إضاءات على كتاب التعبير الصحيح
ما أنجزه العزاوي في التصحيح اللغوي
نجاح هادي كبة
من الكتب التي صدرت العام 2001م للدكتور نعمة العزاوي كتاب التعبير الصحيح، يقع الكتاب في 227 صفحة من القطع المتوسط، احتوى الكتاب على تصحيح طائفة من الجمل والعبارات الشائعة الاستعمال في الصحف والإذاعة والتلفاز وعلى لسان الممثلين والعامة من الناس. الذي يقرأ الكتاب يُطمئن نفسه والآخرين على ان حركة التصحيح اللغوي لم تنقطع في تاريخنا، قال الباحث العزاوي : (وكتب النقد اللغوي هذه ظاهرة عرفتها عصور العربية على امتداد التاريخ فلم يخلُ عصر منذ القرن الثاني الهجري حتى القرن العاشر من كتاب أو كتب ألفها أصحابها للتنبيه على ما شاع من أخطاء في ذلك العصر، وإذا كانت ريح التأليف في النقد اللغوي قد ركدت بعد القرن العاشر الهجري، إذ صادف ذلك حلول عصر الجمود والتخلف الحضاري، فانها عاودت الهبوب منذ أوائل القرن العشرين الميلادي، وظلت نشيطة قوية حتى بداية النصف الثاني منه، إذ شهدت تلك الحقبة تصحيحات الكرملي في “لغة العرب” وكمال إبراهيم في كتاب “أغلاط الكتاب” ومصطفى جواد في كتابيه “قل ولا تقل” و”دراسات في فلسفة النحو والصرف والرسم” /ص : 7 .
إن الذي يقرأ التعبير الصحيح يرى ان من الضروري الإشارة إلى أن حركة التصحيح اللغوي عليها ان تأخذ بالحسبان مسألة التحرر والجمود في النقد اللغوي لأن اللغة تتطور بناء على تطور الحياة، وعلى الرغم من ان النقاد قد آمن قسم كبير منهم بهذا التطور، إلاّ أن القسم الآخر يعملون على وفق التطور ولكل فريق من النقاد رأيه، فكل يرى موقفه صحيحاً وينتقد الآخر، فالمجددون يرون ان تتحرر اللغة على وفق ضوابط جرت عليها أمر يناسب سنة التطور ، إذ لا يؤمنون بالتمسك بالأفصح، ولا يرفضون القياس في اللغة بل لا يرفضون الاشتقاق والتطور الدلالي أو رفض المولّد من المفردات والتراكيب أو رفض الدخيل، أو يعدونها وسائل لتطور اللغة لكنها ليست الوحيدة لهذا التطور.
الباحث العزاوي من الباحثين الذين يرون : (ان اللغة لا تجمد
على حال معينة، ولا تقف عند حد مرسوم، وإنما هي عرضة للتطور،
بل ان تطورها ناموس طبيعي لا سبيل إلى منعه أو الوقوف
بوجهه(العزاوي، 1984م، ص : 24. بناء على ذلك كانت لنا ملاحظات يسيرة على كتاب التعبير الصحيح للعزاوي، منها قوله : (رأيتك صدفة ووجه الخطأ في هذه العبارة كما يراه الباحث هو استعمال “صدفة” بدلاً من “مصادفة” وفي المعجم (صدف عن الشيء صدوفا أعرض عنه وان على الكاتب ان يقول في عبارته التي عرضت لها بالنقد: (رأيتك فيها مصادفة/ص : 177.
لأن مصادفة اسم يدل على ظهور الشيء من غير توقع له وانتظار بمعنى
يقع في الضد من “صدفة” التي تعني الإعراض عن الشيء. لكن العرب أجازوا استعمال الأضداد، ففي رسالة الأضداد للمنشئ، جاء : اترب : كثر ماله وقلّ ارتاب : شك
وقال أبو علي : تيقن إذ يكون شكاً ويقيناً. نقله الطربوشي في قوله تعالى :
“ان ارتبتم فعدتهنّ” (المنشئ، 1985م، ص : 33 وقد أورد المنشئ عدداً كثيراً من الأضداد.
قال الباحث : منبهاً الكتّاب على استعمال كلمة “محتار” بدلاً من “حيران” ، أما الفعل فهو “حار” وليس “احتار” ، أي أن الثاني لم يتكلم به العرب. ص : 78 أقول ان العرب قد استعملت صيغة “افتعل” في كلامها مثل : اجتمع، احتكم، اقتحم، من جمع و حكم و قحم ولنا ان نقيس على ذلك فنقول في “حار” “احتار” والقياس جائز شرعاً وعرفاً.
قال العزاوي: (إعاقة حركة المرور ووجه الخطأ في هذا التعبير استعمال (إعاقة وكأن الفعل (أعاق مهموز الأول ورباعي في حين ان هذا الفعل ثلاثي غير مهموز ، أي(عاق والمضارع منه “يعوق ” والصواب” عاقه-يعوقه” أي شغله وصرفه ، ومعنى ذلك ان صواب عبارة المذيعة هو(عوق حركة المرور/ص:178. أقول أليست هذه العبارة مهجورة ولم تجرِ على لسان معاصرينا وان عبارة (إعاقة حركة المرور أكثر استساغة على اللسان منها، لقد وسّع العرب لغتهم قديماً بوساطة حروف الزيادة كالهمزة والسين والتاء، واستطاعوا من طريق ذلك ان يولدوا كلمات ومفردات عديدة، فقالوا : كرم وأكرم، وجرى وأجرى، ووجب وأوجب، فلم لا نقول : أعاق؟ ومصدره إعاقة فنقول (إعاقة حركة المرور وبذلك نجري على سنة التطور، ولا مانع من ان نستعمل “عوق” في جمل نكون أقرب فيها إلى الواقع اللغوي المعيش الجاري في اللغة العربية الفصيحة، لنحيي المهجور من لغة الضاد، فالعرب كثّروا المعاني بتكثير الأصوات فإعاقة فيها كثرة.
قال الباحث : وقد أرسلت الحكومة فرقاً لإخلاء المصابين ويرى الباحث ان في العبارة خطأ يتردد كثيراً في لغة الإعلاميين، وهو قولهم : إخلاء المصابين فالمصابون لا يخلون وإنما يُخلى المكان منهم، ولذا كان على المذيع ان يقول : وقد أرسلت الحكومة فرقاً لإخلاء المكان من المصابين/ص : 181.
أقول ألم يقل سبحانه وتعالى (واسأل القرية؟والتقدير(واسأل أهل القرية؟ فحذف المضاف وحل محلّه المضاف إليه، وألم يقل سبحانه وتعالى (ان الأبرار لفي نعيم؟ أي في الجنة، فاستعمل عزّ من قائل كلمة “نعيم” محل كلمة “الجنة” والعلاقة بينهما حالية في باب “المجاز المرسل” لأنه استعمال الكلمة في غير معناها الحقيقي لعلاقة غير المشابهة بقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
قال الباحث : ان كلمة “قارص” هنا تثير خلافاً بين اللغويين فأكثرهم يرون انها بالسين، إذ الأفصح ان يقال (برد قارس مثل “قارص” فكلاهما جائز، وذهب إلى مثل ذلك الزبيدي مؤلف “تاج العروس”/ص : 186.
يتبين من ذلك ان يقال في اللغة الفصحى(برد قارس وأما “قارص”
فدونها فصاحة، واقل منها اشتهارا،والذين يجيزونها يبدو انهم يحملونها على المجاز/ص186.
وأرى ان إبدال حرف بحرف ما جرت عليه ألسنة العرب الفصحاء، فهم يبدلون حرفا بحرف مقارب في جهاز النطق، فهم يقولون مثلاً : صقر وسقر، واعتقد ان استعمال العرب لكلمة “قارص” بدلاً من “قارس” هو من هذا الباب، ذلك ان العرب يبدلون الحرف المهموس بالمجهور لكن ذلك ليس باضطراد ومن الأمثلة على ذلك “يساقون”، فيقولون “يصاقون” وفي سخر يقولون صخر وفي سراط يقولون صراط وهكذا.
قال العزاوي : ان تعبير (على قاعة و(على حدائق تعبيران شائعان على ألسنة مثقفينا وأقلامهم والمعروف ان (على حرف من معانيه الاستعلاء والظهور على مكان مرتفع كقولنا (على السطح وعلى الجبل وعلى المنضدة وعلى المسرح أما القاعة والحدائق فالحرف المناسب لهما (في لأن الناس والموجودات يكونون في هذين المكانين، ويكون هذان المكانان مشتملين عليهم، ولذا كان الصواب ان يقال : (في قاعة مسرح المنصور قدّمت المسرحية الأردنية ص: 214.
لابد من الإشارة هنا إلى مسألة التضمين في حروف الجر، أي ان يقوم أحدهما بتأدية معنى الآخر، قال تعالى : (لأصلبنّكم في جذوع النخل طه/71 أي على جذوع النخل.
وقول عنترة :
بطلٌ كأن ثيابه في سرحة يحذى نعال السبت ليس بتوأم
أي : على سرحة. حتى ان ابن منظور في (على أباح القول: “فعدت في علوة” واستعمال على بدلاً من في كقول أبي كبير الهذلي :
ولقد سَرَيتُ على الظلام بمغشمٍ
جَلدٍ من الفتيان غير مهبَل
اي : في الظلام وهذا يرجع بنا إلى آراء دي سوسير ان اللغة اعتباطية إذ شبهها برقع الشطرنج التي تؤدي إحداها وظيفة الأخرى.
قال الباحث : مما يكثر الخطأ فيه استعمال “أم” إذ إن أكثر الكتاب والأدباء يحسبون انها تقترن بكلمة سواء، فإذا ذكروا سواء في صدر الجملة جاءوا بعدها بـ “أم” والصحيح انها تقترن بالهمزة، فان لم تأت بالهمزة امتنع مجيئها وجاء “أو” بدلاً منها، ومعنى ذلك ان الصواب ان يقال في العبارة الآتية
الشعر سواء حديثاً كان أو كلاسيكيا/ص : 133.
لكن جاء في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك/ص : 230 :
وربما أسقطت الهمزة ان
كان خفا المعنى بحذفها
أي قد تحذف الهمزة، يعني همزة التسوية، والهمزة المغنية عن “أي” عند أمن اللبس.
وتكون أم متصلة، كما كانت، والهمزة موجودة ومنه قراءة ابن محيص (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم. بحذف الهمزة من أنذرتهم، وقول الشاعر:
لعمرك ما أدري، وان كنت داريا
بسبع رمين الجمر أم بثمان
أي : أبسبعٍ.
قــــــال الباحث ان الكلام صحيح لو قيل : (ان كل الفقرة المشار إليها مثيرة بعدة أسباب و(ان كل الفقرة المنوّه بها آنفاً مثيرة بعدة أسباب/ص75.
أقول أليس في الكلام تقديم الصفة على الموصوف في (عدة أسباب.
وقد يكون من المفيد ان ننوه ان في الكتاب أخطاء طباعية وددت تصويبها:
الخطأ
الصواب
الصفحة
السطر
وقفنا
وفّقنا
54
4 من أسفل
يجدح
يجد
59
8 من أعلى
التي التي
التي
83
2 من أعلى
عليّ بالشروع
على الشروع
87
9 من أعلى
فيجوزو
فيجوز
135
5 من أسفل
من المفيد أيضاً ان نقول : ان الكتاب موجز في تناوله المسائل اللغوية، ومكثف ما جعله بعيداً عن الترهل، إذ صار أقرب إلى التركيز منه إلى التبعيد، وقو بُوّب بـ (100 مسألة لغوية وبعدد صفحات (227 صفحة، ولابد من الإشارة إلى ان الكاتب وقع في التكرار في أثناء تناوله ضبط حركات أسماء وجبات الطعام فقال “فطور” بفتح الفاء و”غذاء” بفتح الغين و”عشاء” بفتح العين و”سحور” بفتح السين/ص : 5. وقد كرر الكــــلام نفسه في صفحة : 163.
ان كتاب التعبير الصحيح للعزاوي كتاب شغل حيزاً عملياً عالج فيه الباحث الواقع الاستعمالي للغة ولم يقع في الترهل وما جاء من ملاحظات عليه
لا يقلل من قيمته وهي قابلة للرد لأن اللغة العربية تخضع للقياس والاجتهاد أحياناً.
شاعر يبوح قصائد عارية من الخطيئة
عبد الجبار عبد الوهاب الجبوري
شاعرٌ غريبٌ في شعره … غريبٌ في قبره .. لا يعرفه إلاّ الغرباء الصامتين الضائعين بين الحروف المتصوفة التي يأكل بعضُها البعض لتبقى حروف كهانته حزينة كحزن كأسه الثمل الذي يجادل الجالسين في معبد الحب والجمال والشعر .
غريبٌ في عالم الأغبياء .. نازكٌ في عالم الأنبياء والشعراء رغم أن الشعرَ في عالم الأنبياء ضلالة وفي عالم الأغبياء فضالة .
كلُ شيء في شعره همٌ … وكلُ شيء في همهِ شعرٌ يُسَطرُ بين كلماته ماهية الحب والجمال دون أن يعرفَ العشق .. ودون ان يعرفَ الحبَ لأنه شاعرٌ لا يطمح من الحياة بغيرها ولا بالآخرة وجناتها .
شاعرٌ فلسفته في الحياة أن يملأ كأسهُ الفارغَ بكلماتٍ تنزفُ دماً ليكون ثملاً لا يعرف فيه أحد إلاّ نفسه … ولا يُحدث بها احد إلاّ قلمه وخمره وكأسه .
إنهُ شاعرٌ يحتاج إلى وجه لا يعرفه أحد من وجوه زمانه كي يرسم عليه صوراً من شعره كما يُريد لا كما يريد الخليلي .
الكلماتُ قي شعره قبلاتٌ … لكنها قبلاتٌ من الدم لأن الشفاهَ التي يلثمها لا تعرف الفم الذي يقبلها .
كان شعرهُ عارياً من الخطيئة .. لأن الخطيئة عاريةٌ من نقابها وعفتها .. كان شعرُهُ باكياً .. لأن كلماته باكية من يقرأها يضحك على نفسه ودمعه .
كان شعرهُ عابراً حدودَ المأساة الشخصية لأن المأساةَ لا تعبر إلاّ من حدود شعر البؤساء ومقبرة الغرباء .. إن شعره وثني في معبد صادق .. لكن صدقَ كلماته في مسجد كاذب . فلدى الله شاعر وثني صادق خيرٌ من فقيه عابد كاذب.. شأنه في ذلك قول الرسول ( ص ) : ( كافرٌ عادلٌ أفضلُ من مؤمن ظالم ) .
شعره كان عظيماً لأنه خلّفَ هموماً عظيمة كثيرة في ديوان همومه الشعري الصحراوي الذي تصفق له رمال صحراء الربذة التي مات فيها العظماء .
إنه ينحت الشعرَ من همومه وآلامه فبنى العقابي هرماً من شعر الجبوري .. لكن الجبوري سيعتبُ علينا لأن الهرمَ سيكون موحشاً ما لم يذهب إليه القرّاء .. والغرباء.
* * *
إنهُ شاعرٌ يؤمن بحسرة الأنبياء والمصلحين لا لأنهم أنبياء ومصلحون إنما لحسراتهم التي تحمل همومَ الغرباء والمهمومين الذين ينظرون إلى تساقط الأغبياء من أجل سعادة الفقراء الذين حمل همومهم فزادت من همومه . حتى غيَّبتهُ عنا .
إنهُ شاعرٌ لا يخجل من همومه لأن المهم عنده أن تخجل هذه الهموم من كأسه الثمل الذي حمل هموم السكارى سواء داخل حانات الغربة أو خارجها .. مادامت لهمومه مواقيت تدور في بحور شعره التي مثلت مراحل حياته دون أن تدخل أية مرحلة منها معبداً أو حانةً لأنه يعرف أن الدخولَ بين الجدران يحرمه الجلوس مع الآخرين في مقهى الغرباء وهم ينظرون إلى الشمس والقمر والنجوم بحرية دون قيد أو شرط .. فلا إكراه بين الشعراء في أن ينظروا للقمر فقط أو للشمس فقط , تماماً كما قال اللهُ تعالى ( لا إكراه في الدين ) إنه شاعرٌ حدد شكل حياته وموته لكنه لم يعشْ كما يريد .. ولم يمت كما أراد بل عاش كما أراد كأسه ومات كما أراد قبره.
لأن الناس يبنون قيور الشعراء بعد موتهم كما بنى العقابي ديوان شعر الجبوري بعد مماته .
إنه كان ينتظر موته بشعره لأنه عظيمٌ بنى الناس شعره بعد موته وذكروه وهو في قبره .. لكن عرفوه بعد مماته ونسوه في حياته .
أعرفه شاعراُ انعزالياً لا يقترب أحد من عزلته فعاش في حانوت مهجور ينظم فيه الشعرَ تحت ضوء القمر … ويتوسدُ فيه آثاث شعره المثقلة الثملة بدخان سجارته .
وأعرفه شاعراً وطنياً لا تقترب وطنيته من أحد لأنه يؤمنُ أن الوطنيةَ إنتماءٌ وإن للوطن ولاء .. وللإنسان أمه لكنها غمة .
أعرفه شاعراً عنيداً لا يهزه خوفُ سلطة أو يغريه عرض أو عطاء أو قرابة .. فكم رفض لي عرضاً لأطلاق حريته عندما قيدتها الأحداث السياسية لشعوره أن الجدران التي تضمه تحقق حريته .
* * *
* وللشاعر علي الجبوري .. فلسفة حياتية شمولية أممية . فكرةُ اللا انتماء لديه تقوم على ترك الإنسان لإنسانيته . لأسمه . والخطأُ عنده أن لا يترك الشعرَ بلا اسم لأن الشعرَ بلا اسم يفقد نسبه وترابه وهواءه .
* والإيمانُ عنده إلحادٌ إن لم يكن عن مبدأ .. ومن ترك المبدأ لا إيمان له . ولا صلاة له سواء صلّى في معبد أو مسجد .. أو طاف حول البيت الحرام ألفَ مرّة . لأن المبدأ عنده يمنح الإنسانَ الإيمان … والمبدأ الذي لا يمنحك هذا الإيمان لا صلاة له .. لا تدافع عنه ودع غزاةَ الشعرِ يعيشون في بحوره ما دام لا إيمان ولا مبدأ لديه .. الإيمانُ والمبدأُ في الشعرِ جنّةٌ وفقدان أحدهما نار.
* الشعرُ عنده هو الخيرُ والطيب وسلامةُ الكلمة .. ومن يبتغي من الشعراء غير ذلك فلن يُقبَل شعره .. تماماً كمن لا تقبل لحيته أن يَرتجفَ شعرُها لناقوس أو مأذنة .
* والشاعرُ عنده ليس شيطاناً في شعره أو كافراً في كلماته أو ملحداً في بحوره .. إنهُ إنسانٌ يمشي بلا مسافات .. في طريق خالية حتى من خطواته .
* و علي الجبوري لا يشعر بشعرهِ , لكن شعرهُ يشعرُ به لذا تراهُ يبكي مرتين مرةً مع شعره ومرّةً مع نفسه وهذا هو تفسيرُ الوجودِ عنده بكاء وثمالة .
* الصلاةُ عنده في محراب الشعر باطلة إن لم يتوضأ بدموعه , لكن الوضوءَ لديه طهارة الكلمة .. وقرب المسافات بين كأسين مرةً يراهُ فارغاً وأخرى يراهُ ثملاً .. وبالتالي هو كأسٌ واحدٌ وصلاةٌ واحدة سواء داخل محرابٍ أو خارجه بمفرده أو مع الآخرين.
إنهُ يفهم الشعرَ بكأسه وليس بكلماته . ويفهم الحقيقة في قمره وليس في شمسه .. فالقمرُ في ضوئه وحيٌ و الشمسُ في ضوئها شيطانٌ لذلك نراهُ مرةً نبياً في شعرهِ ومرّةً شيطاناً في كلماته .. إنه يؤمنُ بقمره ويكرهُ شمسه . لذلك نراه نبياً لكن شيطانه أقوى من نبوته .. إنهُ الكافرُ في شعره .. الملحدُ في قبره .
* أعز شيءٍ عنده مجدلية غربته .. تماماً كما أعز شيءٍ على الشجر أغصانها .. وأعز ما في أشعاره نارها .
أغبياءٌ عنده من لا يعشق مجدلية . ولا يستظل بشجرة صيفاً , أو يتدفأ بنار أغصانها شتاءً .
الصيفُ والشتاءُ عنده فصلٌ واحد مادام شعره حاراً في الشتاء وبارداً في الصيف .. هكذا الغرباءُ يعيشون بلا صيف أو شتاء .. الحرُ والبردُ عندهم سواء .
* سُئلَ الجبوري مرّةً من صَلَبَ شعرك ؟
أجاب كلماته . ومن حرقَ حروفك ؟ أجابَ أبجديتها .
ومن حرقَ الاثنتين ؟ قال : لهيبُ غربتي .. لكن لهيبها انطفأ بريح حانات الليل . لأن الشعرَ بلا حانات كالخراف بلا ناي .. بدونها تموتُ قافيةُ الشعراء . ولا يموت الشعر أو الشاعر ما دام هناك من يؤمن أن الشاعر يموتُ والشعرُ يبقى حياً ,
وختاماً لا أعز لديَّ من غربة علي حسين علوان الجبوري ولا أعز لدي من ثقافة مدينته ما دام في المدينة من يذكرون أبناءها كعلي العقابي وغيره من الشرفاء .
َ
























