
أسامة الناشئ في روايته الأولى
النص الساخط على الواقع الملتبس
محمد جبير
تساءلت بعد انتهيت من قراءة رواية ” أسامة الناشئ” التي حملت عنوانا شارحا ” ملحق جريدة الكلاب المسائي ” والصادرة عن ” دار سطور -2017″ هل يمكن عد هذه الرواية من روايات “الواقعية السوداء ” أم انها من الروايات الواقعية الساخرة ؟. وهل سيكون لدينا إتجاه جديد في الرواية العراقية. يرتكز على اسلوب السخرية المرة من المتغيرات الواقعية الجديدة التي حدثت في المشهد العراقي الجديد بعد التاسع من نيسان 2003 ؟ فقد أخذ السرد العراقي بالانفتاح على ثيمات كثيرة ، كانت في ما سبق ذلك التاريخ من المحظورات في التناول او حتى التفكير بها ،إذ لا يمكن التقرب من موضوعات الجنس او الدين او المس بالسياسة العامة للدولة ، الا ان المتغيرات اتاحت فضاءات التعبير مكشوفة امام الروائي العراقي في التعبير عما يراه او يحسه او يفكربه من موضوعات او افكار ورؤى ، سواء في التعامل مع الواقع الحالي واشكالاته السياسية والثقافية والمجتمعية او ما يتعلق بتجربة الماضي القريب ، فقد اتضحت مسارات جديدة في الكتابة السردية الرافضة للواقع الحالي بوصفه واقعا احتلاليا ، وظهرت الكثير من الروايات العراقية المناهضة والرافضة لهذا الواقع الاحتلالي وعرضته من زوايا مختلفة وللم يقتصر هذا الامر على كبار الكتاب في العراق وانما تشارك معهم في هذا الموقف كتاب شباب جدد وقدموا مساهمات ابداعية متميزة .
واذ اتوقف عند نص ” أسامة الناشئ ” ، لاسباب عدة اولها اني لم أقرأ له سابقا نصا روائيا او قصصيا وانما هذا العمل هو الاول له ولا اعرف ان كان هناك نتاج مطبوع آخر للكتاب ، أما السبب الثاني فهو لجرأة النص في التناول والعرض ، وثالث تلك الاسباب هو الاسلوب الساخر الذي قدم فيه هذا النص .
كي ناين ، الكلب الشمام ، تلك هي الوظيفة ، لكن الكاتب الحق هذه العتبة الرئيسة ، بالعنوان الشارح او التفصيلي ” ملحق جريدة الكلاب المسائي”، وهو بهذا الشارح الثانوي اكد شيئين الاول ، هناك جريدة صباحية اساسية للكلاب ، وان ما دوّن بين غلافين هو الملحق المسائي الذي تضمن مساحة من البوح الذاتي للكلاب ، ولكن اي كلاب ؟. يفصح مقتبس الغلاف الاخير عمّا هو محفز للقراءة على الرغم من صراحته الصادمة للذائقة الكسولة او المتراخية مع النص التقليدي ” قد لا يفصح الكلب عما في ضميره ، كلب الوطن الذي رأى من الوطن ما رأى ، لكن أحدهم نبح فخرجت منه قصة “. قد ثير هذه الكلمات المعدودات في ذهن المتلقي الكثير من الاسئلة والتداعيات التي قد تقترب من المشهد العراقي وتريد ان تتعرف اكثر من خلال تفاصيل المتن السردي للحكاية التي تريد ان تؤكد ذاتها في هذا الكتاب وتقدم خطابها للمتلقي ، اذ سرعان ماينتقل الى داخل الكتاب عابرا للغلاف ، متوقفا عند الصفحة الخامسة التي تصدرتها صورة الكاتب مثبتا الاسم في اسفلها وهو اشهار تعريفي ثان ، لأن الصورة مثبتة في الغلاف الاخير ايضا ، وايضا يتضح للمتلقي ان نص مقتبس الغلاف احتل هذه الصفحة ، مما يؤشر ان الكاتب متبني لطبيعة هذا الخطاب السردي .
رمزية الحال
يكشف مستهل هذا النص عن رمزية الحال على الرغم من أضفاء الواقعية من خلال الامكنة والفعل الوظيفي والعلاقات العامة ، أذ يفتتح النص في مقطعه المعنون كي وان ” في اليوم التالي عاد وهو يحمل كيسا من الكتب ، ولما وصله الدور واقترب منه كلب التفتيش “كي ناين ” نثر أمامه كيس الكتب ، وأنحنى وهو يقول أرجو أن تشم كتب التاريخ هذه ففيها الكثير من المتفجرات ” .” الرواية-ص7″. هل يوحي ذلك في ان السارد يبحث في مفخخات نصوص التاريخ ؟. الا ان مثل هكذا تساؤل يخفت بريقه بعد عدة اسطر من هذا المستهل السردي ” أنت مثلا هل تعرف أن الجندي العراقي الذي يقودك يخنقه الحر وأنت لديك تبريد ، هل تريد منهم أن يحترموا كلاب العراق وأنت الغربي المتعلم المثقف “.” الرواية – ص7″. لكن السؤال الذي يقدمه المستهل الافتتاحي ، في تساؤل السارد وهو يبوح أمام الكلب ” على اي حال حاول ليلا أن تجرب أنفك بهذه الكتب ، لو اكتشفت الالغام والانتحاريين فيها فذلك يعني أنك ستعيد كتابة التاريخ بأقلام الكلاب ، وسنعيش بعدها بسلام”. ” الرواية-ص9″.
يرسم هذا النص الحدود الفاصلة بين كلب الاحتلال وكلب الوطن ، وما يلعب بينهما من متعاونين او خدم لكلب الاحتلال الامريكي او من نهازي الفرص الواقعية ، وهو مايتجاذب خطاب النص بين الادانة والكشف والسخرية والاستخفاف بواقع الحال ” بالعافية مستر كي ناين ، تزقنبت ، ونحن نلعق الفضلات ، هذا هو التغيير الذي كنا ننتظره “.” الرواية- 39″. او ” يا كلب العراق يجب أن تثبت أنك لست أقل شأنا من الكلاب التي جاءوا بها من أمريكا ، عليك أن تثبت أن كلاب الوطن موهوبة لو أتيحت لها الظروف “.” الرواية – ص56″. الا أن هذا النص يفصح من خلال أشارات عابرة عن مقصديات الكاتب في تبئير سردياته من خلال السارد الذي هو في الاصل المترجم العراقي الذي يعمل مع المحتل ” لذلك يكون ” كلب الاحتلال ” “الرواية – ص32″ وكذلك ” اكثر من 500كلب مستشار في أحد مراكز التدريب ” “الرواية – ص32″ و ” لعنات الله على البعثيين ، ثم نظر الى الكلب وقال : البعثيين الكلاب”.” الرواية-ص47″. وهي الاشارات التي تكشف عن المزاوجة بين الرؤية الكلبية والرؤية السردية التي يقدمها كلب الاحتلال للاخرين ، لذلك يفصح عن خطابه بشكل واضح في الكشف عن الانتهازية الكلبية ” اشتعلت عركة كبيرة بين الرجلين ، تلك ليست المرة الاولى ، فدكتور معين كان بعثيا ، ودكتور عبد الجبار كان بعثيا أيضا ، لكن لكل واحد منهما طريقته في مكافحة الورم التاريخي الذي التصق بهما ، هذا يعالجه بمشرط سب أمريكا بحجة الحفاظ على الدين ، وذاك بمشرط الدفاع عن التحرير والديمقراطية والخلاص من الدكتاتور “.” الرواية-ص50″.
شكل حضور المؤلف في النص عنصرا مضافا لتوكيد صدقية المتن السردي من خلال قطع التدفق السردي في اعتراض “الكاتب – السارد “وخشيته من تقاطع سرديته مع مقصديات الكاتب ” لولا المؤلف جعله الله لنا ذخرا وسندا لكل الكلاب لم تكن تعرف ذلك ، أخشى أنك صدقت نفسك أنك تفهم “.” الرواية – ص37″. ويكشف ” الكلب – السارد ” انحياز المؤلف الى الكلاب بصورة عامة مع انحياز واضح لكلب الاحتلال ” لا أدري ما مدى قرابتك بالمؤلف “.” الرواية-ص37″.
لغة سرد
السؤال ، ما الذي اراد أن يبوح به هذا النص ، ولماذا هذه الكلبنة وهو قد ارتقى بلغة السرد من الحيوانية الى الانسية من حيث الرؤية والفعل حتى أن المتلقى يأخذ في التفاعل مع خطاب النص في انسيته متجاوزا التمثيل الاشاري ” الحيواني ” متخذا من المقارنة بين المحتل والمواطن ، وما جرى له من ويلات من جراء الاحتلال مرتكزا لكشف تناقضات الواقع الاني وديمومة الاحتلال بوجود من يروج ويدعم هذا الاحتلال من الداخل .
هذا النص يقرأ ، وقراءته تمتع المتلقي ؟ الا أنها تدعوه الى التوقف في محطات من النص ،وقفات تأمل ومقارنة بين ما يكشف عنه النص وبين ما تراكم في وعي المتلقي من تجارب تفوق ما اباح به النص ، مما يشكل حافزا تواصليا في القراءة وأثارة الاسئلة في ما ينبغي البوح به بعد الانتهاء من النص المكتوب .
























