
ديوان الصمت والعود للشاعر حسين شاكر الخفاجي
قصيدة في خمسة نصوص
محمد جودة العميدي
بعد ديوانه البكر ( وقع على وتر الرحيل ) وفي لحظات ايحاء شعرية متوهجة أطل علينا الشاعر المبدع حسين شاكر الخفاجي بديوانه الثاني ( الصمت والعود ) الصادر عن المركز الثقافي للطباعة والنشر (بابل . . دمشق. . القاهرة). قدم للكتاب الدكتور عماد عبد الحميد الطالباني الذي أستحسن قصائد الديوان وأثنى عليها لأسباب منها صدق التعبير عما يجول بخاطر الشاعرمن مشاعر وأحاسيس تواقة للحب والحياة ، وسهولة التعبير الأدبي التي تتوافق مع سهولة روح الشاعر وصدق سجيــــته .
في مقدمة الديوان كتب الشاعر عن قصيدة النثر وموقف البعض منها فيؤكد أن ” قصيدة النثر تجمع جماليات شكل القصيدة الممثلة في الصورة و التتخييل و الرمز و الرؤية المكثفة و توهج اللفظة و عمق الرؤيا وشفافيتها ، وجماليات النثر الممثلة في التحرر من أسر الوزن الشعري و الأنطلاق في آفاق التحرر اللفظي و التركيبي ” .
يضم الديوان ست وعشرين قصيدة نثر متباينة في الطول و القصر أغلبها ذات فضاء شعري رومانسي ، فيها دعوة للتمتع بالحياة و التواصل معها بروح ايجابية من خلال مفردات عذبة تحمل معنى وتنقل مشاعر و احاسيس .
قرأت كل قصائد الديوان وسأكتفي بالكتابة عن بعض منها لما في قصائد الديوان من مشتركات . قصائد الديوان ناضجة وجميلة العبارات تفيض مشاعر وجدانية ورومانسية . وفي بعض القصائد يتأرجح الفضاء الشعري بين مرارة الواقع وبين التطلع الى المستقبل . تشكل قصائد الديوان لوحات فنية في عوالم السحر و الجمال . أنه بحق ديوان العاشقين لما يحويه من أحلام ذاتية للقاء حبيب .
عمل الشاعر المبدع حسين الخفاجي على الحفاظ على وحدة النصوص عضويا وموضوعيا مؤكدا مقولة رولان بارت ” ان النص الادبي هو وحدة مستقلة و متكاملة ” من خلال اعتماده مستوى واحد من اللغة الفنية المكونة للنصوص وصلتها بالفعل الواعي .
تمتاز القصائد بقوة العاطفة الوجدانية الذاتية . أستعان الشاعر بالحوار الداخلي والمناجاة وتعدد الاصوات احيانا في القصيدة الواحدة رغم انه يعشق الصمت الذي تحول الى همس في قصائد أخرى . تنمو الجماليات في اللغة الشعرية عبر الوصف والاحساس .
و الصمت هو الهاجس الأول في الديوان ، فقد وردت كلمة (صمت) في أ حدى وعشرين قصيدة وغابت في خمس قصائد فقط . وأول قصائد الديوان هي ( بوح الصمت ) التي امتلكت كل مقومات الخلق الشعري . هيأت القصيدة المناخات الدالة على التعبير الشعري في القصائد التي تليها ، فعملت القصيدة على تهيئة ذهن المتلقي لتكوين فضاء شعري مناسب لممارسة طقوس رومانسية خاصة .
وقصيدة ( الصمت والعود ) التي تحمل عنوان الديوان تنتمي الى الشعر القصصي ، حيث الأنا الساردة :
على قارعة الطريق
كنت جالسا وبيدي عود
بهدوءأخط ذاكرتي
كتبت القصيدة بخمسة نصوص . تشكلت القصيدة على تقنية الأسترجاع وأستعادة الذكريات flash back . يقدس الشاعر كلمة (صمت ) فيكررها في القصيدة بلا وعي ، وعندها يصبح الصمت لغة يتواصل بها الشاعر في فضاءه الشعري .
لم ينس الشاعر المبدع حسين الخفاجي أرتباطاته الاجتماعية وكان وفيا لهذه الارتباطات التي بدت واضحة وصادقة في قصيدة (زاهر) التي كتبها في ذكرى رحيل صديقه (زاهر عبد الأخوة) ،وقصيدة ( أغتيال الهلال ) في أربعينية صديقه (محمد علي ناصر ) . و القصيدتان مكتنزتان بمشاعر الحزن و الأسى واللوعة . وقصيدة (ضمني ياصديقي) المهداة الى صديق طفولته هي الأخرى تفيض شوقا ومحبة ومشاعر وأحاسيس رقيقة .
وقصائد : (احلام الضمير) و (الى حبيبتي) و( امتزاج الروح )و(يعلو القمر) و (دعيني احلم ) و( احبك) و. ( تراتيل ) و ( لو تعلمين) و( جنائز الضياء) و( حوار صامت ) هي حوارات وجدانية تطفو عليها مشاعر الحب والرغبة بالتشبث بالحياة و ضرورة التواصل معها رغم ما يعانيه الشاعر من حالات أضطراب .
وصراخ الوطن يتعالى في قصيدة ( أعترافات معول ) التي تفيض مشاعر وطنية صادقة وفيها من مشاعر ألم و أسى لما أصاب الوطن من مظاهر الفساد والطائفية و تفكك النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية . وفي القصيدة رسالة أدانة لممارسات (داعش) في بلادنا وسعيها لأطفاء الوهج الحضاري لبلاد الرافدين من خلال تهديم الصروح الحضارية والثقافية والدينية . والقصيدة رمزية كون (المعول) رمزا للبناء والهدم . والرمز في الشعر هو أول مثيرات التأويل لكونه أحد عناصر المرجعيات المعرفية ( الأبستمولوجيا )Epistemology) . وبهذا فأن القصيدة تحتاج لقارىء فطن متمكن من البحث والأستقصاء . يعيش الشاعر حالة من الزهو في أخر القصيدة عندما يفخر بما حققه ابناء الرافدين من أنتصارات :
داعش
دليل دعاة الظلام
اصواتكم نباح . . افعالكم تباح
تدق على خرائب لا تنتهي
فلم تعد شمسي تخاف الخفافيش وتخبئها
لم تعد شمسي حلما
وجيشنا أضاء الدروب
في ( ومضات ) أحدى وعشرين قصيدة ومضة madrigals وهي قصائد غزلية قصيرة ذات فضاء رومانسي تشكل ثيماتها : الوداع و الانتظار و الغياب و أعادة ذكريات . في القصائد أختزال لغوي مقنن لا فيض فيه وتكثيف دلالي . كتبت القصائد بلغة فنية عالية مفهومة بعيدة عن التأويل ، مما يسهل وصولها الى القارىء بسهولة .
وأخيرا ان قصائد الديوان ذات مسحة رومانسية بسبب شفافية الرؤية . يستسقي الشاعرالمبدع حسين الخفاجي فضاءاته من الشعر الرومانسي المتعلق بالمشاعرالانسانية
جاعلا الذات مركز القصيدة ، وهذا يؤكد مسايرة الشاعر للحداثة الشعرية . تمتاز قصائد الديوان بأنسجامها الموسيقي الهارموني و لغتها الفنية العالية ومفرداتها العذبة ، كما تمتاز القصائد بقوتها وابتعادها عن كل حالات الترهل . كان الشاعر المبدع حسين الخفاجي مقتدرا من استخدام أدواته الشعرية بوعي عال ، ولهذا كانت القصائد مؤثرة وسهلة الوصول الى المتلقي . ورسالة الشاعر تؤكد ان الشعر ما هو الا فيض عفوي من لحظات الصمت .
























