العروبة في العراق ـ نصيف الجبوري
عندما قال لنا الفرنسيون إن ثقافتهم تعتمد على الحضارة المسيحية اليهودية حاججناهم قائلين إن هناك ثقافة اخرى تناسيتموها وركيزة اساسية ثالثة باتت فرنسا ترتكز عليها بعد التغيرات الديمغرافية العميقة بالمجتمع الفرنسي والتي تشكل العمود الفقري لاقتصادها. فقد اصبحت الحضارة الاسلامية اثر دخول جاليتها سوق العمل وتزايد العدد السكاني للمسلمين بالملايين سنة اثر اخرى عنصراً اساسياً يحسب له ألف حساب. وقف مع هذا الرأي الكثير من المنصفين الفرنسيين الذين يرون الواقع المعيش ولا يريدون ان يقفزوا عليه او يلغوه من مخيلتهم. فأضحى مسلمو فرنسا اليوم يتمتعون بحقوق لم يحلموا بالحصول عليها حتى لدى حكومات بعض البلدان الاسلامية من مساجد ومدارس خاصة وتوفر اللحم الحلال وحرية ممارسة الحرية الدينية والاحتفال بالاعياد وحق التظاهر وتشكيل احزاب ومشاركة في الانتخابات بل ترشيح الكثير منهم لقيادة قوائم انتخابية للبرلمان او المجالس البلدية. في العراق ايضا من حقنا ان نحاجج المسؤولين وصناع القرار وكاتبي الدستور والسياسيين الذين يقودون العملية السياسية ونقول لهم الا تكفي تجربة السنوات العشر الماضية بفشل مبدأ المكونات الذي اخترعتموه ظلما وعدوانا على هذا الشعب ولم يحصد منه سوى الحروب الطائفية بين السنة والشيعة والتوترات القومية بين العرب والاكراد. ألا يحق لنا ان نتساءل اليوم بعد الحصاد المر من ان تصنيف الشعب العراقي الى مكونات ثلاثة كان كارثة حقيقية ضد عموم العراقيين من جميع المقاييس. هل علمتم إذ التعمد في اضعاف العراقيين العرب قد أخل بالركائز التي بنيت عليها الدولة بعد الاحتلال. إذ كيف يستقيم التقسيم الطائفي مع التقسيم القومي المجتزأ حينما تم الالغاء القسري لمكون عربي كبير واصيل والاكتفاء بالمكون القومي الكردي. تحت أي منطق او قانون او شريعة قسم العراق الى ثلاثة مكونات وما هي الاسس التي بنيت واستندت إليها تلك البدعة. ان كان على اسس دينية فكان ينبغي ان تمثل المسلمين والمسيحيين والصابئة واليزيديين وان كان التقسيم على اسس مذهبية فينبغي ان تكون الشراكة بين السنة والشيعة والكلدان والاشوريين والارثودوكس والمندائيين وان شاؤوها قومية فليس هناك سوى القوميات الثلاث الكبرى العرب والاكراد والتركمان. الامر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فالهدف محو هوية العراق العربية من قبل الطبقات الحاكمة التي جاءت مع الاحتلال بحيث بات الحديث عن العرب والعروبة جريمة لا تغتفر وتلصق بصاحبها كلمات جاهزة صدامي قومجي بعثي إرهابي الخ. في حين يحق للكردي ان يصيح ليل نهار بأنه قومي كردي وهو فخور بذلك ومن حق الفارسي ان يفتخر بقوميته او التركي او الفرنسي والامريكي، اما العربي العراقي فعليه ان يقو أنا سني او شيعي. تلك اذن قسمة ضيزى كما يقول القرآن الكريم. من المفيد ان نعود لتاريخنا العربي الاسلامي المجمع عليه من قبل السنة والشيعة والعرب والاكراد والتركمان عندما نذكر موقف رسول الله من العرب وحبه اياهم وهو العربي القريشي الذي ينتمي لبني هاشم فقد قال يوما لسلمان الفارسي الصحابي الجليل ياسلمان أحب العرب لثلاث ان نبيك عربي وكتابك عربي ولغتك في الجنة عربية. لقد لخص لنا رسول الله مفردة من هو العربي عندما ألغى منها تماما علاقة الدم والعنصر ليجعلها انسانية، فيقول العربي هو من أحب العرب وتكلم لغتهم. وحذر العرب الذين يتفاخرون بالانساب والاعراق عندما قال لهم دعوها فإنها منتنة، دعوها فإنها جاهلية.
إن المثقفين العرب يعلمون علم اليقين أن العروبة التي تعلموها من الاسلام ورسول الاسلام العربي بعيدة كل البعد عن العنصرية والشيفونية والتعصب. فهذا رسول الله فضل اعجمي لا يحسن لفظ بعض الحروف العربية على عربي متعصب كان يستهزئ بذلك الاعجمي. فقد كان بلال الحبشي يلفظ حرف السين بدلا من حرف الشين فقال رسول الله لمن حوله عبارته المشهورة سين بلال خير من شينهم. ولا ننسى بأن رسول الله كان محاطا بصحابة ومستشارين مقربين كسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي مفضلا اياهم على سادة العرب وقادتهم. كما ان القرآن الكريم يقول يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو ان أكرمكم عند الله أتقاكم. ورسول الله يقول لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى والتقوى تتضمن اضافة الى الخوف من الله عمل الخير للناس. وهناك حديث نبوي يقول خير الناس من نفع الناس. فالعروبة منذ القدم لم ولن تكن عنصرية من حيث المبدأ ولا يمكن أن نأخذ النظام الصدامي البائد كدليل بحجة ان نظامه كان عنصريا او شينفونيا.
ان النظام البائد الذي كان يدعي القومية العربية زورا وبهتانا وجه الى هذه القومية ضربات قاتلة سمحت للاعداء من استبعادها بعد الاحتلال. في حين كان النظام الصدامي نفسه من اقسى اعدائها ودفع القوميون العرب اضعاف ما دفع غيرهم من الشهداء ابان عهده المظلم. هناك اذن ضرورة ملحة ان يتحرر القوميون العرب في العراق من عقدة الذنب وعقدة صدام حسين وحزبه القومي خصوصا بعد حصاد العشر سنوات التي اعقبت الاحتلال وما آلت إليه من فشل تلو فشل من قبل الاحزاب ذات التيارات الاخرى التي قادت العملية السياسية والتي عجزت من توفير الحد الادنى من الحياة الحرة الكريمة لشعبنا العراقي.
ان ابعاد المكون العربي الانساني في العراق التي شرحنا مفاهيمه توا والذي يشكل اكثر من 80 بالمائة قد جعل من العراق بلدا غريبا وعجيبا على هذه الارض فلأول مرة نرى بلدا ليس له طعم ولا رائحة ولا لون ولا هوية بل نرى في سابقة اولى بلدا تلغي هويته العربية ويستحي منها بعض الناطقين بها ويخاف التصريح بانتمائه اليها. ولولا جهود بعض المخلصين الذين ضحوا بالغالي والنفيس لاعادة العراق الى حاضنته العربية لسقط العراق في مهاوي الردى.
من جهة اخرى فإن العربية ليست لغة مخاطبة بين الناس انما ثقافة وحضارة راسخة في القدم تشتمل الفن بكل انواعه فلا تكتمل ثقافة المشرقي دون ان يقرأ الشعر العربي والقصص والحكمة والادب ويسمع الاغاني والموسيقى ويتعلم علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء اضافة الى العلوم الدينية والادبية والانسانية الاخرى. لنفتخر بتيارنا كما يفتخر الاخرون بتياراتهم الفكرية من اكراد وتركمان وفرس ومن يمينيين ويساريين وليبراليين ومن مسلمين ومسيحيين ويهود، ونبني عراقا جديدا يساهم ببنائه كل ابنائه دون تمييز. نحن فقط في العراق من رضى بتحجيم تاريخه العربي ولم يعطه حقه كبقية الشعوب. ففي فرنسا مثلا لا تمنح الجنسية الفرنسية الا لمن يتقن اللغة الفرنسية وتاريخها وادبها ونفس الشيء في البلدان الاخرى التي تحترم نفسها وشعبها وحضارتها. لعل تجربة الستين سنة الماضية قد علمت التيار القومي العربي في العراق دروسا بليغة ومهمة لعل اهمها ان القوميين العرب لا يتقاطعون مع القوميين الاكراد او التركمان بل يتكاملون معهم لبناء وطنهم وان تنوع ثقافتهم ولغاتهم مصدر قوة وإثراء لوطنهم وليس العكس. لقد استفادت بعض التيارات من هذه التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية وعبرت عن أرائها بصورة علنية ووثقت علاقاتها مع القوميات الاخرى بروابط اخوية وواجهت وحاربت مع غيرها النظام الدكتاتوري السابق منذ توليه السلطة. وتحاول المساهمة في بناء وطن يحتضن الشعب بجميع قومياته فالكل مواطنون متساوون بالحقوق والواجبات. ليس امامنا اليوم بعد ان بدأ العراقيون يفتقدون البدر العروبة بعد الظلام الدامس سوى توحيد صفوف التيار القومي بخطاب واضح لا يلغي الآخر ويرتبط معه ضمن مبادئ اهمها العمل على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية. ولما كان هذا التيار قد ولد من رحم هذا الوطن فهو لا يعادي الاديان السماوية ويمد يده لمن يتفق معه لتطبيق هذه الاهداف من الاسلاميين واليساريين والليبراليين والعلمانيين. على التيار القومي العربي ان يعود بقوة لتصحيح العملية السياسية ويوحد صفوفه لان الوطن يناديه وبحاجة اليه وعلى التيارات الاخرى ان تدلي بدلوها وتتفاعل لبناء عراق خالٍ من المحاصصة الطائفية والعرقية فجميع العراقيين يصيحون بأعلى اصواتهم لقد بلغ السيل الزبى.
كاتب وباحث
AZP07
























