
عواصف و جحيم لعباس العجيلي
لغة سلسة بمفردات قوية
محمد العميدي
قرأت و بشغف ديوان (عواصف و جحيم ) للشاعر عباس العجيلي (الفرزدق ) و الصادر عن دار الضياء للطباعة و التصميم في النجف الأشرف عام 2008 وتمتعت بقراءة سبع عشرة قصيدة نثرية بثيمات مختلفة . تتشابه قصائد الديوان جميعا بكونها ( قصائد تراجيدية ) غارقة بالهم والمعاناة و الآهات الإنسانية في بلاد الرافدين .
استوقفني العنوان وأنا أقف على أعتابه ، فهو يحمل بطياته نظرة متشائمة للحياة جراء ظواهر التفجير والاختطاف و التهجير ، يبدو الشاعر العجيلي في معظم قصائد الديوان مهموما و متعبا لغاية الإعياء لأنه يكبت المعاناة في وجدانه و ذاته غالبا ما يظهرها بشكل حوارات فردية monologues مع الذات يبدي فيها شديد أسفه لما أصاب بلادنا من مظاهر تخريب تروم قتل كل إبداع وجميل ..
اقتحام عالم الشعر غاية في الصعوبة ، فهي كالسباحة لمن لا يجيد العوم ، إن اتخاذ القرار بولوج عالم الشعر يثير حفيظة المندسين للمشهد الشعري ، ففي قصيدة (أناشيد من بحر الرماد) يشكو الشاعر هؤلاء الذين يعلنون وقوفهم بالضد مما يرنو إليه الشاعر ، كتم يريدون كم الأفواه عن إنشاد الشعر ، ورغم ذلك يصر الشاعر على الإنشاد :
حينما قررت أن اكتب شعرا
سلخوا جلدي بسوط النائبات
وزعوا لحمي على كل الكلاب
تركوني و الذئاب
***
حينما قررت أن اكتب شعرا
عن عيون الفاتنات
عن جمال الغانيات
وضعت تحت سريري قنبلة
وعل جيد شعوري مقصلة
***
وفي قصيدة ( أخاف يا عراق ) فوبيا ، وهي مخاوف غير طبيعية مخزونة في اللاشعور يبيح بها الشاعر في أربعة مقاطع شعرية تبدأ بكلمة ( أخاف ) .. و الجمل الفعلية التي يكثر منها الشاعر تؤكد حالات الاضطراب وعدم الاستقرار التي يعانيها الشاعر..
أخاف من يدي
أخاف حين يقبل المساء
أخاف من نفسي وظنوني
أخاف من سنبلة الحقول
قصيدة نثر
يظهر ( السرد ) جليا في قصيدة ( ويقبل العصفور ) مما يجعلها قصيدة نثر قصصية لما فيها من حكايا السرد .. ثمة صراع بين عصفور و أفعى ، حيث يفلت العصفور من الأفعى منطلقا لفضاء واسع فسيح . يفرح الشاعر بعودة عصفوره وهو :
يعزف سيمفونية الهيام
ولأن الأفعى أمست بلا مكان
وإدانة و رفض ظواهر التفجير والموت الجماعي في بلاد عشقت الحياة ، حيث شيدت أعظم حضارات العالم على مدى التأريخ : ويدس أنفا في القمامة
في الوحول
بحثا عن الخبز المعفن في الفتات
لكن قنبلة على جسد الرصيف
صارت رغيفا فأستلذ بها ومات
ومن القصائد التي تحمل الحب لبغداد قصيدة ( إلى متى ) و ( موتى بلا رفات ) وفيها -مرة أخرى – رفض وإدانة لمظاهر الإرهاب الاختطاف و القتل و التهجير :
كعاشق مجنون
حين يرى عبوة عمياء
تغتال كل لحظة شوارع البلاد
وتطفئ ابتسامة كشعلة
كانت تنير في فم الفرات
بغداد والارهاب كاسطوانة تعاد
بغداد والموتى بلا رفات
***
(سأرسم لوحتي ) ، قصيدة قوية الوقع لما تحويه من تناسق صوتي harmony ، فيها من المفردات التراجيدية ما يجعلها ذات نظرة تشاؤمية للحياة :
أنين ربابة – ثكلى -القفر – الهدم – الوجع – الآلام – الكارثة – مقصلة – الأوجاع – القدر
ورغم ذلك يتكرم علينا الشاعر ببصيص أمل في نهاية القصيدة:
سأرسم لوحتي حلما
***
ومن قصائد الديوان التي تحمل الندم على انتماء الشاعر لعالم الشعراء قصيدة ( ليتني ) ، وذلك لجملة ما يعانيه من أزمات على مر السنين :
ليتني ماكنت شاعر
ليتني لم أك إلا
رجلا كالآخرين
ليتني كنت نديما
لغريب أو مسافر
***
وملامح الثقافة الدينية تبدو جلية في قصيدة ( الأرض كربلاء) ، حيث المفردات الدينية النادرة الاستعمال في لغة الشعر : ( مقطع الوتين )
و الوتين (عرق نابض في الرقبة) ، ورد ذكره في قوله تعالى في سورة الحاقة / 46 ( لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ) . وفي القصيدة إشادة وفخر بموقف أبي الأحرار الإمام الحسين (ع) وصدى صوته في طف كربلاء :
أنا … أنا … الحسين
وفي قصيدة ( الدم المغرد ) دعوة مخلصة للاقتداء بالإمام الحسين (ع) في الوقوف بوجه الظلم ومقارعة الظالمين وتهديم عروش الطغاة :
أنا يا عراق مكبل بحبال طاغية حقود
بجميع ما حمل اليهود
من مكر آلاف السنين الغابرات
أنا يا عراق مكبل لكن صوتي كالرعود
وطن جريح
في قصيدة ( ويهطل الزيتون ) معاناة الشاعر وهو يرى أمامه لوحة وطن جريح يئن من تبعات الحروب . وفي القصيدة ذاكرة المكان ( شارع السعدون ) بما فيه من ذكريات يشير إليها الشاعر .
وفي قصيدة ( تساؤلات وقحة ) تستمر الإدانة و الرفض لما يتعرض له الإبداع في بلاد الرافدين من تخريب و انهيار ، الإبداع بكل أشكاله : فنا وشعرا وثقافة وموسيقى من قبل أعداء الحياة :
لماذا يذبح الشعراء في وطني
ويسقى كل من يشدو
شظايا ألف قنبلة
***
ووهن الشاعر وتعبه يبدو جليا في قصيدة ( إلى ابنتي براق) ، حيث يدعوها لمقارنة تعب أب من عذابات الحياة وتعب وطن من ويلات و ويلات . اشتغال الشاعر ( بتقنية المقارنة ) يشد النص الشعري ويبعد حالات الترهل التي تصيب النصوص الشعرية في الغالب :
تقمصي وجه أبيك يا ابنتي
وارتشفي من سمرتي
أغنية وماء
وحاولي أن تلمسي
مكامن العذاب
***
ويعود إلينا الشعر القصصي في قصيدة ( امرأة من وحل)، حيث تستند القصيدة على ( السرد) الذي يحكي قصة امرأة تغادر البلاد لترجع بأطباع وحشية غير إنسانية تنعكس على سلوكها في التعامل مع أبناء جلدتها و القصيدة فيها رسالة للعائدين من الخارج وممن تحملوا مسؤولية في إدارة البلاد . و السرد جعل القصيدة أطول قصائد الديوان .
وقصيدة ( أنا الصغيرة يا كويت) ، إدانة للاحتلال الصدامي للكويت وما جرى على شعبها من الويلات وما أصابها من الدمار و الخراب ، وفي القصيدة مشاعر الاعتذار من الشاعر الذي يبدو مرغما قد شارك في هذا الغزو وأنه رأى بأم عينه حجم الخسائر من هذه المغامرة . في القصيدة تقنية (الاسترجاع ) و التي تسمى flash back ، حيث الرجوع إلى الذكريات المخزونة في اللاوعي . والشاعر يقارن المواقف الآن وما كانت عليه في الزمن الجميل معتبرا الزمن و المكان هما السبب في خلق الأزمات . ورغم سوداوية النظرة ، فأنني أرى الشاعر متشبثا ببقايا وطن جريح وشعب مزقته فخاخ الطائفية المقيتة فرضت عليه أخيرا النزوح و التهجير ..
وقصيدة ( كصالح في ثمود ) التي استوقفني عنوانها الذي هو أصلا بيت شعري للمتنبي :
أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
قصيدة توحي بثقافة دينية ربما تشكل الخلفية الثقافية للشاعر ، وفيها ينفرد الشاعر بذاته معتمدا الحوار الذاتي :
غريب لا احدث غير أحزاني
ولم أألف سوى همسات أشجاني
وقصيدة (نجمة قلبي ) خاتمة الديوان قصيدة تمتلك من المفردات و اللغة الشعرية ما يجعلها يسيرة الوصول للمتلقي .
و قصائد الديوان عامة ذات لغة سلسة ومفردات قوية الوقع و النصوص الشعرية مترابطة بإحكام مما يشيد نصوصا شعرية وقصائد متميزة واللغة السلسة تمارس انزياحاتها لتكسر معيارية اللغة .
بناء شعري
تمكن الشاعر عباس العجيلي (الفرزدق) و بتلقائية أن يشيد بناءً شعريا متينا ومتماسكا ومتميزا من خلال عالمه الشعري الخاص و بأسلوب خال من التعقيدات ، مما يجعل قصائده سريعة الوصول للمتلقي وسهلة الفهم. يكتب الشاعر عباس العجيلي قصائده بوعي وكثيرا ما تمتد القصائد بأسلوب قصصي بحيث يبدو فيها الشاعر وقد امـــــــــتلك ناصية السرد .
ما يميز القصائد جميعا هو استدراك حقيقة مـــــــــهمة ( إن البشر يتغير بتغير الزمن و الواقع ) . وفي قصائد الشاعر عباس العجيلي ، كما في قصائد الشعراء العراقيين ، (انتظار للفرج ) . نرى أحيانا انفــــــــــلات القصائد من يد الشاعر وكأن القدر هو الذي يحـــــــــرك مشـــــــــاعر الآخرين، وبهذا يرسم لنا الشاعر عباس العجيلي لوحـــــــــــة ضبابية غير واضحة المعالم لمســــــــتقبل مجهول ، ربما يكون السبب هو اشتغـــــــــــاله على شدة التفكير وحالات الإحبــــــــــــاط التي مر بها والفشل الذي أصابنا جميعا في تحمل المسؤولية في إدارة بلادنا . وأخيرا فأن القصائد واقعية تشيع من الكآبة ما يجعل القارئ مأزوم أيضا حيث ينقل الشاعر أزماته لمستلقيه ليعيش معه نفس الظروف لعله يشاركه في إيجاد ثمة حلول !!!
























