
كلية آداب جامعة بغداد في عهدها الذهبي
ما ترويه الصورة : سطور عن ذكريات مضت
طلال سالم الحديثي
ذات يوم كنتُ فيه أتفقد احدى خزانات مكتبتي التي إقتحمها ذات ليل مؤرق جندي أمريكي من أولئك الذين كانوا يهبطون كأطياف الجن ليفتشوا غرف نومنا بحثاً عن سلاح مزعوم ، وأذكرُ بعد أن أيقظني مذعوراً وقع بسطاله الثقيل أنه يئس عن العثور على سكين صغيرة لتقشير فاكهة ، فوقف مبهوتاً أمام رفوف عليها مئات الكتب إن لم تكن آلافاً لاتعادلها سوى خزانة المجلات التي أنفقت شطراً من عمري في جمع أعدادها ، فسألني عن شغلي ، فأجبته : معلم من المعلمين ، فهز رأسه مبهوتاً ، وسألني : هل يحتاج المعلم عندكم إلى كل هذه الكتب والمجلات والصحف ليصبح معلماً ؟! لم أُ جِبهُ سوى بإبتسامة سخرية مرتعشة على شفتيَّ اللتين أرمضهما خوفٌ مكتوم من هؤلاء الغزاة الذين إقتحموا غرف نومنا كما لم يفعله جنود هولاكو مثلما قرأنا عنهم في سنينهم التي بادت بعدما سادت ، فحتمية التاريخ تقضي بعدم دوام حال ولا إستبداد رجال ! صافحني الضابط الأمريكي محاطاً بجنوده وخاطبني قائلاً : أتمنى لك ليلة طيبة وسط هذه (العقول ) التي تنامُ على رفوف مكتبتك آمنة مُطمئنة . غير أن (القلق ) الذي ساورني حينها تحوّل إلى طمأنينة أعادتني إلى دُرجٍ في مكتبتي كنتُ قد أودعتُ فيه كما أذكر صور طفولتي وشبابي ، تلك الصور التي إلتقط بعضها مصور يُقال أنه تركي الأصل والمنشأ كأن يأتي إلى مدينتنا بين حين وآخر ليلتقط الصور لمن يحتاجها – وخاصة صور الأشخاص التي تحتاجها المعاملات الحكومية – ولم يكن حينها وجود لمصور مستقر في مدينتنا ،
كاميرا مشابهة
وهو أول من أدخل ( الكاميرا ) ذات الصندوق والكيس القماشي الأسود إلى مدينتنا والتي إلتقط لي بواسطتها صوراً وأنا في الصف الرابع الابتدائي والتي مازلتُ محتفظاً بها ، وعن طريق هذا المصور الذي أذكر أن أسمه (عصمان) اقتنى أخي المغدور به الفنان (هيلان ) كاميرا مُشابهة إشتراها من مصور كان يبيعها في منطقة ( علاوي الحلة ) في بغداد ، وبها صار مصوراً إضافة إلى كونه رساماً وخطاطاً وممثلاً. ومما إستوقفني من مجموع صوري صورتان من بين صور كثيرة ، هاتان الصورتان اللتان أنشرهما مع هذه السطور لأنهما تتعدى كونهما من صور عهد مضى بل لأنهما تشيران الى أيام زاهرة لايذهبُ الزمان بطراوتها ونبضها. صورتان تحكيان عن تقليدٍ من تقاليد جامعة بغداد في عصرها الزاهي الذي إبتدأ برئاستها علامة العراق المرحوم الدكتور عبد الجبار عبد الله والذي تلاه من بعده علامة العراق في التاريخ المرحوم الدكتور عبد العزيز الدوري . ذلك التقليد هو إستقدام جامعة بغداد لأساتذة_ وأخص الأساتذة العرب – من جامعات البلاد العربية ، وفي مقدمتها الجامعات المصرية التي كانت زاخرة وزاهرة بأساتذتها الذين يعدون من أعلام الأساتذة والباحثين والمفكرين حينها ، وذلك الإستقدام العلمي كان على مستويين ، المستوى التدريسي ، ومستوى الإعارة المؤقت – ستة أشهر – على الأغلب ، وعن هذا المستوى أكتب ، لأنني عاصرته منذ قبولي طالباً في كلية آداب جامعة بغداد للعام الدراسي 1963 _ 1964، وكان عميد تلك الكلية حينها أُستاذ البلاغة العربية الشهير المرحوم الدكتور . أقول : تستقدم كلية الآداب مجموعة من الأساتذة العرب لألقاء محاضرات على طلبتها حسب إختصاص الأستاذ الزائر ، إضافة الى محاضرات كادرها التدريسي الثابت ، وهذا ماشرفني بمعرفة عدد من الأساتذة عن قرب ، وما ربطني بصداقة مع أغلبهم ، تحكي بعضها الصورتان المنشورتان ضمن هذه المقالة . في ذلك الحين من الزمن الجميل الغابر – إُفتتح – قسم الإعلام – لأول مرة في جامعة بغداد وكان من أقسام كلية الآداب ، وكان أغلب أساتذته من مصر وعلى رأسهم الدكتور المرحوم عبد اللطيف حمزة ، أما قسم اللغة العربية الذي كنتُ أحد طلبته ، فقد إستقدم أساتذة على سبيل الإعارة لمدة عام ، وإعارة لمدة ستة أشهر، وكان في طليعة المُعارين لمدة عام أستاذ البلاغة العربية الشهير على مستوى الوطن العربي المرحوم الدكتور بدوي طبانة ، وقد درسني مادة ( المعلقات ) في الصف الأول. ومنهم أستاذ النحو العربي والمحقق والباحث الدكتور حسين نصار وقد درسني مادة النحو الأدبي ، ومنهم الأستاذ الدكتور ماهر حسن فهمي الذي درسني مادة النقد الأدبي ، والذي كان يضع المرحوم – الدكتور علي الوردي – على رأس قائمة النقاد العرب إضافة إلى موقعه الرائد في الدراسات الاجتماعية كعالم من علماء الإجتماع في العراق والوطن العربي ، والى الأســـــــتاذ ماهر حسن فهمي يرجع فضل إنتباهتي إلى دراستي التي نشرتها قبل أعوام عن ( علي الوردي والأدب الحي ) .
فن القول
ومنهم الدكتور المرحوم عبد الحكيم بلبع الذي درسني مادة النقد الأدبي في مرحلة تالية ، ولي معه ذكريات ليس موضعها هذا المقال ، ولعل موضعها كتابٌ قادم لي بعنوان – منهم تعلمتُ – الذي أعمل على تأليفه بعون من الله تعالى . ومن الأساتذة المُعارين لمدة ستة أشهر، الأستاذ المرحوم أمين الخولي أستاذ البلاغة العربية الشهير ورئيس هيئة الأمناء ، ومؤلف كتاب ( فن القول ). والذي ظهرت معه في الصورة المنشورة ضمن هذا المقال ويظهر إلى جنبه أستاذ البلاغة ورئيس المجمع العلمي العراقي الدكتور أحمد مطلوب الذي درسني مادة البلاغة العربية في سنة دراستي الثانية . ومنهم الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطىء ) وهي حرم المرحوم أمين الخولي ، الكاتبة العربية الشهيرة . ومنهم المرحوم الأستاذ الدكتور طه الحاجري الذي يُعد من أشهر مُحققي مخطوطات التراث العربي، وتحقيقه لكتاب بخلاء الجاحظ أحد شواهد عمله المُتقن في ميدان التحقيق . ومنهم الأستاذ المرحوم شوقي ضيف الذي أرّخ للأدب العربي عبر عصوره المختلفة، وخلّف لقراء العربية كتبا اثرت المكتبة العربية وأغنتها . ومنهم الدكتورة اللامعة المرحومة سهير القلماوي التي درست كتاب ألف ليلة وليلة أروع دراسة ، ومهدت بكتابها لدراسة الأدب الشعبي العربي . ومنهم الدكتور المرحوم ناصر الدين الأسد الذي ألّف الكتاب المهم والرائد عن مصادر دراسة الشعر الجاهلي . رحمهم الله جميعاً فقد كانوا رواداًً صادقين في ميدان البحث الأدبي ، وصدق فيهم القول المأثور : الرائد لايكِذبُ أهله . وعسانا أن نكون قد نفعنا بما تعلمناه منهم أجيال زمننا الحاضر الذي إشتعلت رؤوسنا شيباً بينهم ونحن جادون في تثقيفهم بما ثُقفنا به ، والله تعالى الهادي إلى الصواب .
























