
الكاتبة والشاعرة لنا الفاضل
الوطن ليس قابلاً للإستبدال
حمدي العطار
لا يمكن الاستعانة بمقولة انكليزية يتم التذكير فيها في عالم السياسة والمفاوضات الدبلوماسية وفي المعاهدات والاتفاقيات وقرارات وقف أطلاق النار، لنقول لمن فرط بالارض ووافق على التمسك بالعناوين البارزة وأهمل المحتوى والمضمون،وحينما يكتشف حجم الخداع،ومقدار الخسارة، نقول لهذا (الشيطان يكمن في التفاصيل)،ولا أظن بأن الكاتبة والشاعرة العراقية المغتربة (لنا الفاضل) قد جال في خاطرها كل ما ذكرت عن أهمية التفاصيل في عالم السياسة، لكنها ليست بعيدة عن احساسها بألم الوطن فكان أهداؤها غريبا “الى التفاصيل الصغيرة التي كان منها الوطن الذي أحب”
حضارة وأمجاد تخلف أحتلال وصراعات طائفية
في ديوان الشاعرة لنا الفاضل (لم تكن أنت) ،الصادر عن دار الجواهري للنشر والتوزيع سنة2017 ،والذي يقع في 135 صفحة من الحجم المتوسط ، يضم الديوان قصائد متنوعة،وهو المؤلف الثاني للشاعرة وكان الاول (نصوصا) او قصصا قصيرة بعنوان (كان لنا) وهي عبارة تعني الفقدان لشيء كان موجودا من قبل!لذا فأن باقي الأهداء هو عبارة “الى الغد الذي ينتظر وطنا يعود”وبما أن المثقف لا يمتطي مركبا للخذلان وتسعفه ذاكرته ،من أي بشر هو؟وكيف كانت حضارته وحياته،وتلك الصورة المسترجعة لمشاعره، التي تمثل التفاصيل الصغيرة المعبرة،فقد رصدت بصيرة الشاعرة جميع تلك الصور في قصيدتها (أتذكر)
“أتذكر الأسيجة الواطئة/ مكسزة/بالآس/وجسرا تحته دجلة تموج بالحكايا/فيه صياد ورزق / وشبكات صيد عزيزة/ كأنهن حبيباته الفاتنات “
وتتوالى الذكريات الجميلة عن الشوارع وضحكات الاطفال وعباءة الجد والجد ورفعة العلم وهيبته وتتصاعد وتيرة الانفعال لتتحول الصور الشاعرية الجميلة للذاكرة الجمعية التي تعبر عنها الشاعرة الى نوعا من العتاب والغضب وحتى الاحباط !
“أتذكر حين كان الوطن/يمسك بأيدينا ويركض/يغني معنا/للسماء بفرح/يشرب (استكان) الشاي/يغزل شعر البنات/يغازل الغروب/يحتفل في الأعظمية ويزور الكاظمية/كان كل هذا في جولة واحدة/أبدا لم تكن جولتين/كل هذا رحل/ حين قصصنا جديلتي الأمان/حولنا مزارع السواد/لأرض ترتدي السواد/ وأحتفظنا بعدهن/بكنزنا الجديد/ (تغريب وخذلان ودمعتي
تحقيق الذات عند الشاعرة
تحاول الشاعرة ملامسة اهم المشاعر الانسانية من أجل أيقاظ الذات،وهنا الذات عندها ليس الانا – الانانية- بل هي الرغبة في الحب والحياة الكريمة،والاحساس بأنسانية البشر ومساعدتهم للتخلص من العبودية والخذلان، القصيدة عند “لنا الفاضل ” فرصة لتحقيق الذات بدلا من التضحية بها،هي تنمية للوعي والابتعاد عن نزعة الشك، ففي قصيدة (هلع) ترى ذاك التحدي لتحقيق الذات:-
“حينما تصفق الأكف/ تصاب كفاي بالهلع / هل مر دكتاتور… أم مر قريبا من موكب للبدع؟؟!/حين تزغرد الحناجر/ تكبل القواميس إبتساماتها عنوة رحمة بنازح بالبرد قد/ صفع”
وفي قصيدة (أنتفض) يبدو لي ان الشاعرة قادرة على التحدي وقد يفسرها البعض نوعا من الغرور، أنها تدحض كل ما هو مخز ،وهي لا ترى شيئا جديرا بالاعتبار أذا ما تم سحق الانسان وضاع الوطن:-
“تجثم على تلفازك/ أخبار الموت وإبتسامات القتلة/وكل ما لك،أن تكون/صدرا يتلقى تلك الطعنات/وعيناك تقول للحزن هيت لك/خلف نافذتك/تناديك العصافير وعطور الأرض/لا تنهك يومك/نحن هنا/نغني ونسبح عوضا عنك” وتكتمل التوترات في هذه المحادثة القاسية لتصل الشاعرة الى غايتها وبخط مستقيم إنتفض وغادر محطات السكون /هويتك خلف كل هؤلاء/خذ قلبك للزهور/ خذ يدك بيديك/وكن كما لم تكن يوما/صدى للرفض”
وحينما يكون التحدي مع الرجل ،تصبح كلمات العتاب بشكل مباشر ،فالشاعرة أمراة ولا بد من أن يكون الصراع مفتوحا مع كل مصادر الاضطهاد،وهذا ما نجد ملامحه في قصيدة (حرير):-
“أريدها منك حلية أتزين بها/ تحفة كل انحناءة بها تحكي رمزا عنك/بك سأعرف من أنا/وبقربك أكون يا من تكون ولا تكون/لا أعرف سواك/وكل عام يمر يظهر وجه جديد لك/لا اعرف سواك/وكل عام يمر يظهر وجه جديد لك/فأتوه أكثر ولا أعرفني/أشاغب كثيرا ببراءة الأطفال/أركب سفينة الشكوك تضحك على دورانها في حلقة مفرغة/منذ سنتين وتنتظرني أن أفهم/ أحتاجك/لتقول لي/كيف تنبت الزهور لأنك علمتها المحبة/ ولا ينبت في عقول أراضينا/سوى كراهية تغزو الحقول/أقترب منك لأكون نورا/لا لتحترق أوراقي قبل الوصول/ألمسك حريرا”(3)
بالكلمات الفاتنة تفضح التفاصيل
البعض يرى في اللوحة قصة وهذا يدخل نقديا في معنى (نفي الذات) الكلمات عند لنا الفاضل تمثل الافكار ومن تلك الافكار تتشكل لوحة تدفع للتأويل بحيث يمكن ان نصل الى القصة، الكلمات عند الشاعرة (فاتنة) لها القدرة على الغوص في أدق التفاصيل الصغيرة المخيفة خلف المعاني الكبيرة، في ديوان (لم تكن أنت)
أستطاعت الشاعرة أن تلعب وتشاكس القارئ بقصائد خاطفة قصيرة جدا، تجعلنا نعيد النظر أكثر من مرة للخروج من اللغة الى المعاني ومنها الى الافكار، تحس أن القصيدة تختفي في التفاصيل !
“اليك /ارسلت حروفي مع الحمام الزاجل/لا أنتظر جوابا/لقد ضاع عنواني/وضلت طريقها الي”
“أيقظني/قد سأم الحلم هدأة التحقيق/أرسلني فعلا صاخبا/قدماي ما زالا يعرفان متعة التحليق”
“حين أكتبك/ لا يكفيني الأفق/لا تكفيني السماء”
ديوان (لم تكن أنت) مجموعة أفكار تنطلق من العقل لتغطي المشاعر والاحاسيس ، الكلمات في تلك القصائد تحتاج الى التأمل، انها لوحات على شكل قصائد ،وقصائد بصيغة الأشياء، والاشياء تولد الافكار والمعاني الكبيرة، بينما نلهث وراء التفاصل تجد اأنفسنا في نهاية الديوان في المجالات التي تستحق العناء،والتفاصيل عند الشاعرة ليست هوامش :-
“أحيانا/من أجل لحظة فرح/ترى أن بضعة أعوام من الانتظار تستحق/أحيانا../لحظة فرح تطرق بابك بلا ميعاد/ ربما الان القدر رأى إنك / تستحق”
























