عبدالرحيم يجمع بين التوثيق والذكريات
إشكالية الحكم الثنائي
حمدي العطار
سادت فترة الخمسينات ابان قيام الثورات والانقلابات العسكرية ضد الحكم الملكي في بعض الدول العربية (مصر ، العراق، الجزائر، ليبيا) اسلوب القيادة الثنائية ، فكان في مصر (محمد نجيب وجمال عبد الناصر) وفي الجزائر (احمد بن بله وهواري بومدين) وفي ليبيا (معمر القذافي وعبدالسلام جلود) وفي العراق (عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف) ولا يغيب عن بالنا ثنائية الحكم وتداول السلطة بين (البكر وصدام) وفي جميع الحالات بأسثناء (ليبيا) استطاع الرجل الثاني أن يزيح الرجل الاول من السلطة ليكون هو بدلا عنه !
ومضات تاريخية بعناوين موحية
أستطاع الكاتب معاذ عبد الرحيم في كتابه الصادر من دار الجواهري سنة 2016 ،ان يضع ذكرياته الشخصية لمرحلة تاريخية اشكالية يختلف عليها لحد الان وضع اطار تقيمي لها ، ففي كتابه (أوراق من ذكرياتي – ثورة 14 تموز وخلاف عبد السلام عارف مع عبد الكريم قاسم) والذي يقع في 178 صفحة من الحجم المتوسط قدم الكاتب ذكرياته السياسية والصحفية عن الفترة التي سبقت ثورة 14 تموز 1958 وكيف انه تعرض الى المطاردة من قبل الشرطة في ليلة الثورة! وبمرور سريع على رؤية نوري السعيد وثقته بصلابة الحكم الملكي (دار السيد مأمونة) وعن الضرورة السياسية لأنبثاق (جبهة الاتحاد الوطني) سنة 1957 ، والمحاولات الانقلابية التي سبقت ثورة تموز 1958 ،تعد تمهيدا للوصول الى تشخيص ما يطلق عليه الكاتب (التنافس على السلطة) بين قاسم وعارف حيث هو لا يعده (خلافا مبدأيا) ولا (خلافا عقائديا) بل هو “في الواقع نزاعا شخصيا (على الكرسي الأول للحكم) و(دفعهما هذا التنافس التنازعي الى أن يرهن عبد الكريم قاسم سياسته بيد الشيوعيين ، بينما أجبرت هرج رياح السياسة آنذاك عبد السلام عارف على الاصطفاف مع البعثيين والقوميين).
سردية عبدالرحيم بين التوثيق والانطباعات الفنية
حرص الكاتب للتوقف على تفاصيل تاريخية اعتقد بأنها مهمة وخطيرة اولا لأنها تلقي الضوء على بعض الحقائق والاحداث وثانيا لأنه كان طرفا فيها ،لذلك لم يكتفي بعرضها بل بتحليلها لبيان رؤيته الفكرية والتي لا تغيب عن القارئ والكاتب عبر في الكثيرمن تلك الاحداث عن فكره القومي وتعاطفه مع عارف على حساب قاسم! اما حينما يتكلم عن علاقة عارف بعبد الناصر فيكون الميل لعبد الناصر على حساب عارف! اما اسلوبه في الكتابة فكنت اجد فيه قلم (المؤرخ) حينما يتكلم عن الشخصيتين قاسم وعارف والرجال المحيطين بهم والمؤثرين بالاحداث ،وخيال (السارد) !حينما يسترجع ذكرياته النضالية في اكثر من موقع كونه صحفي ،وله تنظيم سياسي ، ومسؤول حزبي، ورفاق ،بالاضافة الى عمله كصحفي محترف.
أشكالية علاقة قاسم بالشيوعيين
يوضح الكاتب بأن “قوة قاسم مبعثها وتزايدها ، كانا نتاج تأييد الشوعيين له والتفافهم حوله،ودفاعهم عن سياساته ومواقفه المعلنة بصرف النظر عن اختلافها أو اتفاقها – سترتيجيا – مع نهجهم ومنطلقاتهم الفكرية والسياسية،لقد عدوا مرحلتهم تلك من قبيل (التكيك السياسي) لأحتواء زعيم الثورة تماما كما فعل الشيوعيون الكوبيون مع كاسترو! ويبدو لي ان ثورة العراق كانت قبل ثورة كوبا التي حدثت سنة 1959 ولم يصبح كاسترو شيوعيا الا سنة 1960 ،لكن يمكن القول ان الشيوعيون كمبدأ لا يؤمنون بالانقلاب على زعيم وطني ودفعوا ثمن ذلك في اكثر من مكان (شيلي – سلفادور الليندي،) وقد يصح قول الكاتب في مجال (الخداع) الذي وقع فيه الحزب الشيوعي حينما تصور بأن (صدام) سيكون مثل (كاسترو) بعد التحالف بين البعث والشبوعيين.
معلومات واراء جديدة
حاول الكاتب ان يطرح اراء جديدة لدحض قناعات اصبحت راسخة في الذاكرة الجمعية للشعب العراقي ، ففي عنوان (أيهما اكثر حقدا على رجالات العهد الملكي) يقارن الكاتب بين قاسم وعارف ويدحض معلومة ان سبب اعدام رجالات العهد الملكي يعود الى عارف فكانت الوثائق تشير بأن لو لا عارف لما تم اعدام (سعيد قزاز) وزير الداخية، و(بهجت العطية) مدير الامن العام، و(جبار فهمي) محافظ بغداد، لكن الكاتب بأن الموافقة والمصادقة على اعدام هؤلاء كانت بتوقيع عبد الكريم قاسم، كما يسرد لنا الكاتب ذكرياته الشخصية مع عبد السلام عارف وموقفه من القومية العربية ومن عبد الناصر التي يشاع بأنها السبب الرئيسي لتعميق الخلاف بين قاسم وعارف ، يأتي الكاتب ويكشف معلومة مؤكدة تثير العجب حيث يقول (لم تعد الوحدة هدفا من أهداف (عارف) بل ستتحول الى مشروع سياسي سيستخدمه للتغلب على خصمه (قاسم) من جهة، وجذب التيار الوحدوي اليه وكسب تأييد القوى القومية والضباط الاحرار الى جانبه) وبينما كان عارف يخطب بجماهير المحافظات التي يزورها بمشروع القومية العربية، كان قاسم يتبنى موقف الحزب الشيوعي العراقي ومشروع عامر عبد الله (الاتحاد الفدرالي) ليرفع من ثم شعار الجمهورية الخالدة.ويعود الكاتب ليزعزع قناعة المتابع والقارئ بجدية عارف تجاه مشروع الوحدة والقومية ،ليروي لنا من ذكرياته وهو يرافق عارف في سنة 1964 للسفر الى مؤتمر القمة العربي في القاهرة ، وكانت فرصة للكاتب وسبق صحفي ان يجري لقاءا مع عبد الناصر وعمل المستحيل من اجل ترتيب هذا اللقاء (التاريخي) وفعلا حصلت الموافقة ،لكن الرائد (عبد الله مجيد) مرافق عارف بعد ابلاغ الرئيس بخبر المقابلة مع عبد الناصر اتصل بالكاتب وابلغه موقف عارف (أنفعل وهو لا يسمح لك بالمقابلة) ويستنتج الكاتب فيما بعد بان (عارف) لم تتغير مشاعره تجاه الوحدة العربية ،حسب، وانما تجاه (عبد الناصر) ايضا ، فلم يعد ينظر عارف الى عبد الناصر كرائد من رواد القومية العربية، وآخا أكبر كما كان يلقبه، بل صار ينظر اليه على أنه زعيم ينافسه على النفوذ والزعامة – بعد غياب المنافس القديم قاسم!
الدقة في صياغة الوثيقة التاريخية
تحتاج الوثيقة التاريخية الى الدقة والوضوح ، فالبرغم من أن الكاتب يقدم في كتابه هذا كمؤرخ للمرحلة التي يتحدث عنها ، ويضع بين ايدينا في اكثر من مناسبة وثيقة على درجة عالية من الدقة ، الا انه لأسباب نجهلها احيانا نرى بعض الاحداث يلفها الغموض وتفتقر الى التوثيق الدقيق ، مثلا في عناوين (هكذا كانت البداية) و(حين أخذ ناقوس الخطر يدق) و(موقف طريف جدا) و(حين ضاع الحلم) كل هذه يتحدث فيها الكاتب عن اكتشافه شخصيا لوجود مؤامرة ضد ثورة 14 تموز تخطط لها احد السفارات الاجنبية في بغداد ، يتعاون الكاتب ويكشف خيوط المؤامرة الى (عبد السلام عارف) يثني عليه وعلى وطنيته قائلا له – سيدخل اسمك التاريخ لو كانت هناك مؤامرة حقا- ،ويوكل متابعة الموضوع الى مدير الامن العام (العقيد عبد المجيد)وبالرغم من التطورات التي يذكرها الكاتب ، الا انه لا يذكر تاريخ محدد لهذه الحادثة ، كما يستخدم صفة (صاحبي وصديقي) عن الشخص الذي ابلغه بالمؤامرة ولم يذكر اسم السفارة التي كانت تخطط للمؤامرة! وبذلك تفقد الوثيقة التاريخية جديتها ويصعب تقيمها!
*عند قراءة كتاب معاذ عبد الرحيم ، ستجد نفسك تعيش تلك المرحلة التاريخية التي لم يبقى اثرها محصورا بحقبة زمنية محددة بل امتد الى يومنا هذا ، وفق الكاتب بجعل اسلوبه ممتعا من خلال دمج المعلومات بسردية الذكريات وبأسلوب مشوق.
























