سرور ماجد: لحنت (توصيني) ولم أمتلك عوداً شخصياً
ملحّن يفضّل حميمية الأمس على ثلوج المهجر
نهضة طه الكرطاني
ضمن منهاجه لتكريم المبدعين من مختلف المجالات الإبداعية والثقافية والإنسانية، ضيّف ملتقى الخميس الإبداعي في اتحاد الأدباء الفنان الملحن سرور ماجد الذي جاء من مهجره ليزور بغداد فكبله حنينه للبقاء على الرغم من توسلات أبنائه للعودة إلى كندا.. في تقديم الشاعر عدنان الفضلي له في الأمسية قال إنه تعرض مؤخراً إلى وعكة صحية شديدة، جعلته أكثر تمسكاً باصدقائه والبقاء معهم بعيداً عن عزلة الروح في المهجر.
وعند اعتلائه منصة الجواهري وجه ماجد شكره إلى أسرة الملتقى وكل من حضر، قائلاً: (أخجلتم تواضعنا بإطراء أكثر مما نستحقه. فشكرا لهذا الوسط الراقي الرائع… اسمي سرور ماجد محمد، أي هو ليس الاسم الفني، وكان أسم سرور في صغري يبكيني لأن الصغار يعيروني به وكل يوم أتشاجر بالمدرسة وألعن أخي الكبير الذي أطلق عليّ هذا الاسم إلى أن كان الصف الثالث الابتدائي وجلس بجانبي فتى اسمه سهام فصار الأولاد يعيرونه باسمه الأنثوي وتركوني. وهكذا أفادني اسمي في أن أكون مميزاً في عالم الفن. كما توقعت لي والدتي أن أكون مميزاً، حينما كانت تواسيني. وقد كان والدي شاعراً له الكثير من الأبوذيات المعروفة في الناصرية.. لكنها نسبت لغيره عندما وصلت الى بغداد. قبلت ملحناً سنة 1974. وكان عمري 18 عاماً واللجنة كانت مخيفة جداً وكان من اعضائها ناظم نعيم وطالب القرغولي وداود القيسي وأحمد الخليل وعند دخولي كان معي علاء الحداد بادرت بألقاء السلام فاستغرب الفنان كنعان وصفي وقال: عادة ان من يدخل هنا يكون مرتبكاً وينسى السلام لكن يبدو أنك واثق من نفسك جداً. قلت له:أنا جئت لأكون ملحناً ويجب أن أكون. وكنت قد أحضرت أغنية – توصيني- لحميد منصور ولكن ليس بلحن محمد جوار أموري فأزداد استغراب اللجنة لثقتي بإمكانياتي فقال محمد جواد أموري: الحجارة إلي ما تعجب تفشخ، ثم اسمعتهم ألحاناً أخرى فأوصت اللجنة لي ببعض الألحان لكنها لم تعجبني ووعدتهم أن ألحن الكلمات التي اختارها، فوقع اختياري على كلمات خيون دواي الفهد – من تمر بية حبيبي أعلك الدنيا هلاهل -، وكان يجب أن أقدمه بعد ثلاثة أيام، وفعلاً سجلت اللحن في الأستوديو الذي أعدم فيه عبد الكريم قاسم. وبعد أن أجازتني اللجنة لحق بي ناظم نعيم وقبلني وقال لي ضع أكثر من لحن للنص الذي أعطتك إياه اللجنة. وبعد أن ذهبت للبيت فكرت كثيراً حتى جاء في ذهني ردة حسينية فلحنت على غرارها أغنية – يل رايح للحربية، جم روح تروح وياك- بعد أن سرعت الإيقاع، ومن هنا بدأت اللحن وبعدها أكملته وانا ارى ان أهم شيء باللحن هو الدخول. وسجلت الأغنية ولم تبث. واستمرت رحلة التلحين إلى الثمانينيات وكانت أول أغنية – على اللي راح وابعد ودوني – بعتها إلى سعدي توفيق البغدادي بشكلٍ رسمي مع إني لحنت قبلها الكثير. واستمرت رحلتي إلى أن عملت في برنامج أصوات شابة فتنامت ثقتي بنفسي والتقيت بياس خضر وقلت له عندي أغنية فقال أسمعني ولما سمعها قال أريدها قلت له أبيعها لك فقال المفروض أنا أطالبك بالمال لأني سأغني لك، فمنذ ذلك اليوم قررت أن لا ألحن للخمسة – المبشرين – بالعراق وأقصد ياس خضر وفاضل عواد وحسين نعمة وسعدون جابر وفؤاد سالم وقررت أن أبحث عن المواهب الشابة ليقولوا أي ملحن يقف وراء هذا النجم). وعن نشاطه في كندا وتلحينه أعمالاً كثيرة احتفظ بها لنفسه، قال (وأنا في كندا لم أنس الأغنية العراقية كما كان حال الكثير من الفنانين الذين أنكفأوا على إرثهم الفني السابق واكتفوا بالمشاهدة عن بعد فقد أنجزت أعمالاً كثيرة في الغربة وخصوصاً بعض النصوص التي أسميها حكايات ولا تصلح للغناء بل أرددها في مجالس الأصدقاء والمجالس الخاصة مثل نص المبدع كاظم إسماعيل كاطع الذي يقول فيه – أتريك باكة صبر، وكلاص هم- فهذه حكاية لا تصلح أن تغنى). وبشأن هبوط الأغنية ، قال(الحقيقة هي الواقع المرير الذي مر ويمر به العراق والذي نطلق عليه ببساطة لعبة غاب القط إلعب يا فار، أي غياب الرقابة أولاً، وغياب مبدعي الأغنية، سواء من هاجر منهم أو من توفاه الأجل وغيرها من الأسباب. عن نفسي أنا جئت من أجل أن أعمل شيئاً للأغنية العراقية. في وقتها أيام التسعينيات التقيت بالأستاذ فاضل السوداني وعملنا مجموعة أغان مع الكثيرين، وفي وقت تلفزيون الشباب كان الكم الهائل من الشباب الذي احترف الغناء يبعث على الاشمئزاز ولكننا الآن نترحم على تلك الأيام بعد ظهور موجة المطربين الذين وصلوا الى حد الإسفاف والابتذال. وأخاف أن يأتي يوم ونترحم على مثل هؤلاء وهنا الكارثة إذ تقدم اليوم أغاني مخجلة بما تحمله من كلمات بذيئة وشتائم من غير مراعاة للعائلة العراقية وخصوصيتها الاجتماعية والعلاج بسيط يكمن في فرض رقابة على الألحان والنصوص على ان يمنح الرقيب مرتباً ممتازاً كي لا يكون هناك تساهل. أنا شخصياً رشحت لعضوية نقابة الفنانين وفزت بعضوية مجلس النقابة بأغلبية الأصوات ولكي لا يكون كل من هب ودب لديه هوية نقابة الفنانين حتى سائق الكيا والبنجرجي). ثم فتح باب المداخلات للحضور وأبتدأها الشاعر فالح حسون الدراجي مستذكراً بالقول(قد يكون حديث الغير عن سرور مختصراً لكن أنا لي مع سرور عمر زمني يقاس بعدد الليالي الندية والأذى والحرمان وكثير من التوجهات والتوضيحات التي قد تأخذني إلى مناف ودروب ليست من ضمن هذه الجلسة، لكن ما يلفت نظري ويدهشني في سرور إن لديه إبداعاً حزيناً قد يتفوق على الجميع بحزنه ومن ناحية أخرى هذه الروح فهو صورة ساخرة لواقع مر، لكنه يبتسم برغم كل هذا الحزن. لم تجمعنا الكثير من الأعمال لكن عندما جمعتنا المنافي اتصلت به بعد أن كتبت نصاً للرد على الذين يتهموننا بأننا في الغربة لا نبالي بجراح الوطن وكان المفروض أن تغني النص المطربة فريدة التي طار إليها سرور من هولندا إلى أمريكا فوجدها قد خرجت مع زوجها واتصل بها وأخبرته أن يظل في بيتها إلى حين عودتها لتغني بعد ذلك قصيدتي بألحان سرور). وقال علاوي سلمان الذي كان المؤرشف المسؤول عن المكتبة الصورية والصوتية في الإذاعة والتلفزيون (تفتخر ذي قار من خلال مبدعيها فهي لها الكثير من أسماء الفنانين والمثقفين الكبار، فهي مساحة واسعة للفن العراقي الأصيل، واليوم يحتفي ملتقى الخميس بسرور الذي جاء امتداداً لكبار المبدعين في السبعينيات وكانت له نتاجات أنعشت المكتبة الإذاعية بعد أن لحن للكثير من المطربين الشباب آنذاك).
وقال الناقد علي شبيب الورد في مداخلته (أنها فرصة سعيدة أن يتواصل اتحاد الأدباء من خلال ملتقى الخميس مع الأنشطة الإبداعية غير الأدبية من سينما واقتصاد ورياضة وفنون متعددة، ونحن نفخر بالاحتفاء بهذه الطاقة الإبداعية. لكنني أود أن أسأله عما يقصده بخصوص الحكاية، ليس من جانب الاعتراض بل من باب الاستفسار، وأتمنى أن تكون هناك مخرجات علمية لهذه التسمية). فأجابه ماجد أن( المقصود، أنها ليست أغنية وهي لا تصلح للغناء في كل وقت، بل احتفظ بها لنفسي أرددها في المجالس الخاصة). أما الفنان علي سالم فقال (أنا سعيد بالاحتفاء بصديقي وزميلي ولهذا ستكون مداخلتي أغنية لحنها الملحن سرور وقمت بتلحينها بأسلوبٍ آخر، فالحكائية التي تحدث عنها ليست بالأمر السهل إذ يكون فيها الخيال – فالتاً – في مديات واسعة).
أما المهندس راجي مهدي فقال: (العراقيون إلى الآن يتذوقون الأغاني الرائعة الأصيلة والدليل هذا الحضور الذيلا نشاهد ما يماثله في فعاليات دائرة الفنون الموسيقية التي تستذكر الفنانين العراقيين ضمن منهاج خاص وهذا يدل على أن الذوق لا زال أصيلاً وأجد في سيرة الفنان سرور شيئاً يشابه سيرة الفنان طالب القرةغولي عندما استعار العود من جيرانه).
فعقب الفنان سرور على هذا الكلام بأن (العود الأول الذي عزفت عليه كان لأخي الدكتور الذي حالما اكتشف أن يدي امتدت له رماه أرضاً وحطمه فاضطررت إلى أخذه إلى ساحة الميدان لتصليحه، أما أول عود اشتريته من مالي الخاص فكان بعد أن بعت أغنية- توصيني – بمبلغ 75 ديناراً).
وقال عماد العبودي في مداخلته(لا شك أن سرور طاقة إبداعية تعرفنا إليه قبل الثمانينيات من القرن المنصرم يتمتع بإمكانية اكتشاف الأصوات).
وتحدث الناقد داود سالم قائلاً(لقد قيل الكثير من الكلام وما أود الإشارة له هو القطيعة التي حصلت مع الأغنية السبعينية والثمانينية بسبب من تغيرات المجتمع وغياب دور الرقابة. برأيي الشخصي ان الأغنية العراقية قبل ذلك لم تكن سوى طقطوقة ليس فيها طابع عراقي، مع أن الأغنية الريفية كانت موجودة. ويعود السبب في انتعاش الفنون في السبعينيات إلى حالة الانفتاح والديمقراطية النسبية). واعتلى المربي فاروق بابان المنصة قائلاً( أسم سرور ليس غريباً على أذني فمنذ الثمانينيات بزغ هذا الاسم مع الكثير من المبدعين الذين عجت بهم مدينة الثورة، أما مسألة الهبوط التي شهدها المجتمع فكانت بسبب حالة التشظي التي عاشها المجتمع نتيجة الحرب، وأجد أن الرقابة ليست هي الحل الأمثل بل الخروج بالأعمال الأدبية والفنون الراقية إلى الشارع لتنشيط حركة الوعي والثقافة وإنماء الرقابة الذاتية النابعة من ذات الفرد). في ختام الجلسة قلّد الأمين العام للاتحاد إبراهيم الخياط الفنان سرور ماجد بدرع الجواهري تكريماً له لمسيرته الفنية الحافلة. وتخلل الاحتفاء مقاطع غنائية بصوت س ماجد وهي من ألحانه أيضاً.
























