فضاء الروايةعند سعدي الزيدي

117

فضاء الروايةعند سعدي الزيدي

فيصل سليمان حسن

يتميز الفضاء في الرواية العراقية في فترة ما بعد التغيير بجملة ملاحظات ونحاول من خلال قراءات العديد من الروايات العراقية الصادرة بعد 2003 لنميز الفضاء في الرواية العراقية في فترة ما بعد التغيير بجملة ملاحظات ونحاول من خلال قراءات العديد من الروايات العراقية الصادرة بعد التغيير أن نسجل بشكل مكثف الفضاء الفني والجمالي فيها وفي غيرها لإعطاء فكرة عامة عن الفضاء الروائي الذي قرأناه وإشكال تحققه وتقنياته بملاحظات نروم من ورائها تلخيص هذا المنجز في فترة ما بعد التغيير السياسي في العراق ابريل/نيسان 2003 ولغاية اليوم.من أهم الملاحظات المتصلة ببناء الفضاء الروائي في الرواية العراقية نذكر خمسا: أولا نُلفي في العديد من هذه الروايات ميلا إلى الهروب من الواقع التسجيلي إلى الواقع المعيش باتجاه التشكيل الفني وغلق البنية الروائية على مجموعة أحداث متباعدة والتركيز على الشكل، الأمر الذي أسهم في خلخلة مركزية السرد وتعدد مراكزه بالاتجاه الذي يؤسس عالماً مفككاً نابعاً من رؤية تؤكد تشرذم هذا العالم وانطواءه على حكايات متعددة يقودها ساردون هامشيون.وعلى وفق هذا المعنى المتحقق في هذه الروايات نلاحظ ملاحظة أساسية تتعلق ببنية السارد/ الساردين في بعض هذه الروايات واعتمادها على ساردين غير نموذجيين كما نجده في التشكل السردي العراقي في الخمسينيات بسيادة السارد العليم الذي يؤثث الفضاء القصصي باتجاه وجهة نظر تنتصر للفقراء والمعدمين أو السارد المتعالي في القصة الستينية أو السارد في روايات القرن الماضي التي يكون ساردوها وبعض شخصياتها شخصيات إشكالية قلقة تحمل هموماً ذاتية وفردية إزاء الواقع والحياة فالساردون في هذه الروايات شخصيات مسطحة لا تمتلك مقومات الشخصيات الإشكالية المألوفة في تلك الروايات كما أن هذه الروايات تستثمر ساردين متماهين مع الأحداث لا تميز كبيرا بينهم سوى إعطائهم صوتاً ورتبة في سرد الحكايات التي ترد في المتن الروائي، وبهذا المعنى نحن أمام تغيير جذري ومهم في بنية السارد والشخوص الروائية بالاتجاه الذي يؤسس عالماً منفتحاً على أزمان سردية مختلفة وحكايات وبناءات مكانية متنوعة، دون الوقوع في شراك النظرات الأيديولوجية والقصدية ولكن باتجاه التشكيل الجمالي والمتعة الجمالية على الرغم من توفر مشاهد الخراب والموت فيها . وبهذا المعنى أيضا، يمكننا أن نؤشر على ميلاد سرد روائي جديد مختلف ومتنوع في تقنياته ومنفتح على الاتجاهات في الرواية العربية والعالمية لتعزيز الإنجاز الروائي العراقي الوطني وبالشكل الذي يعزز الهوية الروائية بطبعتها العراقية، وهو ما يمكن أن نجد بعضه متحققاً والبعض الآخر في طريقه إلى التحقق والاكتمال. أما ثاني الملاحظات فصورتها أنه إذا تفحصنا العالم الروائي في هذا النتاج نلاحظ أن العديد من الروايات الصادرة توظف وقائع الحياة المعاصرة في العراق بالشكل الذي يرفع رتبة بعضها إلى السرد العجائبي الذي تنعدم فيه العلاقة السببية بين الحدث وتفاصيله كما في روايات (مكنسة الجنة، جنة العتاد، اونسام كاميل ..) للروائيين مرتضى كزار وابراهيم سبتي، اسعد اللامي في حين تكرس روايات أخرى وجهة النظر التي توكد سيادة الكابوس والعبثية والخوف من الآتي بما يعني تأسيس وجهة نظر كابوسية وسوداء عن الواقع المعيش يستقي أحداثه من الواقع اليومي لبدايات التغيير من حيث الرؤية والمنظور، في حين تأتي التفاصيل السردية مختصرة او منتقاة وموزعة على أماكن وأزمان سردية متباعدة، لتؤكد هذه النظرة أو لتسخر من هذه الوقائع وكأن أحداث الماضي لا علاقة لها بالحاضر أو أن هذه الوقائع توظف بالشكل الإيهامي الذي ينقلها إلى وقائع خيالية في رحلة معاكسة توظف الواقع باتجاه الخيال إلى أحداث روائية يستطيع المتلقي إدراك تحققها في الواقع المعيش، مما شاهده أو سمعه او عاشه ليجدها هنا قد تحولت إلى أحداث خيالية من خلال تحققها في المتن السردي أي تحولها إلى أحداث روائية، وقد استثمر الروائيون أشكالا روائية مستنسخة من الانجاز الروائي العالمي او العربي. تنهض الملاحظة الثالثة على تأكيد أنّ تجسّد الفضاء في حكايات عن مكان روائي متخيل لا يعتمد على مسميات واقعية ولكنه يشير إليها من خلال بلاغة التورية التي استخدمت بشكل كبير في السرد العراقي القصير في فترة التسعينيات، كما ففي رواية ” طوفان صدفي” للروائي سعدي عوض الزيدي التي تتحقق في فصولها الأولى مشاهد مبنية على أساس تحكم الجملة الإسمية، في إشارة إلى استقرار هذه البنية خلال عصور متباعدة وهي تؤشر وقائع تاريخية ملخصة بالاتجاه الذي يكرس هيمنتها واستمرارها في التأثير على المكان الروائي وتخريبه في كل مشهد من هذه المشاهد.كما استثمر بعض الروائيين بنية المتاهة بشكلها البوليسي في روايتي “وجه فننسنت القبيح” للروائي ضياء الجبيلي و”جنة العتاد” للروائي إبراهيم سبتي، وبالشكل الذي يمثل انجازاً فنياً في الكتابة الروائية الواعدة لهذين الكاتبين، فهذه البنية هي بنية ملائمة للحدث الروائي الذي تضيع فيه الحدود ويختلط فيه الواقع بالخيال وبالشكل الذي تضيع فيه كل مقاييس الفحص.

  • لغات مهمشة : الملاحظة الرابعة، هي أن تشظي العالم الروائي في معظم هذه الروايات وانتظامه في تشكيلات حكائية متنوعة على وفق البنية الإطارية التي لا تتوقف عند حكاية مركزية، قد أسهم في بناء أزمان روائية مرنة استوعبت ضخ عدد كبير من التقنيات السردية كالمنتجة والقطع والبناء المشهدي وضخ معلومات سردية في جسد الرواية مستقاة من كتب التاريخ او من كتب اللغة والموسيقى وغيرها، أو باستثمار عالم الفضاء الذي تبثه الفضائيات في رصد الواقع التسجيلي دون النظر إلى المنتجة وصناعة الخبر في هذه الفضائيات، بالشكل الذي ينمي وجهة نظر خاصة بتلك الفضائية دون غيرها اعني أن البث الفضائي لمجريات دخول القوات الأجنبية إلى العراق مثلا، كان قد وظف بأشكال متنوعة معظمها يشير إلى تفوق الجانب المعادي، وكأن انتصاره يشكل حقيقة لا جدال فيها. يضاف إلى هذه التقنيات، ذلك التنوع الثر في زمن السرد بالاتجاه إلى الماضي نزولاً أو صعوداً نحو الحاضر والمستقبل من دون الاستعانة بالمنلوج الداخلي، وتيار الوعي وكل التقنيات المألوفة في السرد الروائي السابق على هذه المرحل، بل الاستفادة الكبيرة من منجزات السينما والرسم واللغات الأدبية المجاورة للسرد الروائي . كما أن تخلخل العالم الروائي وتشظيه باتجاهات سردية ومعلوماتية كان مواكباً ومتأثراً بالتحولات في بنية الواقع المعيش، الذي يمر بفترة حرجة من التغيرات الفوضوية في الأشكال الفوقية للمجتمع متمثلاً ببنية الدولة ومؤسساتها . وننهي ملاحظاتنا بخامسة، تقول إنّ من أهم الانعطافات في لغة هذه الروايات اعتماد بعضها على اللغة الخبرية الخالية من المحسنات والمجازات، والتركيز على الحبكة الروائية، إضافة إلى استثمار بعضها اللغة الدارجة للاقليات في إشارة بالغة إلى تأثر هذه الروايات بتيارات ما بعد الحداثة التي تدعو إلى تخليص اللغة من البلاغات التي ترهقها، وفسح المجال أمام اللغات المهمشة في الظهور فيها، إضافة إلى تشييد عالم تسكنه الريبة والشك وعدم اليقين.

مشاركة