رسائل وأطروحات لم تقدم أي إسهام في المشروع
نوري عبد الحميد العاني
من نعم الله على العراق أن جعله متعدد القوميات والديانات والمذاهب ومنبعا للأفكار الحرة.أقام أبناؤه منذ أقدم الأزمنة حضارات إنسانية تفاعلت فيها كل الجهود الخيرة لأبناء هذا البلد الذي كان في مقدمة البلدان التي وضعت الشرائع وشرعت القوانين التي تحقق العدالة والمساواة بين البشر وآمنت بالتعددية واحترم الاخر. كل ذلك جعل تاريخ العراق وحضارته مثار إعجاب الأمم وتقديرها ، واثأر فيهم الرغبة لدراسة هذا التاريخ ومعرفة العوامل التي تفاعلت في صنعه ووضعه في هذه الصورة المشرقة.
وفي العراق تشكلت في العصور الإسلامية أول مناهج البحث العلمي وخاصة في تدوين التاريخ ، الأمر الذي أدى إلى ظهور كم هائل من المؤلفات التاريخية التي تابعت مسيرة الحضارة العراقية والعوامل التي أدت إلى ارتقائها وتواصلها. كان الهدف من ذلك تسجيل الإحداث وتشخيص بطولات العراقيين ومتابعة إبداعاتهم وعطاءهم الحضاري والعلمي وإيصالها إلى الأجيال التالية .
و تستأثر الدراسات التاريخية اليوم في العراق بأهمية استثنائية لما لها من تأثير في صياغة الواقع الحاضر وعلاقته بالماضي. فوحدة الشعب تكمن بأمجاده الماضية وحضارته وسير إبطاله وانتصاراته . منها يستمد القوة والقدرة على تواصل الإبداع والارتباط بالتيارات والاتجاهات العالمية المعاصرة بما فيها من تقدم علمي متسارع وتطورات في مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية . إن المنهجية السليمة في البحث التاريخي هي التي تسعى لصياغة البحث على أسس علمية تستند إلى العقل والمنطق في ذكر الحقائق وتحديد أسبابها وتفاعلاتها ، مع الابتعاد عن الآراء الضيقة والانحياز والأفكار المسبقة في التحليل وإبعاد التاريخ عن تدخلات السياسيين.
ولأننا نخوض تجربة جديدة في هذا الميدان فقد اعتمدنا على ما قدمته الدول التي سبقتنا في ذلك ، وعلى المناهج التي اعتمدها الباحثون الغربيون الذين أبهرت بعضنا تحليلاتهم وقراءتهم للنصوص التاريخية بما فيها من سلبيات ولي للحقائق وطمسها، وأهملنا الأسس التي وضعها لنا المؤرخون المسلمون. كل ذلك أوقعنا في إشكالات وخلافات كبيرة وراح كل باحث في التاريخ يفهمه ويحلله ويكتبه على وفق المناهج والمعايير والمفاهيم التي تعلمها في الجامعات الأجنبية . وبعد أن فقدت الضوابط في الكتابة التاريخية وتدريسها في الوقت الحاضر، ظهرت جوانب سلبية وإخفاقات نحن بحاجة إلى رصدها وتشخيصها والوقوف عندها وإيجاد الحلول لها. وعليه لابد من تشخيص إشكاليات تفسير التاريخ وتحليله وفهمه وكتابته وتدريسه في الجامعات العراقية . واقتراح الحلول لها من اجل الوصول إلى منهج علمي رصين يمكن من قراءة هذا التاريخ قراءة تحليلية نقدية وكتابته بأسلوب علمي بعيدا عن الأهواء الشخصية والمصالح الذاتية .وذلك بعد الاتفاق على الثوابت العامة والمشتركات التي تفيد في بناء الأجيال القادمة على أسس من التلاحم والتعاون بدلا من الفرقة والانقسام. وقبل كل شيء يجب تنبيه الإخوة الباحثين إلى عدم الذهاب في تفسير الموضوع إلى انه دعوة لصياغة منهج جديد في كتابة التاريخ ، لان التاريخ علم من العلوم الإنسانية يخضع لمقومات وشروط البحث العلمي التي تضعه في مصاف العلوم الأخرى . وتتم كتابته وتعمل على تطويره على وفق منهج محدد ومعروف عالميا .هذا المنهج هو واحد في كل دول العالم لا يختلف إلا من حيث التحليل والفلسفة والهدف. فالماركسية تختلف في هذه القضايا عن الرأسمالية وتختلف أيضا عند الدول الدينية والقومية والدول الشمولية و الليبرالية . إنما المقصود بالمدرسة العراقية كيفية تحليل الإحداث وتفسير النصوص تفسيرا عقلانيا ومنطقيا بعيد عن العواطف والانفعالات والانتماءات والولاءات وتصديق الخرافات.
كذلك عدم تحميل النصوص أكثر مما يجب، وإبعادها عن الإسقاطات التشاؤمية والتأويلات اللامنطقية التي رسخها بعض المستشرقين في أذهان بعض المؤرخين العراقيين والتي تؤدي إلى تفكيك المجتمع وتمزيقه بترسيخ المنهج البنيوي في الكتابة التاريخية والتركيز على الجزئيات والسلبيات الكثيرة الجدل والتي تثير الفتن والفرقة.
السؤال ألان هو كيف يتعامل المؤرخ مع هذه السلبيات وما هو واجبه في المرحة الراهنة ؟. علينا أولا التذكير بان الأزمات والمحن عامل من عوامل توحيد المجتمع وتكاتف أبنائه من اجل دفع الأذى والشر عنهم. فهي تحرك الضمائر وتعزز الغيرة الوطنية وتشحن الأفكار بحثا عن الحلول. والمؤرخ في مقدمة من يقع عليه عبء تقديم الرأي والمشورة في ذلك. فهو بحكم اطلاعه على حركة التاريخ وعمليات التحول الاجتماعي وعلى تاريخ الأمم وتجارب الشعوب ومنجزاتها الحضارية ، ما يجعله أكثر قدرة على تقديم الحلول وإقناع الآخرين بها بفضل ما يعرضه من تجارب ماضية يستنبطها من أمهات الكتب والوثائق التاريخية التي قد لا يتاح لغيره الاطلاع عليها .
لذلك على المؤرخ أن لا ينزوي وينأى بنفسه عن مجريات الإحداث أو يصاب بالذهول من جراء عملية التحول المعاصر.فالتغيير لابد منه ومن الخطأ الذهول عن تبدل ألأحوال في الأمم والأجيال. ذلك إن هذه الأحوال لا تدوم على وتيرة واحدة أو منهاج ثابت بل هي انتقال من حال إلى حال.
على المؤرخ أن ينهض برسالته الوطنية ويتصدى للمحاولات الجارية لطمس تاريخ العراق وحضارته الإنسانية وعطاءه في ميادين العلم والتشريع والإدارة والفن. وان يتحمل مسؤوليته في التحذير من مخاطر إتلاف وبعثرة ونهب الوثائق والمخطوطات والكتب وتخريب الآثار وكنوز العراق التي لا تقدر بثمن وتهريبها إلى الخارج .عليه أن يبين إن هدف هذه الأفعال إنما هو طمس تاريخ العراق وإنكار وجوده .
عليه أن يعرف الآخرين بما اطلع عليه من وثائق و روايات ونصوص تاريخية بخطأ الكثير من المفاهيم الاجتماعية المضللة والتي تثير خلافات لانهاية لها يتم الترويج لها حاليا فتفشت مصطلحات جديدة مثل (فسيفساء ، موزائيك ، أطياف ، مكونات) الشعب العراقي. القصد منها تصوير هذا الشعب ، (الذي لا يختلف عن شعوب العالم الأخرى من حيث التنوع والتعددية) ، وكأنه مجموعة من الكتل والجماعات البشرية غير المتجانسة . فلكل مدينة أو قرية أو جماعة عرقية أو دينية أو طائفة ، ولكل عشيرة أو طبقة اجتماعية عاداتها وتقاليدها وثقافتها وأعرافها . لا تجمعها رابطة تاريخية أو وطنية ولا تشدها مصالح مشتركة ولا توحدها علاقات أسرية ومصاهرات .
ليس المطلوب من المؤرخ أن ينكر هذا التنوع والتعدد ، لكن عليه أن ينبه إلى إن مكونات الشعب العراقي الحالية ليست طارئة أو جديدة وان الروابط التي تشدها إلى بعضها لا يمكن أن تنفصم بسبب نازلة أو محنة طارئة. فلقد شاركت جميعها في بناء العراق والدفاع عنه ورفد حضارته.
ففي كتب التاريخ مئات من المفكرين الكرد والتركمان والملل الأخرى كانوا يدرسون علوم القرآن والحديث والفقه والنحو واللغة والأدب والشعر وغيرها من العلوم العقلية والنقلية ويؤلفون الكتب ويلقون محاضراتهم باللغة العربية في مدارس بغداد مثل المستنصرية والنظامية والمرجانية وغيرها من مدارس العراق دون أن يذكروا أنهم كردا أو تركمانا أو عربا ، بل عرفوا بكونهم عراقيين قبل كل شيء . وكان الترك يكونون القسم الأعظم من جيش الخلافة العباسية ببغداد وسامراء وكانت قيادة هذا الجيش بيدهم حتى نهاية ذلك العهد.
وفي التاريخ المعاصر لمعت أسماء من الكرد والتركمان ممن اشغلوا مناصب عليا في الجيش والإدارة والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية . وأسهموا في الحركات الوطنية بدء بمعركة الشعبية وحصار الكوت ومرورا بثورة العشرين وحركة عام 1941 وثورة عام 1958 وانتهاء بالعهد الجمهوري .
وفي السياق نفسه كان المسيحيون واليهود والصابئة وغيرهم من الديانات والمذاهب يشغلون مناصب عليا في إدارة الدولة ومؤسساتها ويسهمون في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية بشكل كبير.
ثمة مسألة أخرى يجب أن لا تغيب عن ذهن المؤرخ تتعلق بالنظام اللامركزي والدعوة لتقسيم العراق إلى أقاليم وفدراليات بدعوى أن العراق كان في الحقب الماضية يتكون من ايالات وولايات. ومن المعروف إن النظام اللامركزي أو الفدرالي هو نظام متقدم تأخذ به الدول العظمى في وقتنا الحاضر . لكن تطبيقه في العراق يراد منه تقسيمه على أسس أثنية ودينية ومذهبية وتكوين دويلات متنازعة على الأراضي والمياه والثروات.
على المؤرخ أن يبين إن التقسيمات في العهود السابقة لم تكن لأسباب عرقية أو دينية أو مذهبية بل كانت لأسباب محض إدارية الهدف منها تسهيل جباية الضرائب وتجنيد الجنود وضبط الأمن وحفظ النظام . وعلية أن يذكر إن الجهات التي روجت لتلك المفاهيم تحت غطاء الحرية والديمقراطية والحد من تدخلات النظام التي يفرضه الحكم المركزي لم تطبقه في بلادها . فلا توجد على سبيل المثال في الولايات المتحدة الامريكية وهي النموذج المنشود تطبيقه في العراق أقاليم أو ولايات للسود والبيض أو للكاثوليك والبروتستانت أو لليهود والمسلمين وغيرهم من الملل والنحل أقاليم خاصة بكل منهم .
ولا يجب أن يغفل المؤرخ التدقيق فيما يرد من معلومات عن العراق في الوثائق والكتب الأجنبية المسيسة ، والتي يسطرها البعض لدوائرهم وحكوماتهم عن البلدان التي ينشدون تفكيكها والعدوان عليها. من ذلك مثلا قول بعض الباحثين (إن الكرد لم يؤيدوا بقاء ولاية الموصل ضمن العراق عام 1925 وان الشيعة عارضوا ذلك أيضا خشية أن يصبح السنة هم الأكثرية في البلاد ) . علينا أن نبين الهدف من أمثال هذه الكتابات المضرة بالعراق، وان نشير إلى ما أوردته المصادر العراقية المعاصرة عن هذا الموضوع والتي تؤكد خلاف ذلك كليا .
فالمصادر العراقية الموثوقة بما فيها محاضر مجلس النواب تذكر، إن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي الزعيم الكردي المعروف والمعارض للبريطانيين كان من اشد المدافعين عن عراقية الموصل. وان إسماعيل راوندوزي النائب الكردي عن اربيل قد كون مع بقية النواب الكرد تجمعا في مجلس النواب يدعو الحكومة إلى عدم منح امتياز نفط الموصل لشركة النفط التركية إلا بعد أن تقدم بريطانيا تعهدا بضمان بقاء الموصل ضمن العراق. وأعلن التجمع نفسه (إن الولاية بمثابة الرأس من البدن) فلا حياة للعراق بدون ولاية الموصل .
في السياق نفسه نقرأ في ديوان الطلاسم للعلامة الشيخ محمد جواد الجزائري أبيات شعر تحث العراقيين للدفاع عن عراقية الموصل. بل إن الشيخ نفسه انتقل من النجف إلى الموصل ومكث هناك عدة أشهر يستنهض همم الوطنيين ويحث على التمسك بعراقية الموصل.
ونظام المحاصصة والاستحقاقات الحزبية والعرقية والطائفية هو الآخر يفرض على المؤرخين بيان عيوبه ومساوئه ، خاصة وقد بانت للجميع مثالبه وظهر فشله . فالمرجعيات التاريخية لا تذكر انه قد طبق في العراق من قبل ، بل تذكر إن الوزير أو النائب أو العين أو الإداري لم يكن عربيا أو كرديا أو تركمانيا أو مسلما ومسيحيا ويهوديا أو من هذه العشيرة أو المدينة . ولم يكن يمثل الديانة أو الطائفة أو العشيرة أو المدينة التي ينتمي إليها وحدها بل كان يمثل العراق كله وتأخذه الغيرة على البلاد بأسرها . والوزير والنائب عن الموصل أو الانبار يدافع عن مصالح وحقوق سكان البصرة وواسط . و يدافع الوزير أو النائب المنتخب عن العمارة أو ذي قار عن حقوق ومصالح سكان اربيل والسليمانية. وان الكثير من المتصرفين او المحافظين الكرد والتركمان كانوا يديرون محافظات في الوسط والجنوب والكثير من المتصرفين العرب يديرون محافظات في كردستان.
و الأحزاب السياسية هي الأخرى كانت عراقية فلم تجز حكومات العهد الملكي والجمهوري على السواء أحزابا تمثل طائفة أو قومية أو عشيرة أو دين أو مدينة بعينها ، بل كان الحزب الواحد يضم انتماءات عرقية ودينية ومذهبية متعددة من كل إنحاء العراق . واذكر إن وزارة الداخلية رفضت إجازة حزب النهضة عام 1922 لأنه كان حزبا ضم وجوها من منطقة واحدة من بغداد فلم تمنحه الإجازة إلا بعد أن ضم إليه وجوها من كركوك والسليمانية والموصل والحلة والمنتفك وصار حزبا عراقيا . وعلينا أن نذكر ايضا إن جميع الدساتير العراقية الدائمة والمؤقتة في العهدين الملكي والجمهوري الصادرة قبل عام 2..3 لم نجد فيها ما يشير إلى عرقية أو مذهبية أو اقليمية.
ولا جدال في إن رفع القيود المفروضة على حرية الفكر ووسائل النشر والانفتاح الذي عرفه العراق بعد عام 2..3 أدي إلى تدفق الوثائق الأجنبية والكتب التاريخية المؤلفة في الخارج . فضلا عما تبثه الفضائيات العالمية وتنشره من وثائق ومقابلات مع المسئولين وشهود العصر وغيرهم ، كل ذلك أدى إلى انطلاقة غير منضبطة في ميدان البحث التاريخي. قابله إقبال واسع على دراسة التاريخ في الجامعات العراقية وفي الخارج وخاصة الدراسات العليا. فأتاح ذلك لعدد من غير المؤهلين لهذا الاختصاص إلى الانتماء إليه وفتح الطريق إمامهم للكتابة بأسلوب منفلت لا تحكمه قواعد ولا منهجية علمية ولا يتقيد بأهداف التاريخ وفلسفته. بل إن بعضهم انطلق من أفكار مسبقة تعبر عن انتماءات وولاءات ضيقة ، بأسلوب يتعمد إثارة القارئ وشد الانتباه إليه أو يتخذه وسيلة للحصول على مكانة في النظام الجديد. وبعضهم راح يقدم التفسيرات والتحليلات التي تتلاءم مع رؤية فريق من العراقيين دون غيرهم . الأمر الذي وضع إشكاليات جدلية أمام الباحثين في التاريخ واثأر خلافات يصعب التعامل معها ، فما هو الحل ؟. إن الجواب على ذلك ليس بالأمر الهين لكنه يجب أن لا يبعث على اليأس .خاصة إذا توفرت النوايا الحسنة وتظافرت جهود الخيرين مع وزارة التعليم العالي والمسئولين في الجامعات والكليات العراقية لإعادة النظر في مناهج التاريخ وتدريسه في أقسام التاريخ. وعقد ندوات أو مؤتمرات للمعنيين بالموضوع لإيجاد الحلول التي تعود بالنتائج المحمودة لفهمه وتحقيق الأهداف المامولة منه ورفع مستوى الدراسات التاريخية الهادفة إلى وحدة المجتمع وتقدمه. وفي أدناه بعض المقترحات التي قد تكون ذات فائدة :
أولا : القبول في اقسام التاريخ
يسود القبول في أقسام التاريخ حاليا حالة من الفوضى إذ انه يعتمد العدد دون النوع بما في ذلك الدراسات العليا ، فلم يعد القبول مقتصرا في هذه الدراسات على الأقسام المتخصصة التي يفترض أن تخرج باحثين في التاريخ ، بل امتد ليشمل الأقسام التي تخرج تدريسيين لا باحثين . وظهر نوع آخر من القبول في الدراسات العليا هو القبول (التجاري) إي النفقة الخاصة .
ولعل الأمر الذي يشجع على هذا الإقبال على الدراسات التاريخية وجود اعتقاد لدى كثيرين بسهولة الحصول على الشهادة ، وحتى ممن هو غير مؤهل لها ولا يملك الوقت الكافي للقراءة والكتابة والتعلم ، لا يهمه من الأمر سوى الحصول على الشهادة بأية وسيلة كانت . الأمر الذي أدى إلى كون الكثير من الرسائل والأطروحات المنجزة لا ترقى إلى مستوى الأصالة والابتكار، ولا تحقق تطورا نوعيا في البناء المنهجي للفكر التاريخي وتفسير الإحداث ولا تقدم أية فائدة للبلد مهما كان نوعها.
إن الإقبال على الدراسات التاريخية وغيرها من الدراسات ظاهرة حضارية وهو حق مشروع لكل مؤهل له إن كان القصد منه تعلم طريقة البحث ومنهجه والحصول على المعرفة والثقافة العامة. لكن الأمر تجاوز ذلك وأصبح هدف الجميع بمن فيهم السياسيون هو الحصول على مقعد بالجامعات العراقية بأقرب وقت واقل جهد . وبعد أن وصلت ألأقسام العلمية حد التخمة ولم تعد قادرة على استيعاب المزيد في الوقت الحاضر، نشأت شريحة اجتماعية تشعر بالغبن لأنها ضحت ولم تكافأ على الجهد والمال الذي بذلته. فأخذت تطالب بما تدعيه من حقوق عن طريق التظاهر والاعتصام وإظهار التذمر والشكوى مما يزيد في حالة عدم الاستقرار في البلد . يتطلب الأمر تحديد القبول ووضع معايير جديدة أكثر قدرة على اكتشاف المواهب والقابليات لدى المتقدمين للدراسات العليا ، ومنع قبول الاختصاصات الأخرى في دراسة التاريخ وحصره بحملة شهادة البكالوريوس في هذا الاختصاص ، مع شرط التفرغ تفرغا تاما للدراسة ، وإعطاء الكليات والأقسام المختصة دورا اكبر في القبول والالتزام بتطبيق الخطط التي يضعها القسم المختص. وان يتم ذلك على أساس المعدل ونتائج الامتحان الشفهي والتحريري والمقابلة واعتماد القابلية والكفاءة .
ثانيا – الإعداد أو السنة التحضيرية
إن السنة التحضيرية من المراحل المهمة في إعداد الباحثين في التاريخ إعدادا صحيحا ، تتطلب الاهتمام بالطالب وبالمفردات الدراسية واختيار التدريسي المتخصص. فالطالب يدرس ألان في الدراسات التاريخية مادتين هما منهج البحث التاريخي واللغة الانكليزية. وهما عنصران ضروريان لتعليم الطالب طريقة البحث والحصول على المعلومات من مصادر أجنبية .
إن المنهج العلمي في البحث يواجه الاحتياجات الأساسية لكل باحث وهو العنصر الفعال في تكوين الثقافة التاريخية وتواصلها وتطويرها. لكن هذه المادة لا تأخذ ألان الاهتمام الذي تأخذه المواد الأخرى ولا تدرس سوى لفصل واحد ولا تعهد في الغالب إلى أصحاب الاختصاص من التدريسيين. فضلا عن اقتصارها على الجانب النظري وحده ولذلك فهي لا تحقق الفائدة المرجوة .
أما اللغة الانكليزية فهي من الوسائل الأساسية لنقل الأفكار والعلوم وتسهيل الحصول على المعلومات التاريخية والوثائق ، ومد الجسور مع الخارج للتعرف على حجم التقدم المعاصر في صياغة المعرفة التاريخية ، و تقربنا من فهم الأخر والتعرف على أفكاره ومشاريعه . وهي الآن تعطى بشكل نصوص يراد ترجمتها إلى اللغة العربية أو بشكل مادة تاريخية تدرس باللغة الانكليزية . ألا أن الطلبة لا يعطونها اهتمامهم باعتبارها ليست من مواد الاختصاص فضلا عن إن تدريسها غير مجد لا يحقق الفائدة المرجوة وهي توظيف هذه اللغة للحصول على المعلومات التاريخية من المصادر الأجنبية. ولذلك يجب ايلاءها اهتماما اكبر وعدم التساهل بشأنها .إذ أن الدول المتقدمة لا تكتفي باللغة الانكليزية وحدها بل تعلم الطالب لغات أخرى تتعلق بالدول التي يراد الكتابة عن تاريخها فالبحث التاريخي يتطلب الاطلاع على وثائق تلك الدولة والكتب المؤلفة بلغتها.
أن امتحان الكفاءة بوضعه الحاضر غير مجد أيضا لان نمط الأسئلة الامتحانية موحد يشمل كل الاختصاصات.بينما المطلوب تعلمه من طالب الدراسات التاريخية هو غير المطلوب في الاختصاصات الطبية الهندسية والفيزيائية على سبيل المثال. بل المطلوب هو معرفة قراءة النصوص التاريخية وترجمتها ترجمة تاريخية لا حرفية . ولذلك وجب أن يكون هناك فرز بين الطلبة من حيث الاختصاص وان يعهد بوضع الأسئلة الامتحانية وتصحيح أجوبتها إلى أساتذة متخصصين في التاريخ ممن يجيدون اللغة الانكليزية .
ومن الأفضل إيجاد معهد في كل جامعة يتولى تحقيق هذا الهدف بفتح دورات متخصصة ينتظم فيه الطلبة كل حسب اختصاصه وبعد انتهاء الدورة يجرى امتحان الكفاءة . ومن المفيد في هذا الجانب أيضا إعطاء مادة التاريخ الأوربي باللغة الانكليزية أو أيفاد طلبة الدراسات العليا إلى الخارج لمدة ستة أشهر في الأقل لتعلم اللغة التي يحتاجها اختصاص كل منهم.
أما بشان المواد الدراسية الأخرى فيجب أن لا تكون كثيرة أو مكررة تسبب إرباكا للطالب، وان لا توضع لمصلحة أساتذة بعينهم دون غيرهم . أو أن تكون وسيلة لكسب مادي أو تحقيق سمعة علمية ، وعدم التقيد بكتاب منهجي بعينه بل يترك للطالب حرية استنطاق اكبر عدد من المصادر للحصول على المعلومات و التعرف على الآراء التي ترد فيها عن كل حدث أو خبر.
ثالثا : الرسائل والأطروحات
من المؤسف إن الكثير من المنتمين إلى الدراسات العليا في التاريخ ليس لديهم فكرة عن الموضوع الذي سيختارون كتابته ، أو يأتون وفي فكرهم عناوين مسبقة عن إحدى الشخصيات المؤثرة أو الأحزاب المتنفذة أو العشائر الكبيرة أو عن طائفة أو مذهب أو منطقة بعينها ليكتبوا عنها. فيكيلون لها المديح والثناء ويضفون عليها الأوصاف الايجابية ويتجاوزون سلبياتها، ذلك من اجل الحصول على فائدة آنية دون الأخذ بنظر الاعتبار حاجة المجتمع والبلد الذي ينتمون . بل إن بعضهم يقلدون من سبقهم بالكتابة في موضوعات سبق تناولها فيغيرون بعض الكلمات في العنوان فقط ويكررون المعلومات السابقة دون إضافة أو تقديم معلومات جديدة أو الاطلاع على وثائق لم يسبق الاطلاع عليها .
وكثيرون يفضلون الكتابة عن موضوعات سياسية ويبتعدون عن المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والفكرية لصعوبتها وتعدد الآراء حولها. إن على أقسام التاريخ تقوية الاتجاهات الحديثة في البحث التاريخي والانتقال من العناية بالحالات الفردية والجزئية إلى العناية بالحياة العامة والنظر إلى التاريخ على انه علم الإنسان وتأكيد وتطبيق الأهداف العلمية والتربوية وتنمية الوعي التاريخي بين المثقفين ودحض الأفكار المشوهة عن التاريخ والتي تدعي (إن الأمة التي تبحث في تاريخها تأكل نفسها). على المؤرخ أن يبتعد عن نقل الإحداث والإخبار وتجميع النصوص كما وردت، بل عليه بيان معانيها واستجلاء أثارها وأهميتها في وقتنا الحاضر. على الباحث أن يعرف إن مسألة اختيار عنوان بحثه هي إحدى الخطوات الأساسية في الدراسات التاريخية ، فعليه أن يدقق ويحسن الاختيار، وان يبتعد عن المواضيع التي سبق وان كتب عنها . وأن يكون في ذهنه أكثر من موضوع واحد يستطلع رأي أساتذته والمختصين حول صلاحيتها والفائدة المرجوة منها وتوفر معلوماتها والفترة التاريخية التي تغطيها . وفي ضوء ملاحظاتهم يضع خطة الموضوع ويحدد مصادرة الأساسية وأماكن تواجدها ثم يناقش ذلك في قسمه في سمينار يعقد لهذا الغرض. ومن المعروف أن الباحث يبدع أكثر في حالة اختياره للموضوع بنفسه وان لا يكون مفروضا عليه .
إننا نجد ألان الصورة معكوسة تماما فالأستاذ هو الذي يختار الموضوع للطالب ومن المؤكد انه سيختار له الموضوع الذي يتلاءم مع اختصاصه وليس مع رغبة الطالب وقدراته. وقد لا يحقق الموضوع فائدة عامة. كما إن المشرف هو الذي يضع الخطة ويرشد الطالب إلى المصادر وأماكن وجودها. في حين يجب أن يقتصر دوره على الإرشاد والتوجيه لكي يتيح المجال إمام الطالب لإظهار شخصيته وقدرته في الحصول على المعلومات واستنباطها وتوظيف النصوص وتحليلها .وليكون قادرا على الدفاع عن أفكاره والتعبير عنها بأسلوبه. أن إعطاء الباحث في التاريخ الحرية في عرض أفكاره هي الطريق السليم لإعداد الفكر الحر والبحث الأصيل الذي يحقق النتائج المرجوة من تدريس هذه المادة.
وتجدر الإشارة هنا إلى وجود خلل في مجال اختيار عناوين الرسائل والأطروحات ناتج من عدم التنسيق بين الأقسام المتناظرة في الكليات والجامعات العراقية. فالطالب في إحدى الكليات لا يعرف ما إذا كان الموضوع الذي اختاره قد جرى بحثه في كلية أخرى أم لا ، بل أن هذا يحدث ضمن الجامعة الواحدة .
ولتلافي الأمر يجب اعتماد الحاسوب في تسجيل عناوين الرسائل والأطروحات المبحوثة في كل قسم ، وإصدار نشرات سنوية أو دليل عن كل مأتم انجازه . وان يجري تبادل ذلك مع الأقسام الأخرى في الجامعات العراقية ليتسنى للطلبة والباحثين وأساتذة الجامعات الاطلاع علية تجنبا للتكرار. وحبذا لو تولت كل جامعة أو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بنفسها ذلك. وان يؤخذ بالأساليب التي حققها التقدم العلمي مؤخرا والمطبقة في الجامعات المتقدمة وذلك بقياس نسبة اقتباس المعلومات التي كتبها الطالب من الرسائل والأطروحات التي كتبها الذين سبقوه في هذا المجال.
من الأمور الأخرى التي يجب الالتفات إليها أيضا هي الإشراف على رسائل الطلبة وأطروحاتهم ، وان يتم اختيار المشرف على وفق معايير خاصة تراعي جانب الاختصاص الدقيق. وعلى الرغم من أهمية اللقب العلمي فان توفر الاختصاص الدقيق تبقى هي الأكثر أهمية إلى جانب الخبرة في مجال التدريس وكتابة البحوث العلمية وكذلك المنهجية التي يأخذ بها الأستاذ المشرف والرسائل والأطروحات التي أنجزت تحت اشرافه. وان تكون له خبرة في تفسير القضايا التاريخية التي لا تزال محل نقاش وخلاف واجتهاد . مع القدرة على تحليل النص وتوظيفه توظيفا سليما والتمييز ما بين النصوص الموضوعة والروايات المقطوعة آو المشكوك في صحتها.
و من الأهمية بمكان اخذ رأي الطالب في اختيار المشرف الذي سيقع عليه عبئ تعويده على المثابرة وتوجيهه نحو التعامل مع النصوص التاريخية والمصطلحات والألفاظ بدلالاتها التي كتبت فيها . وعليه الابتعاد عن سحب معاني واصطلاحات المرحلة الحاضرة على المرحلة الماضية بل على الباحث أن يضع كل حادثة في مصطلح الزمان الذي وقعت فيه مع الإشارة إلى دلالتها أو ما تعنيه في زماننا .
وفي مجال تعيين لجان المناقشة نجد أن الأهواء تتحكم في ذلك، فلا يراعى جانب الاختصاص عند اختيار المناقشين بل يكون التركيز على أسماء معينة دون غيرها . وفي أحيان كثيرة تقرر نتيجة أو درجة الطالب الممتحن مسبقا تبعا للعلاقات الشخصية داخل القسم والكلية ومركز الأستاذ المشرف أو شخصية الممتحن. ومن الأفضل أن لا يترك أمر تشكيل اللجان لرئيس القسم وحده ، بل يتم الاختيار من اللجنة العلمية في القسم المختص وأن يقترن ذلك بموافقة لجنة الدراسات العليا ومصادقة مجلس الكلية.
ونظرا لندرة المتخصصين بالتاريخ الأوربي في جامعاتنا ولأهمية متابعة هذا التاريخ وتأثيره على بلدان العالم الثالث عموما فلابد من إعداد الخطط لتطوير هذه الدراسة داخل القطر أو من خلال إرسال البعثات إلى الخارج وتوفير المصادر الضرورية باللغات الأجنبية . وكذلك الاهتمام بتاريخ دول أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية التي تربطنا وإياها مصالح مشتركة.
وفي تاريخ العراق والبلاد العربية الحديث من الواجب الاهتمام بهذا التاريخ في الحقب الممتدة من نهاية الحكم العباسي إلى نهاية الحكم العثماني. فهي حقب تراجع فيها الفكر والثقافة ، ويمكن ملاحظة ذلك من ندرة الكتب والبحوث عنها باللغة العربية في المكتبات العامة والخاصة مع أنها حقب طويلة أسست لكثير من المشاكل التي نعاني منها في تاريخنا المعاصر سياسيا واجتماعيا وفكريا .
من المؤكد إن المؤرخين أهملوا الكتابة عنها لصعوبتها وندرة المصادر العراقية عنها ، فمعظم معلوماتها تتوفر في الكتب والوثائق الأجنبية التي أصبحت متاحة للباحثين ألان . والكثير منها ترجم ونشر ومن المفيد أن يعهد بترجمة ما لم يترجم منها حتى ألان من خلال التعاون المشترك والتبادل الثقافي والاتفاقيات ، لتمكين الباحثين من تقديم صورة صحيحة عن تلك العهود .
ومن الأمور الأخرى التي يجب توجيه الباحثين في التاريخ إليها هي التوجه نحو دراسة الجوانب الحضارية والحركات الشعبية والعناية بالتراث العربي والإسلامي. والعمل على تحقيق المخطوطات من اجل توفير المعلومات للباحثين والمحافظة على التراث من الضياع. ثمة ملاحظة أخيرة في مجال كتابة البحوث الجامعية وهي إعطاء الطالب فسحة اكبر من الوقت المحدد لكتابة موضوعه.
رابعا :- توفير المعلومات للباحثين
يتم ذلك من خلال :-
- الاهتمام بدار الكتب والوثائق العراقية وتطويرها بالتعاون بين وزارتي الثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي، وايلاء عناية اكبر بطريقة حفظ الوثائق وجمعها وصيانتها وفهرستها وترجمة ما هو متاح منها باللغات الأجنبية . ورفدها بالوثائق الجديدة من داخل العراق وخارجه على غرار ما يجري في دول منطقة الشرق الأوسط التي جلبت دوله معظم الوثائق والمخطوطات المتعلقة بتاريخها من مظانها في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والهند وتركيا وغيرها.
وعلى الإدارة عدم وضع العراقيل إمام الطلبة في الوصول إليها بحجج واهية . على أن يتم حجب الوثائق التي يخشى من نشرها لتعلقها بقضايا أمنية أو تمس بعض الشخصيات التي لا تزال على قيد الحياة أو إن مصلحة البلاد تقتضى حجبها . مع السعي لتزويد الدار بالكادر المتخصص وبأجهزة الاستنساخ والوسائل التقنية الحديثة وأجهزة قراءة الوثائق والمخطوطات بأجور معقولة للباحثين.
- الاهتمام بالمكتبات العامة وتحديد أوقات الدوام والإعارة الداخلية فيها. ورفدها بالكتب والمخطوطات والأوراق الشخصية ووسائل الإيضاح والدوريات التي تصدر في العراق وفي الخارج .
- إيجاد لجنة خاصة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو في دار الكتب والوثائق تتولى تسهيل مهمة حصول الباحثين على الوثائق والمخطوطات والكتب والدوريات من الخارج عن طريق التبادل وعقد الاتفاقيات وذلك بسبب صعوبة السفر.
- إدخال الباحثين في دورات تدريبية لاستخدام أجهزة الحاسوب وشبكة المعلومات والاتصالات الدولية ( الانترنيت ) وتمكينهم من الحصول على الوثائق والمعلومات بشكل مباشر.
- حث التدريسيين على المشاركة في المؤتمرات والندوات المحلية والدولية واعتبار ذلك جزء من النشاط العلمي للتدريسي لتمكينه من الاطلاع على التجارب الأجنبية في حقل الاختصاص وزيادة الكفاءة. وكذلك دعوة الأساتذة المعروفين باختصاصاتهم التاريخية في الجامعات الأجنبية المتقدمة لزيارة الجامعات العراقية لاغناء الحوار العلمي والثقافي والاطلاع على تجارب الآخرين وإجراء البحوث المشتركة مع الأقسام والكليات المتناظرة.
- الارتقاء ببحوث التخرج لطلبة البكالوريوس باعتبارها قاعدة أولية للطالب تمكنه من إعداد البحوث في المستقبل أو ينتفع منها في إثناء مرحلة الدراسات العليا. وخاصة وقد صارت حالة هذه البحوث يرثى لها من حيث الموضوع او المنهج.
- الاهتمام بلغة البحث التاريخي التي يجب أن تكون خالية من الأخطاء الطباعية واللغوية وان تكون واضحة مسبوكة العبارات سلسة يسهل فهمها وتبعث في نفس القارئ الرغبة في المتابعة .
























