الجنس في رواية تداخل الحواس

الجنس في رواية تداخل الحواس

 ميزان الأخلاق وحاجات الجسد

وجدان عبدالعزيز

الكاتب اياد خضير حاول بجد ، ويحاول ان يرصد حركة الثقافة ، ويتخذ مركبا خاصا به ، وقد يبقى يحاول ، فالانسان المثقف يتحلى بالصبر والأناة ، كي يصل الى مبتغاه ، وها هو في مركب السرد ، ينتج لنا رواية قصيرة ، اسماها (تداخل الحواس) ، فلماذا تداخل الحواس ، الامر يبدو عابرا ، الا انه يترك بحثا ما في ذهن المتلقي ، ما بين متن الرواية وبين عنونتها ، فالحواس هي اساليب الإدراك لدى الكائنات الحية، فهي تعمل لمساعدتها في التعرف على الأشياء وتصنيفها لإدراك اهميتها. وتتداخل المفاهيم للحواس من الناحية النظرية في مجالات البحث والدراسة ، ولا سيما علم الأعصاب، علم النفس الإدراكي (المعرفي أو السلوكي)، وفلسفة الإدراك. فلكل مجال مفاهيم مختلفة للحواس. الا ان هناك تعريفا واحدا لحالة الحواس الخارجية(خارجي الاستقبال) كلية الشعور ، هو الذي ينظر إلى المحفزات الخارجية للإحساس. فالحواس الخمس التقليدية ، هي البصر والسمع والشم والتذوق واللمس ، ويعود هذا التصنيف إلى زمن أرسطو. ولكن هناك قناعة اخرى ، فالبشر لديهم ما لا يقل عن ستة أحساسيس إضافية (مجموعها أحد عشر بما فيها احاسيس مشاعرهم الداخلية) كمشاعر الالم ، التوازن ، ادراك الحركة (الشعور بتسارع الأشياء) الشعور بالوقت؛الشعور بالإتجاه(القدرة على إدراك التحول في المجال المغناطيسي). وكتعريف مقبول على نطاق واسع لمصطلح الحواس هو “النظام الذي يتكون من مجموعة الخلايا الحسية التي تستجيب لأنواع محددة من الظواهر المادية، وهذا يتطابق مع مجموعة معينة من المناطق داخل المخ القادرة على استقبال تلك المؤثرات وتفسيرها لإدراك معين “. وحين يحدث تزامن بين أن ترى مقطوعة لموزارت وتسمع لوحة ، وتتذوق الرباعيات الأربع لإليوت، لا تساورك الشكوك، لا يوجد خطأ فيما قرأت، ربما سماع اللون ورؤية الموسيقى وتذوق الكلمات ، هي حالة من تقدير الأشياء بحاستين أو أكثر في نفس الوقت، ناتجة عن تداخل إشارات في الدماغ بشكل عرضي، وهي ظاهرة تدعى تداخل الحواس، حالة لا تحدث إلا لأربعة أشخاص من بين كل 100 شخص، وللسيدات أكثر من الرجال، وللفنانين أكثر من غيرهم. وعند إجراء الأطباء لعمليات مسح دماغي على بعض الأشخاص تبين حدوث نشاط بصري بعد سماعهم بعض الأصوات. فأحالني هذا الامر الى متن رواية (تداخل الحواس) ،الذي تربعت عليه حكاية العلاقة الزوجية بين محسن عبداللطيف وبين هدية بنت حسنة شخصيات الرواية الرئيسية ، والتي ساءت بينهما بعد الحادث للزوج ، حيث افقده فحولته على اثرها ، وهنا علاقة الزواج تفقد بريقها ، وتبدأ بالتنازل من حب جارف وقوي الى تهالك وضعف هذه العلاقة ، حيث بدأت الزوجة بالابتعاد عنه ، واخر المطاف طلبت منه الطلاق .. وهكذا يبدأ الصراع بابعاده النفسية والاجتماعية لكلا الزوجين .. فالزوج كما هي حالته النفسية بقي متمسكا بها كزوجة ، ويبدو لا فرار من هذا ، مقابل هي كانت تحاصرها رغبات الجسد اللاسعة ، فكيف والحالة هذه .. من منطلقات صراعات نفسية ، تحولت قضية تداخل الحواس بين احلام واشياء غير مرئية ، الى اشياء مرئية ، وكما يبدو فان مسارات الحال والعلاقة بينهما ، بدأت تتفكك وبدى الحب محكوما بالعلاقة الجسدية واشباعها بالنسبة للزوجة ، ولهذا اخذت اغواء الرجال الثلاثة الساكنين بشقة اسفل شقتها ، حتى وقعت فريسة الجسد في احضانهم الثلاثة ، (وصلت علاقتها بزوجها الى طريق مسدود ، الخلاف معه اخذ يتفاقم مع مرور الايام .. يتباعد شيئا فشيئا ، تدخل غرفتها وتغلق الباب عليها .. تسرب القلق الى صدره ، شعوره كان في محله ، الفرصة صارت بيدها ، شعر ثمة خيطا مقطوعا بين القلب والعقل .. خيطا كضوء الشمس لاتمسكه اليد .. بقي منعزلا مع افكاره والصور المشوشة التي يشاهدها ، حاول ان يطرد الوسواس ، يتذكر ايام زواجهما ، لكن دون جدوى . ارادت الخلاص منه ، لفقت تهمة بأنه شتم حاكم البلاد) ، ما قالته الرواية ، وهكذا تصاعد الصراع بينهما ، حتى تخلصت منه واودعته السجن ، وخلا لها المكان لتمارس اشباع رغبات جسدها مع الرجال الثلاث .. الكاتب اياد خضير نجح في العنونة ، وجر كل الاحداث الاخرى ، وادخلها في بودقة تداخل الحواس سواء ما حدث للزوج وتخيلاته التي بقيت عالقة بذهنه يجترها دوما ، والزوجة التي تحللت من اخلاقها واصبحت مبولة للرجال الثلاثة، لتريح جسدها من رغباته الجنسية التي تحولت الى كره شديد لزوجها الفاقد لفحولته ، ذالك الرجل الرقيق الذكي ، رغم انه فقدها دون ارادة منه بحادث سيارة .. ولاشك فان الرواية تزدحم بالاحداث والصراعات العاطفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتداخلة ، وتحتاج الى تحليلات كثيرة ، لاتستطيع هذه العجالة الالمام بها كاملة ، وكان ابرزها سماع اخو محسن عبداللطيف انه زوجة اخيه حامل ، فاخبر محسن ، الذي نزل عليه الخبر كالصاعقة وزاده صراعا اخرا وتساؤلات من أي رجل حملت ، فهو فاقد لفحولته ولم يضاجعها منذ فترة طويلة ، وهكذا تتوالى الاحداث والصراعات ، حتى يتحول محسن عبداللطيف المصلح في نظره ، والمجرم في نظر القانون ، هو وسمير ابن هدية المنسوب الى ابوة محسن الى مجرمين ، لكن الكاتب حاول ايضا التمويه والمخاتلة ، لابعاد محسن عن شبه الاجرام الحادث بالمدينة ، الا ان طبيعة الاحداث تؤكد وتشير الى انه ضليع بها ، فالرواية تقول : (وضعوا الحبال على اعناقهم وغطوا رؤوسهم بالاكيـــاس السوداء ونفذوا الحكم ، وظلت اجسادهم تتأرجح مع استياء بعض الناس وفرح البعض منهم .. بعد يومين من اعدامهم شاهد الناس جثة مرمية على جانب الطريق ، لامرأة كانوا يعرفونها سيئة الاخلاق .. ظل الخوف معشعشا في قلوب اهل المدينة ….) ، هذا جعل المتلقي يبحث عن براءة محسن وسمير ، لكن كل القرائن تؤكد افعالهم ، ويبدو ان الرواية اخذت مناحي التداخل في الحواس والاحداث والصراعات ، فهي حافلة بالكثير وفيها حالات رفــــــض عديدة ..

ــ رواية (تداخل الحواس) أياد خضير /دار الجواهري للنشر والتوزيع/الطبعة الاولى 2015