قراءة في مسّخَرَة للشاعر معتز رشدي
كركوك هيمنة القدر السَّاخر
عامر صادق
من الممكن زراعة الخوف في نفوس الناس من خلال عمليات القتل والتعذيب وكل أنواع العقاب البدني ، ومن الممكن أيضا من خلال التلاعب بعقولهم واستثارة مخاوفهم من المجهول . يقول “برتراندرسل” (الخوف هو مصدر الخرافة الأولى ، واحد المصادر الرئيسية للسلوك الوحشي ، لذلك فالسيطرة على الخوف هي بداية الحكمة ) .ولان الأمان يقع في أعلى هرم الأولويات المتعلقة بالإنسان خلافا للكائنات الأخرى ، نجد إن عنوان قصيدة الشاعر معتز ، جاءت على نحو مغاير وساخر للمضمون ، مطلقا عليها اسم ( مسخرة )، والسرية هي طريقة من طرق التعبير ، يستعمل فيها الشخص ألفاظا تقلب المعنى إلى عكس ما يقصده المتكلم حقيقة ، وهي النقد والضحك او التجريح الهازئ وقد حاول ” ألفرد أدلر” أن يرجع السخرية أو يحللها – كانفعال مركب – إلى الغرائز البسيطة التي تتركب منها، فقال:
“هي خليط من انفعالين هما الغضب والاشمئزاز: فنحن إذ تثور فينا غريزة النفور نشمئز، فإذا عدا الشيء الذي أثار اشمئزازنا على صفاء عيشنا، من أية ناحية من النواحي، بعثت فينا غريزة المقاتلة والانفعال المقترن بها، وهو الغضب، فدفعا بنا إلى السخرية مما بعث اشمئزازنا أو ممن أثاره في نفوسنا. ولا يخلو هذا من عنصر الزهو، لأننا ننزع إلى الرضا عن أنفسنا والاسترواح إلى شعورنا، عقب مطاوعة السخرية والانسياق معها”
يبدأ الشاعر قصيدته بهذه الأبيات المصطبغة بلون الخوف:-
إني لأستنشق فيك رائحة العظام
هذا ما قلته لك
وأنا أقبلك أول مرة
خلف سياج حياتي
المليئة بالحرس.
هذا الحب الممزوج برائحة الموت ، تلك القبلة المليئة بطعم الخوف ، تلك التنهيدة التي تقبل كل الاحتمالات ، حب يحاكي مخاوف التجربة الأولى ، ويحاكي تقلبات الزمن المؤلم الذي عاصره الشاعر وعاش كل تفاصيله من حنين ولوعة وتوجس لا مفر منه ، انه يصف اللحظة والرغبة معا ،يصف التجربة ويحاكيها ، إنها القبلة الأولى ” قبلة السجين ” كما يدعيها الشاعر خلف ( سياج ) حياته المرعبة . انه يرميها في مكانها ، فالحب الحقيقي مثل شعاع النور ، لا ينتظر الاستئذان ليغرس في النفوس . إنها القبلة الشهيدة التي تلقفتها بنادق الحرس كي ما ترى النور خارج سياج العقل المتوقد ، خارج القضبان . انها قبلة تأبى القيود وتأبى الخشوع ، لكن ما الفائدة وخارج السور يعج بالحشود والقيود والحرس ، أية مشاعر يبوح بها وهي أسيرة الموت في زمن البطش والرعب !…
نعم انه زمن الخوف التي سطرها بهذه الأبيات التالية :-
حياتي ثكنة ،
أنا فيها طريد دائما
ملقى علي القبض دائما
وبينهما السياج الذي قبلتك خلفه ، مرة ،
في الحلم.
لعل الجيل الذي انتمى له الشاعر خير دليل على معاصرته الحروب والطغيان ، عصر الرعب والألم ، ها هو يشبّه حياته التي عاشها بالثكنة الكبيرة التي تعج بالعساكر والمخبرين والواشين ، حياة لم يجد فيها سوى قوانين صارمة كصرامة النار في فوهة المدفع ، مجتمع يقتات على الخراب والدمار بكل أنواعه ، مجتمع لا تنفك منه رائحة الموت ولون الدماء والضياع والسجون والحرس ، هذه الحياة التي جعلت من شاعرنا طريدة في أشعاره ومتهما في كل زوايا حياته العمياء .
ان حياة الشاعر التي هي أشبه بمقدمة فلم بوليسي ، قد جعلته يصف القبلة المحصورة ( قبلة السجين ) بين ( السياج ) وبين الثكنة هي أشبه ببذرة تنبت في وسط الصحراء ، فهي تناضل وتكافح من اجل البقاء ، من اجل ان تورق وتعيش في أصعب بيئة وفي أحرج الظروف وأقساها . إنها الطريدة التي تحلم بالنجاة وبالحرية والأمل ، انها القبلة التي تداعب خيال الشاعر المقيدة خلف أفق الظلام ، انه ذلك ( السياح ) الذي طالما حلمنا مع الشاعر باجتيازه وكسر قيوده .
كتابات مقصودة
إن الرومنطيقية التي انتهجها الشاعر في كتاباته مقصودة فهي تعبر عن فكره المتحرر وعن نفسه التي أطلق لها العنان لتتصرف على سجيتها مستبيحا لها كل الحرية ، فنراه متحررا من قيود العقل والواقعية دوما .
ويختتم الشاعر قصيدته بهذه النهاية متسائلا :-
قبلتك مرة …….
في المرة الثانية داهمني الحرس!
هل وشيت بي عندهم؟
الوشاية هي إفشاء الأخبار من شخص إلى شص آخر بهدف الإيقاع به سواء كانت صادقة ام كاذبة ، وهي من شأنها ان تفسد العلاقات بين الأفراد ، وإذا كانت المصلحة الشخصية تلمس الوقائع داخل العلاقات الإنسانية فهي المحرك الأساس لما يقوم به ( الواشي ) فانه في نهاية المطاف يكون الخاسر الأكبر ، اذ انه يخسر من وشى بهم كما من أوشى لهم .
ونرى إن الشاعر يتساءل في قصيدته مخاطبا حبيبته الغامضة في نصه (هل وشيت بي عندهم؟ ) عندما قبلها للمرة الثانية ذلك أن المداهمة كانت له كالفاجعة ، كالقنبلة المدوية في أحشاءه .. إلا أن هذا التساؤل كان حريا أن يوجه لهم بصيغة الجمع ليتساءل بهذا الشكل ( هل أوشيتم بي عندهم ؟ ) ملقيا اللوم للمجهول ، لكن عقدة الخوف والشك ورائحة الموت التي تحيطه من كل مكان كانت هي محفزه الأول في حياته والتي لمسناها في مطلع قصيدته عندما قال مخاطبا (أني لأستنشق فيك رائحة العظام ) إنها حالة الهلع التي عاشها الشاعر وحالة الشك في عصر الموت .. إنها هيمنة القدر الساخر . . .
























