ، حيث تجد في كل شعره هذا العناء والدقّة الهائلة في البحث عن المفردة المناسبة وانتقائها من بين عشرات المفردات المرادفة لها في محيط اللغة . ولعلني لم أكن دقيقا حين اخترت مفردة “البحث” ، فهو – وأي شاعر “محترف” مقتدر صار الشعر مفتاح منظوره إلى الموضوعات ، وروح رؤيته إلى الكون والحياة ، أي صار “اختصاصه” – هو – وحسب التعبير الدقيق لبيكاسو – لا يبحث ، ولكنه “يجد” . إنه مخزون اللاشعور العارم والمكتظ بالمفردات المتحرّكة في صلتها بالأشياء لتنغمر بدلالاتٍ يعود أغلبها إلى عوامل انفعالية وعاطفية واستعارية لا صلة لها بالمعنى القاموسي ولا بالمعنى الإستعمالي والتداولي للمفردة . ولو سألتني هل كان جوزف يعلم أنَ من معاتي الفُوفُ : الحبَّةُ البيضاءُ في باطن النَّواة تنبت منها النخلة ، والقِشْرُ الرقيقُ يكون على النَّوَى ، وثيابٌ رِقاقٌ مُوَشَّاةٌ مخطَّطة بخطوط بيض طوليّة ، وأنها تعني ، ايضاً ، قِطَعُ القُطْنِ ؟ فأجيبك بأنه لم يكن يعلم بكل تلك المعاني ، ولكنه “وجدها” فيها من خلال بنية الكلمة ، وجرسها الموسيقي ، وطبيعة حرف الفاء “الشفّاف” والمهموس الذي لو استعدت حركته ، متخيلا إياها وأنت مغمض العينين ، لأحسست أن حركته تشبه ملامسة ثياب النور لجسد الصباح ، وهـــــــــــــذه الثياب هي فوف الصباح البيض التي ستناسب طبيعتها التركيبـــة الغامضة و “العطرية” لكيان الملاك الذي سلّم “الأمانة” للشاعر ، وانطلق تتبعه موجات من فوح الآس والغـــــــار .
والأمر تفسه يُقال حين تتأمل موقع الفعل “مرى” ، الذي وصف به الشاعر خفقة جناحي الملاك المودّعة في ختام هذا المقطع :
(..
























