الروضان ثراء الإنجاز
يعد عبد عون الروضان من البارزين في كتابة القصة والرواية في العراق، وله كتب مترجمة عن الفرنسية، وكتب موجهة للاطفال.
وكعادة (الزمان) في الاحتفاء بالمبدعين وتخصيص ملفات عن نتاجاتهم وعن شخصياتهم وجدت ان عبد عون الروضان يستحق التعامل نفسه.
ويستحق ذلك ابداعياً واخلاقياً، ولتحقيق ذلك هيأت هاتين المادتين على امل نشرهما ضمن مراد اخرى في ملف خاص بهذا الكاتب الكبير، وكانت فكرة الملف قد طرحت عليه في حياته ولم تنفذ، ونأسف لعدم انجاز هذا الملف الا بعد رحيله اذ لم تصلنا المواد الكافية لذلك الامر الذي دفع الى نشر هاتي المادتين املين ان تقدما بعض الانطباعات والمعلومات عن هذا الكاتب، وعن انجازه وعن تأثيره في وسـط الثقافي العراقي.
رزاق ابراهيم حسن
إتحاد الأدباء يؤبن الروضان والسامرائي
هل يمكن أن يكون التأبين نقداً؟
الزمان
عندما تلقى في حفل تأبين الادباء المتوفين مقالات نقدية، وتكون مفتوحة للنقاش والردود فان ذلك يخرج هذه الحفلات من التأبين الى النقد، لان التأبين قد يقتصر على الكلمات الرثائية القصيرة، ويمكن ان يتسع للقصائد الرثائية، وقد شهد الاتحاد العام للادباء والكتاب حفلة تأبين بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاة الروائي والقاص والباحث عبد عون الروضان والشاعر دينار السامرائي حيث طرحت فيه اراء نقدية عن هذين الاديبين، الامر الذي يجعل التعامل النقدي مع الحفلة امرا مشروعا، فهل وفقت في الجمع بين عبد عون الروضان ودينار السامرائي وما الذي يجمع بينهما؟ ومع احترامي وتقديري للشاعر دينار السامرائي واستحقاقه لابد من ندوة تأبين في حياته وبعد وفاته فانه يختلف عن عبد عون الروضان فاذا كان عبد عون الروضان قد انتج العديد من الروايات والمجموعات القصصية وترجم بعض القصص والأبحاث ونثر كتبا عن العشائر والثقافة الأردنية فان السامرائي رغم كتابته الشعر طول عقود لم يصدر سوى مجموعة واحدة. وكان الروضان حاضرا في الوسط الثقافي في جميع مراحل مسيرته، ولكن السامرائي قليل الحضور وقد أتيح لي ان التعرف عليه بشكل خاطف في السبعينات في احد مقاهي ابي نؤاس بحضور الاديب حميد المطبعي، ويبدو لي ان الروضان اكبر سنا من السامرائي، ولكن الذي يجمع بينهما انهما عملا على انتاج ادب عراقي نضالي وانهما حاولا بكل جدية عدم الخوض في التوجهات الأدبية الانتهازية والنفعية، وقد عرفت من خلال حفلة التأبين ان السامرائي تعرض للاعتقال اكثر من مرة، وان له قصائد عن سجن نقرة السلمان. ولتعزيز اصالة وسمات ادب عبد عون الروضان ودينار السامرائي كنت أتمنى لو اقام الاتحاد حفلا تأبينا لكل واحد منهما، وان تلقى فيها مقالات عن مختلف نتاجات الروضان وهي كثيرة وان يحصل السامرائي على بعض استحقاقه من النقد والبحث، وان يلفت انتباه النقاد والدارسين الى مثل هذه المتطلبات، ذلك لان النقد في التأبين يجعل الرد عليه مشروعا ويمكن التعويض عن ذلك بجمع قصائد السامرائي واصدارها في كتاب تتم دراسته في ندوة مخصصة لذلك، وإقامة ندوات عن مجمل نتاجات عبد عون الروضان الذي يعد اديبا كبيرا ومثقفا موسوعيا، اذ ظل طالبا في معظم مراحل حياته، وقد درس اللغتين الإنكليزية والفرنسية وهو كبير السن وله مكانة في الحركة الثقافية. ان التأبين على قصره ومحدوديته كان مفعما وزاخرا بالعواطف والمشاعر الحزينة برحيل هذين الاديبين وكان يحمل في كلماته وملاحظاته النقدية تقديرا عاليا لهما، وما قدم من اسهامات في الثقافة العراقية، وفي هذا التأبين تحدث عدد من الادباء ومن مقدمتهم رئيس الاتحاد السابق الناقد فاضل ثامر الذي كان يعلن حزنه واسفه لفقدان هذين الاديبين المؤهلين لمزيد من الابداع لولا الموت الذي يلاحق الادباء، ويخاطف مواهب كان من الممكن ان تضيف ابداعات جديدة وتحدث بمرارة وحزن كبيرين عن فقدان الادباء: الروضان ودينار السامرائي ومحمد شاكر السبع ومحفزظ داود سلمان، حيث أوضح ان الروضان قدم اعمالا مدهشة في الرواية والقصة وكان إضافة الى ذلك قد مارس الترجمة الفرنسية والإنكليزية، كما دخل ميادين أخرى التأليف، حيث صدرت له موسوعات في العشائر العراقية وفي الثقافة الأردنية وقد اتسمت رواية (زائية الوجود) بأسلوب خاص، يكاد يكون متفردا في الجملة واختيار المفردات وهو أسلوب فيه شروع الى الصوفية ومحاولة الإفصاح عن طبقات متراكمة من الحزن والفقران، وكان دينار السامرائي لا يحبذ الإفصاح على مشاعريته، فقد ظل يكتب العديد من العقود دون ان تبادر الى اصدار مجموة شعرية. وتطرق فاضل ثامر الى مسقط رأس الروضان والسامرائي بانهما يشكلان صورة رائعة ومعبرة عن وحدة العراق وعن عمق في الثقافة وطابعها العراقي الإنساني ومما ذكره فاضل ثامر ان دينار السامرائي روى له ان صدام حسين طلب مقابلته وعندما ذهب اليه طلب منه ان يكتب شعرا له، وذلك ما حصل مرتين، حيث اهدى له صدام في كل مرة سيارة حديثة مستنتجا من ذلك ان صدام لم يكن مؤلف الروايات التي حملت اسمه، وانما كان يستعين بادباء لكتابتها مقابل مكافآت سخية، كما فعل مع دينار السامرائي. وشارك في التأبين الاديب مفيد الجزائري الذي اختار قصائد معينة من شعر دينار السامرائي وهو قصائد دالة على عمق وجودة شعر السامرائي وحبه للعراق وللانسانية وما يتسم به من شفافية ومن اختيار شعري عذب وعميق للمفردات وللجمل الشعرية به. وقد أضاءت القصائد التي اختارها الجزائري للحاضرين الكثير مما يطلب من شعر السامرائي اذ كان يجمع بين المعموري وشعر التفعيلة ويجمع بين التشاؤم والتفاؤل وبين العتمة والنور في لغة ذات عذوبة وذات شفافية عالية تجمع بين القديم والحديث وجاءني مقالة للناقد والقاص جاسم عاصي ان الروضان لم يترك بابا للابداع دون ان يطرقه، فقد امتلأت من ابداعه مساحات كثيرة، واخذت تشع بما زرع فيها من أشجار وحقول زاهية بالورود والزهور. وتحدث الناقد والشاعر علي فواز ملمحا الى ان الروضان لم يأخذ دور احد، وانما كان داعما لكل دور مثير الى ابداع معين الى موهبة قابلة للاستمرار والتفرد، والى خطوات يمكن ان تقطع الطريق الى الأفضل، وأشار الكواز الى محاولات ومبادرات لاستقلالية في ادب عبد عون الروضان، اذ كان يحرص على استقلاليته، وكتابة نتاجاته بمعزل عن السلطة وضغوطها ومطالبها وذلك ما ينعكس على سلوك الشاعر دينار السامرائي، فرغم وضعه البائس وانهماكه في الحرمان الا انه لم يكتب سوى قصائد تنتمي للنضال والفقراء وتنتمي للإنسانية وللحب وللكرامة والثقة بما هو عريق من النضال والانتصار. وقال لقد كان السامرائي مناضلا ثائرا ولذلك لم يكتب الكثير من الشعر، وكان من الشعر المعبر عن الذات وهموم الناس وما يعانون من حرمان ومن بؤس. وتطرق الى روايات عبد عون الروضان بانها عن الروايات البارزة في اسلوبها وفي مضمونها وانها روايات مستمدة من الواقع وذات انتساب ابداعي للواقعية التعبيرية، وانها ساهمت في البدايات الأولى لنهوض الرواية العراقية التي حققت قفزات نوعية نحو الأفضل والتي كشفت الكثير من الحقائق الواقعية، والتي أصبحت تعد اكثر كشفا للواقع من الوثائق والمدونات واكثر سلة بالذاكرة العراقية الحية، وما احتوى من تاريخ ومن مذكرات ومن كوارث. وقال الناقد والشاعر على الفواز: ان السامرائي رغم قلة ما كتبه من شعر فان شعره القليل يفصح عن موهبة كبيرة وعن قدرة على تحميل القصائد الكثير من المعاني والمعاناة والدلالات، وعلى تحميلها الكثير من هموم وتطلعات الفقراء والمناضلون والبناة. وقد القيت في الجلسة التأبينية العديد من المداخلات التي تتقدمها كلمة عائلة عبد عون الروضان التي عاشت معه مسيرته على امتدادها وبكل مراحلها، حيث تكون الاحزان كبيرة وتكون وطأة الفقدان شديدة امام ما ترك من كتب ومن مؤلفات ومن أوراق تحدق في عيون الأبناء والاخوات وتزداد حزنا والما مما هي عليه من فقدان. ان عبد عون الروضان الذي عاش مبدعا وقارئا مع افراد عائلته وكان يتابع ما يقدمون من ترجمات ومن اسهامات أدبية، والذي استطاع ان يرسم بصماته الأدبية والتربوية في عيونهم وعقولهم انما يكون بذلك قد مارس دوره في صنع عدد من الفضائل، ان يكون مبدعا في الرواية والقصة والتأليف وان يسهم في تفتح مواهب وثقافة أبنائه وان يكون على راس عائلته من الأبناء والاخوان الادباء والذين في طريقهم الى ممارسة الكتابة الأدبية كما عرف عن عبد عون الروضان انه لم يغضب أحدا، ولم يدخل في عداوة وسوء وخلاف غير ثقافي مع احد، ولم ينتسب الى اية جهة سياسية وكان يكتب ويصدر نتاجاته دون تبجيج وادعاء ومبالغة تاركا الحكم والرأي للقراء والنقاد ولم يسمع عن عبد عون الروضان انه طلب من احد ان يكتب عنه، وانه كان يكتب من اجل هذا وذاك، بل كان يهدي نتاجاته لمن يعرف من الادباء والنقاد دون ان يترتب على ذلك أي موقف سوى ادامة الصلة والصداقة والعلاقة الثقافية.. رحم الله عبد عون الروضان واسكنه فسيح جناته والهم ذويه وأصدقائه الصبر والسلوان.
























