قراءة في البعد الآخر للتواصل بين البشر

الإتصال عبر لغة الجسد

قراءة في البعد الآخر للتواصل بين البشر

لبنى حسين سلمان

قد يعتقد المرء إن التواصل البشري والإنساني يتم بالكلام وأفعاله فقط لكن في الحقيقة هناك وسائل اتصال متعددة ليست باللغات المتعارف عليها ومع ذلك لها قوة تأثير قد تفوق الكلمات وقد تحكم العلاقات منذ اللحظات الأولى للتعارف. تسمى هذه اللغة بلغة الجسد وتتبع ما يطلق عليه بالاتصال غير اللفظي. تسهم به حركات العين الإرادية واللاإرادية أو حركات الشفاه الواعية وغير الواعية أو حركات الوجه بأكمله كرفعه أو خفضه أو تركيزه على جهة معينه، ومنه ما يقال أشاح بوجهه عنه أي اعرض عنه كرها أو ازدراءا، أو حركات اليدين أو الساقين…الخ. كل هذه الحركات وغيرها لها معاني تزخر الكتب بوصفها وتفسيرها لا سيما في وقتنا الحالي حيث تمتلئ بها المكتبات كوسيلة لفهم المقابل وتسهيل عمليات الاتصال بين البشر خصوصا في الأعمال التي تستوجب الاتصال البشري ليتم على أساسها التصرف. بعضها ما يقرن بعمليات البيع والشراء لفهم الزبون وبالتالي معرفة كيفية التعامل معه. ويستفيد منه أيضا من يتعامل مع الحالات الخاصة في الطب والطب النفسي وتعد هذه اللغة كذلك من الأساسيات في تفسير وتحليل لغة الخطابات السياسية وفي المؤتمرات وغيرها. توجد دراسات كثيرة في هذا المجال تختص بالتعريف بمختلف حركات الجسد وتصنف دلالاتها حسب الثقافات والأجناس. فهي تختلف باختلاف ثقافة الشعوب والبلدان وكذلك حسب الجنس والفئات العمرية. فحركات المرأة ليست نفسها حركات الرجل. وللأطفال أيضا حركاتهم الخاصة بهم. فذو السنة والسنتين لم يتمكن بعد من الكلام ويعتمد بذلك على البكاء أو الابتسامة وحركات اليدين والقدمين لتعرف الأم ما يريد طفلها أو ما يحب وما يكره.

ماذا نعني بلغة الجسد؟

تسمى لغة الحركات هذه والتي تصدر عفويا غالبا من الإنسان إثناء حواره مع الآخرين بلغة الجسد أو اللغة غير اللفظية وتعرف على إنها كل تبادل خارج إطار الكلام. وتعتمد على حركات الجسد والوجه وتعبيراته، وتعبر عن حالة المتكلم من فعل ورد فعل، وتكون حركات بعضها إرادية وأخرى لا إرادية.  ولا تقل بأهميتها ودلالاتها عن الكلام. فردود فعل المتلقي تتأثر بالحركات التي يؤديها المتكلم. تختلف الحركات عن الإيماءات. فالحركة ترتبط بالجسد والإيماءة ترتبط بالوجه. وهنا يجب توخي الدقة في المصطلحات المستخدمة. وتعد إيماءات الوجه أكثر تعبيرا وأهمية من باقي حركات الجسد. إن حركات الوجه وحدها كفيلة بتعريف ما إذا كان في الكلام تهديدا ووعيدا فليس بالضرورة استخدام المتكلم السبابة للتهديد. إن مشاعر الإنسان كالخوف مثلا وكذلك الفرح تظهر بوضوح على الوجه من خلال هذه التعبيرات.

من الجدير بالذكر إن الاتصال الشفوي يتم بالدرجة الأولى لنقل المعلومات أما الاتصال غير الشفوي أو غير اللفظي فيستخدم للتفاوض أو بديل للرسائل الشفوية1. ونحن نقول إن الإنسان قد يجاب طلبه بفضل حركات جسده التي يبديها أثناء الطلب لما لها من تأثير كبير على المتلقي. فالتهذيب يعكس ملامحه على الوجه لا بل على حركات الجسد بأكمله.

تشير الدراسات والأبحاث إلى إن العالم الكبير دارون هو أول من سلط الضوء على هذه الميزة لدى الإنسان أي التواصل من خلال لغة الجسد في كتابه  “التعبير عن العواطف لدى الإنسان والحيوانات” نُشر عام 1872. لكن الدراسات في هذا المجال ابتدأت فعليا في السبعينيات من القرن الماضي. من جهته، يصف الخبير الكندي كي كابانا المتخصص في مجال الاتصال غير اللفظي في كتابه “حركاتك تخونك” إن هذا النوع من الاتصال هو شكل من أشكال التحاور لكن بصمت. وتكون هذه الرسائل الصامتة عفوية وصادقة وهي انعكاس غريزي لردود الأفعال والمشاعر2. قد يتواصل المتحاورون سلبا أو إيجابا من خلال الاتصال غير الشفوي وقد يضيف هذا الاتصال بعدا أخر للكلام. هذا يفسر اهتمام الاختصاصات المختلفة بدراسة هذه اللغة منهم علماء الانثروبولوجيا وعلماء الاثنيات وذلك للتعرف أكثر على الإنسان والاطلاع على ثقافات الشعوب والمجتمعات والاثنيات المختلفة. ويهتم بدراستها أيضا المعالج النفسي ليفسر ويحلل الحالة النفسية لمريضه.ويدرسها كذلك محللو الخطاب ليصلوا إلى التفسير الدقيق لخطابات الرؤساء والسياسيين.

  ويشير كي كابانا في كتابه هذا إلى الأبحاث التي أجراها بعض العلماء والأساتذة المختصين في هذا المجال كشارل دارون وادوارد هيس. وقد تبين إن حركات الجسد تشكل  87  بالمئة من لغة الاتصال بين البشر3. وبحسب ما أشار إليه عالم الانثروبولوجيا ادوارد هال إن هناك 700,000 إشارة طبيعية يصدرها الجسد، للوجه وحده  250,000  تعبير مختلف. وفيما يخص حركات اليد فتصدر تقريبا 5000 حركة مختلفة. ويذكر السيد كابانا إن الباحثين صنفوا هذه الحركات إلى أربعة أنواع بين طبيعية أو فطرية ومكتشفة ومكتسبة ومتعلمة4.

ترتبط هذه الحركات لا سيما حركات الوجه ارتباطا وثيقا ومباشرا بمشاعر الإنسان. فهي التعبير الصادق عنها والمترجم الفعلي لإحساساته وهذا سبب كونها عفوية. في عام 1972 حدد العالم بول ايكمان 6 مشاعر أولية للإنسان كالغضب والفرح والخوف والحزن والمفاجأة والاشمئزاز واوجد العلاقة بين هذه المشاعر وتعبيرات الوجه. علما إن الأخيرة كانت قد اكتشفت من قبل عالمي النفس هاكارد وايزاك في عام 1966 5.

أسس الاستشاري الفرنسي في الاتصال البشري في عام 1996 ما أطلق عليه سينيركولوجي (Synergologie) وهو علم يبحث في مراقبة لغة الجسد من خلال دراسة السلوك البشري. وخلال 20 عاما من العمل الدؤوب لهذا الاختصاصي وفريقه في أنحاء متفرقة من دول العالم استطاعوا جمع وتسمية عدد كبير من رموز لغة الجسد. فكونوا أرشيفا كبيرا من مقاطع الفيديو لأكثر من 2500 حركة للاستدلال على معانيها وليستفيدوا منها في تدريس وفك رموز هذه اللغة. وبعد أن كان هذا العلم في السابق قائما على عملية فهم لغة الجسد أصبح اليوم يستند على قاعدة متينة من مفردات هذه اللغة وتعدى الهدف محاولة فهم الأخر إلى إقامة اتصال حقيقي غير شفوي يهدف إلى تحسين العلاقات بين الأشخاص وعلاقات العمل. تستقطب هذه الدراسات خبراء التنمية البشرية وعلم النفس المختصين بالبيع والشراء والمحققين والشرطة والتدريسيين…الخ6.

 إن محاولة قراءة واستقراء حركات الجسد وإيماءات الوجه ليست بالعملية السهلة. فليست كل حركة أو إيماءة تعبر عن حقيقة السلوك. فقد تخون الحركات صاحبها أو من يحاول قراءتها. فالعيون لا تنبئ دائما بالحقيقة ولا تبلغ عما يشعر به صاحبها أو تكشف كذبه. هناك من الأشخاص من يستطيع التحكم بهذه الحركات ليصدر رسائل هو يريدها. وبعض هذه الحركات تبقى مبهمة عندما لا توجد مسلمات لتفسيرها. لذلك يسعى الخبراء والباحثون إلى توسيع أفاق هذه الدراسات ومحاولة الإلمام بكل جوانب هذا النوع من الاتصال. وعليه نلاحظ الإقبال الشديد على دراسة هذا النوع من أنواع الاتصال ليتسنى ربما توطيد العلاقات الإنسانية بين بني البشر.

أهمية معرفة لغة الجسد

هناك كثير من المصادر والأبحاث التي تولي أهمية للتعريف بلغة الجسد وإعطاء تعليمات صريحة ووافية في قراءة حركات وإيماءات المتكلم لتسهيل عملية الاتصال بين بني البشر من جهة ولمساعدة الأشخاص الذين تختص أعمالهم بالتعامل مع الناس من جهة أخرى. فالاتصال غير الشفوي وسيلة من وسائل الاتصال والتواصل. يقول نيكولاس بوثمان في مقدمة كتابه “كيف تجعل الناس تحبك في 90 ثانية” : إن اكتشاف سر النجاح ليس صعبا. فكلما حَسُنَ تواصلك مع الآخرين، كانت نوعية الحياة التي تحياها أفضل”7. ويتحدث في كتابه هذا عن أهمية وفوائد التواصل مع البشر لأننا وحسب قوله نتواصل إراديا أو لا إراديا مع الأخر في كل تعاملاتنا اليومية. وعن فوائد التواصل يذكر بان ” التواصل بين البشر هو المسؤول عن إحداث النمو على مستوى الفرد والتطور على مستوى المجتمع ككل…فنحن مدفوعون بالفطرة إلى الاتحاد مع بعضنا البعض وتكوين مجموعات من الأصدقاء وإنشاء المؤسسات والجمعيات التي لولاها ما كنا نستطيع ممارسة أنشطتنا وحياتنا اليومية”8. وتأتي أيضا أهمية المعرفة بلغة الجسد ذلك لأنها تحتل نسبة 55 بالمئة  من الاتصال حسب الدراسات التي أجراها عالم النفس الأمريكي البير مهربيان في هذا المجال. أما الاتصال بواسطة الكلمات فيشكل نسبة 7 بالمئة   و38 بالمئة  للصوت ولنبرة الصوت. أي إن الاتصال المرئي وغير الشفوي يحمل دلالات ومعلومات أكثر من الاتصال الشفوي والصوتي (الكلمات ونبرات الصوت)9.

يحث أخصائيو التنمية البشرية على الاتصال بواسطة لغة الجسد بل وتحسينها فهي واحدة من وسائل الاتصال سيما مع من لا نعرف. تساعد دراسة لغة الجسد أيضا على دراسة الإنسان ومعرفة سلوكه والطرق المناسبة للتفاعل مع الآخرين. إن الإلمام بلغة الجسد وقراءتها بالشكل الصحيح تمكن المتحدث من السيطرة على الحوار بدأه أو إنهاءه وذلك عند قراءة دلالة الإشارة التي يرسلها جسد المتلقي والتي تساعد على فهم سلوك الشخص المقابل وبالتالي معرفة كيفية التعامل معه. مثال على ذلك : عند الدخول إلى مكتب أو دائرة يكون الاتصال الأول من خلال لغة الجسد فطريقة الدخول والتقدم نحو الموظف المسؤول وحركة العيون والرأس فيها ما يثير طمأنينة الموظف أو بالعكس قد تثير الريبة. وقد تدل حركات الشخص اللاإرادية وغير المرافقة لكلام على مكانته الاجتماعية كأن يكون عالما أو شخصا ذا نفوذ أو من الكادحين. ويظهر الذكاء ملامحه على وجه صاحبه. ويرسم الخجل مساره في حركات وجه وجسد المتكلم. قد ترسل هذه الإيماءات والحركات إشارات تبعث على الطمأنينة أو الرضا أو المحبة والحنان كالنظرات التي تتبادلها الأم مع طفلها وأخرى تعبر عن تهديد أو كراهية تميز الأشخاص المتنازعين على شيء ما.

في السابق كانت الأهمية تعطى فقط لحركات العين باعتبارها مرآة النفس تعكس لا إراديا ما يجول في خاطر الإنسان.  فكانت لحركاتها معاني كثيرة. بعد ذلك تعددت الدراسات التي سلطت الضوء على حركات الجسم المختلفة. كحركة اليدين والأصابع والساقين وطريقة الجلوس والتقرب أو الابتعاد عن الشخص عند توجيه الكلام إليه. إن هذه الحركة الأخيرة قد تثير المراكز الدفاعية في نفس المتلقي. وعليه يُقيم هذا الاتصال ناجحا أو على العكس مستفزا بفعل درجة اقتراب المتكلم وحسب درجة المعرفة أيضا وثقافة الشعوب. وتعد المساحة التي تحيط بالإنسان هي المنطقة المحرمة فالاقتراب أو الابتعاد عنها له دلالاته أيضا وقد تثير الغريزة الدفاعية إذا كانت على غير هوى المتلقي. فالاقتراب المبالغ به قد تفسر على أنها حركة عدائية ويجب التصدي لها أو قد ترسل رسائل ذات معاني أخرى حسب السياق الذي من اجله تمت هذه الحركة. إذن فالاتصال غير الشفوي لا يقل بأهميته عن الاتصال الشفوي فأما أن يعزز العلاقة أو يهدمها وأما أن يثير هواجس المتلقي أو على العكس يثير غريزته الدفاعية بحكم اختراقه للأرض الحرام الخاصة بالمتلقي.

لغة الجسد في الثقافات المختلفة

تعد لغة الجسد لغة كونية تشترك بامتلاكها شعوب العالم المختلفة. قد تتشابه بعض هذه الحركات بدلالاتها ومعانيها بين الشعوب أو قد تختلف بعضها باختلاف الثقافات. هناك بعض الحركات المشتركة بين الشعوب. فحركة الرفض بتحريك الوجه يمينا ويسارا أو القبول وتكون بهز الرأس أعلى وأسفل، حركات تتفق على دلالتها اغلب الشعوب. أما صك  الأسنان وإظهارها فهي حركة هجومية وكذلك باقي الحركات العدائية اللاإرادية فهي أيضا حركات مشتركة بين أفراد الجنس البشري. أما التحية فتتنوع عند الشعوب بين المصافحة والانحناء والتقبيل ورفع القبعة والإيماءة بالرأس. هذه الحركات قد تفهمها ثقافة ولا تفهمها أخرى أو قد تكون دلالاتها معاكسة. تشير الكتب والأبحاث على سبيل المثال إلى إن مسافة الاقتراب من الأشخاص وكذلك مستوى النظر عند الحوار تختلفان من بلد لأخر ومن أثنية لأخرى. ففي اليابان لا يجب النظر إلى العين عند الكلام ويتم خفض مستوى النظر إلى العنق. وفي أمريكا وكندا يعد التواصل البصري المعتدل  أمرا مهما لأنه دليل على الانتباه والاهتمام بالموضوع.

لغة الجسد تختلف باختلاف الجنس والفئات العمرية

تختلف الإيماءات والحركات بين الرجال والنساء. فلكل حركاته الخاصة به وان اشتركوا في بعضها فهم يتقاطعون في غيرها. تشير الدراسات إلى إن المرأة ترتدي معطفها ابتداء من اليد اليسرى والرجال يرتدون معاطفهم بإدخال اليد اليمنى. قد تكون طريقة الجلوس والكلام دفاعية عند المرأة أكثر من الرجل. ويشير آلن بيزو في كتابه لغة الجسد إن للنساء قدرة فطرية على قراءة لغة الجسد وفك رموزها وذلك بفعل “الحدس النسوي” الذي تمتلكه المرأة فضلا عن تمتعها بعين دقيقة تراقب التفاصيل الصغيرة وتمكنها من كشف الكذب عند الرجال10 . وتبقى للمرأة حركاتها التي تتناسب مع تكوينها الجسدي والفكري وقد تفرض عليها البيئة التي تعيش فيها وتقاليدها بعض هذه الحركات. هذا ينطبق على الرجل أيضا.

أما الأطفال فلهم حركاتهم الخاصة بهم كحركات العين والرأس واليدين مثل وضع اليد على الفم عند الكذب. يلجأ الأطفال الذين لم يبلغوا بعد مرحلة الكلام إلى تحريك الوجه والجسد للتعبير عن ما في داخلهم، وهي حركات في أحيان كثيرة يصعب فهمها لكنها سبيلهم الوحيد للاتصال. فتعرف الأم الرفض بإشاحة وجهه عنها أو الرفس بقدميه أو البكاء حتى وإبعاد اليدين. لكن القبول يشير إليه بهدوئه وبابتسامته ورفع يديه باتجاه الأم.

يعكس فن التمثيل هذا الأمر بوضوح عندما يجسد الممثل السيرة الذاتية لشخصية معروفة فيظهر وهو يافع ثم يدخل مرحلة الشباب ثم في متوسط العمر ثم الشيخوخة نلاحظ تغير حركاته تباعا لهذه المراحل العمرية. تكون حركاته سريعة كالجري والكلام وخفض الرأس خوفا من خطأ قد ارتكبه أو عند الكلام مع الكبير عندما يقوم بدور مراهق أو شاب. أما المراحل الأخرى فتكون حركات الممثل أكثر اتزانا وثقة وأكثر شدة ونفاذ. وفي الشيخوخة فالأمر واضح من بطئ الحركة وربما السماحة التي تظهر على تقاطيع الوجه بفعل الحكمة التي يكتسبها من تجارب الحياة عند وصوله إلي هذه المرحلة العمرية. نستطيع القول إن مخرج العمل يحاكي المتفرج من خلال الشاشة ويوصل له هذه المعلومات جميعها بواسطة لغة الجسد. وهنا تظهر قدرات الممثل بإقناع المتفرج بأنه يمر بهذه المراحل العمرية من خلال لغة جسده المعبرة.

لغة الجسد في الآداب العالمية

قبل أن تختص بها الدراسات وتقوم عليها الأبحاث كان الروائيون والشعراء أول من اهتم وما زالوا بلغة الجسد ودلالاتها وتفسيراتها واستندوا عليها في إبداعاتهم الأدبية. فكانت إلهامهم للكتابة وتعبيرهم عنها في مؤلفاتهم. فقد يكون المحسوس ابلغ من الملموس وقد يكون أكثر تأثيرا واصدق تعبيرا من الكلام. عندما نقرأ الروايات الفرنسية كرواية البحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست مثلا نجد فيها تركيز على حركات العين والشفاه وغيرها وهو ما يعتمد عليه الراوي لتفسير الكلام غير الصريح لبعض الشخصيات.

 وهناك مقاطع من الرواية كانت تعتمد في مجملها على الحركات والإيماءات المتبادلة بين أبطال الرواية.  في هذا المقطع يصف الراوي ما يراه في عيني لوكروندان إحدى شخصيات الرواية عند سماعه أسم الدوق كيرمونت. حيث يبدو من حركة العين إن له موقفا سابقا معه لم يكن للراوي علما مسبقا به

: ” عند ذكر اسم كيرمونت، ارتسم في وسط عيني صديقنا الزرقاوين شق اسمر صغير كأنهما قد طعنتا بشيء مستدق غير مرئي، وفي بقية البؤبؤ كانت قد اهتاجت أمواج لازوردية. أسود جفناه وانخفضا. واحتجزت ابتسامةٌ سريعةٌ فمه المميز بثنية مريرة. وظلت نظراته متألمة كنظرات شهيد وسيم ترصع جسده بالسهام”. نلاحظ من خلال هذا الوصف الدقيق، إن إيماءات الوجه بين حركة العين والشفاه كانت معبرة جدا لتعريف القارئ بوجود توتر في العلاقة بين الاثنين.

تعكس هذه الحركات مدى الألم الذي أحست به هذه الشخصية عند سماعها لهذا الاسم. تجدر الإشارة إلى إن راوي بروست ارتكز كثيرا في هذه الرواية على قراءة لغة الجسد ليستقرئ ما لم يقال من جهة، ومن جهة أخرى كانت الشخصيات لديه تستعيض بالحركات للتواصل فيما بينها في المواقف الحرجة. وهنا يمكن القول إن هذه اللغة بليغة ومعبرة لأنها تمثل الانعكاس الحقيقي والصادق لمشاعر الإنسان كما اثبت دارون من قبل ومن جاء بعده.

الابتسامة  : تعبير متعدد الدلالات

للابتسامة معان ودلالات مختلفة تختزل عبارات طويلة. وقد تكون في بعض الحالات ابلغ من الكلام وقد تغني عن كثير من الكلمات والجمل. فالابتسامة تقرن بالقبول والموافقة. في الثقافات الأوربية قد يلجأ الماره في الشارع عند التقاطع والتقاء النظر مع الأخر إلى الابتسامة لإشاعة السلام والطمأنينة. وتشير الأبحاث أيضا لما للابتسامة من فوائد جمة على صحة الإنسان. فالمشاعر الايجابية كالابتسامة السعيدة تزيد من تدفق الدم الحامل للأوكسجين إلى الدماغ وتساهم في المشاعر البهيجة. وللابتسامة أشكال مختلفة ودلالات مختلفة. وهي تحمل الكثير من المعاني. فمنها ما يكون تعبيرا عن الفرح أو حتى الموافقة. لكن هناك ابتسامات تنم عن استهزاء وسخرية أو قد تكون غامضة تثير الشك وتنبيها لمضمون خفي…الخ. يذكر الن بيز في كتابه “لغة الجسد”، ثلاثة أنواع من الابتسامات ومعانيها وذلك بحسب الأبحاث التي أجراها العالم إكمان. فهناك الابتسامة المستشعرة وهي التي تعبر عن الابتهاج العفوي والسرور والابتسامة البائسة وتعبر عن الشعور بالتعاسة أو الهزيمة والابتسامة الزائفة11. إذن عند رؤيتنا لأحدى هذه الابتسامات ربما نستطيع أن نلمس ما يشعر به المتلقي من مشاعر سلبية أو ايجابية تجاه ما نقول أو نفعل.

ليس بالكلام وحده يتواصل البشر فلغة الجسد بحركاته وإيماءاته لا تقل دلالاتها أهمية عن الكلمات وهي لغة مشتركة تجمع بين مختلف الجنسيات والقوميات والشعوب. بل بالعكس فقد تفند أو تثبت الإيماءة أو الحركة مصداقية المتكلم.

وقد تكون في بعض المواقف ابلغ تعبيرا من الكلام. ترتبط هذه الحركات ارتباطا وثيقا بالمشاعر وهي المبلغ عنها. من هنا تأتي أهمية لغة الجسد فهي وسيلة اتصال قائمة بحد ذاتها بتعبيرها عن كثير من المشاعر وردود الأفعال وما يفكر به الإنسان.  لغة الجسد هي لغة أخرى تخلو من الكلمات المتعارف عليها في التواصل بين بني الإنسان لكنها لا تقل عنها أهمية لحصول التقارب الاجتماعي.

 وهي أيضا غنية بمعانيها ودلالاتها. بل وقد تكون اصدق من الكلام لأنها لغة عفوية لا إرادية في العموم. وهي البعد الأخر للاتصال بين البشر.

المراجع

 1-الن بيز، لغة الجسد : كيف تقرأ أفكار الآخرين من خلال إيماءاتهم، ترجمة سمير شيخاني، الدار العربية للعلوم، بيروت، 1997 ص8.

2- Guy Cabana, Vos gestes vous trahissent, Ed. Ambre, Suisse, 2008, p.18.

 3-المرجع ص 19.

 4- المرجع ص 20?24.

5-https://ar.wikipedia.org/wiki

6-http://non-verbal.synergologie.org/nonverbal/communication-non-verbale/le-langage-corporel-doit-il-etre-un-objet-scientifique

 7-نيكولاس بوثمان، “كيف تجعل الناس تحبك في 90 ثانية، الطبعة الســــــــادسة عشرة المترجمة مكتبة جرير 2009.

 8-نفس المرجع ص 4.

 9-انظر الن بيز، لغة الجسد، ص8.

 10-نفس المرجع ، ص9.

 11-نفس المرجع، ص 172-173.