الجمالية في حافات الحلم
نصوص قصصية ذات واقعية
يوسف عبود جويعد
إنّ النصوص القصصية التي نسجتها أنامل القاصة إيناس البدران في مجموعتها (حافات الحلم)، والتفاعل بين الوعي العالي كخزين معرفي ينعكس على البنية النصية، والحسّ المرهف الذي طغى عليها، وإلمامها التام بفن صناعة القصة القصير والقصيرة جداً، وحتى الومضة جعلها تقدم نمطاً من أنماط السرد، ينتمي إلى الواقعية الجمالية كما يشار إلى ذلك في مفهومها ( أن الواقعية الجمالية تقوم على ثلاثة أسس هي: إنّ أكبر رغبات الإنسان وأعمقها تتمثل في أن يحب العالم بصدق، وأن الطريقة الوحيدة لأن يحب العالم هي أن يرى العالم كوحدة جمالية للأضداد، وأن أكبر خطر يواجه الإنسان هو أن يدعي لنفسه أهمية زائفة أو يبني مجداً زائفاً من خلال الانتقاص من شأن الأشياء وهو ما يقود إلى الازدراء الذي يقود بدوره إلى جعل الناس يشعرون بأنهم هم وفنهم مختلفون، وبصورة جوهرية ، عن الناس الآخرين. يقول إيلي سيجيل إن الواقع يتغير وطبقاً للواقعية الجمالية فإن ما لا يتغير من مظاهر الواقع هو المطلق ) (1)
وهكذا فأن النصوص القصصية التي ضمتها هذه المجموعة، اعتبرت الجمال قاعدة أساسية وثابتة ومطلقة ولا تتغير، وجعلت المتغيرات في بنية تلك النصوص حالة نسبية زائلة، كونها تعالج حالات انحرفت عن مسار الجمال وشوهت معالمه وتقوم القاصة إيناس البدران بكشفها ومعالجتها فنياً ضمن إطارها الصحيح وسياقها الفني، موظّفة هذا المفهوم ليكسو ملامح النص، مع التزامها المتقن في ملاحقة النص القصصي، ومتابعته واستحضار الأدوات الأساسية التي تساهم إسهاما فاعلاً في توصيل الرؤية النصية لوحدة الموضوع، وفضائه، ومساحته، لكي يستطيع المتلقي أن يكون داخل المبنى السردي دون أن يشعر بأنه ما يعيق ذلك، كون اللحظة أو الحدث أو الحكاية لا تقدم مجردة، دون أن يكون هنالك تعامل فنّي يظهر فيه الجهد والوعي المعرفي، كوننا نراه بأكثر من رؤية فنية، واقعية الحدث، الحسّ الفني، الوعي المعرفي، اللغة السردية التي تنسجم والحالة المتناولة، موقف السارد من الحدث رافضاً أو راغباً وهذا لا نراه خارجاً يطفو فوق سطح الحدث، إنّما يكون مضمراً يظهر خلف سطور النص، كما إنّه، أي النص لا يخلو من اللمسات السحرية الرقيقة، وصوت المرأة الذي يجتاح المسار السردي، ونجد أيضا التنوع في التناول للثيمة التي بدورها تعطي الدلالة الواضحة لشكل ومضمون النص، كما نلاحظ أن الزمان والمكان افتراضي، إذ لا يلوح أمامنا بشكل مباشر، إنما نستشفه من خلال حركة السرد، وقد اهتمت ببنية العنونة بشكل واعي حتى أضحى حزءاً من البنية النصية ومكملاً لها ومفسراً لثيمتها، أمّا بنية الشخوص فهي افتراضية أيضا، كوننا سوف نشكل ملامحها وفق سياقها الفني داخل النص، وتتوضح تلك الرؤية أي الواقعية الجمالية بشكل جلي، كون ما نراه ظاهراً هي حالات نسبية متغيرة تزول، أمّا ما هو مضمر حالة الجمال كقاعدة ثابتة مطلقة ، وهذا ما يتضح في قصة ( إبهام !!)كون الأحداث التي تظهر للعيان هي الحياة المزيفة التي نحسّ بزوالها ( لم تعلم أن الدنيا تعّج بهم حتى دخلت معترك الحياة..السرقة عندهم بزنس وشطارة وتخصصات!!.. هناك من يسرق الكحل من العين، وهناك من يسرق الأحلام.. أو النقود.. أو طمأنينة الأنفس..أو يسرق الأيام، لتصرخ في النهاية كالملسوع: لقد سرقت يا ناس. وهم ليسوا كهذا الشحاذ البائس الذي يثير اشمئزازا ويستدرّ عطفك لتنفحه بالفتات خلاصاً من لزوجته. هم في الغالب محترفون قلما تطالهم يد القانون لأنّهم يلعبون خارجه أو فوقه أو به ومن خلال ثغراته دون أن يتركوا أثرا، وعند إحساسهم بالخطر يحتفون.) ص 27، وهكذا يتضح لنا معالم الجمال في الحياة التي تركناها مضمرة خلف الأحداث، وتظهر الحياة المزيفة النسبية الزائلة ضمن المبنى لسردي للنص، مما يجعلنا نحس بحاجتنا لتلك الحياة الأصيلة، وتتضح تلك الرؤيا أكثر في قصة ( الجدار)حيث نعيش في كنف أجواء السجن، وقيود الحرية، لا شيء سوى الجدار ( ثلاثة خطوات هي المسموح له بها جيئة وذهابا اعتاد أن يقطعها بحماس في البداية اعتبر ذلك نوعاُ من ( الإحماء) الذي يمكنه من إعداد نفسه (للمارثون ) الكبير، كان ذلك قبل أن يدرك أن كل ما يجري ما هو إلا استنزاف للطاقة بلا طائل وانه قد قضى العمر سجيناً لأوهام مفادها أن المرايا تعكس حقيقة الأشياء وان الحصى يمكن أن يستبدل بحصى .. ) ص43، ولأن هذا العالم المزيف النسبي الذي حتماً سيزول يحمل نبع من الحكايات تنتمي إليه، وأن السجن لا يعني فقط أن نكون بين أربعة جدران، فهناك سجون مختلفة، مثل السجن الذي يكمن داخل الروح لرفض العالم الذي لا نحب إن نعيشه، وهناك سجن لحياة فرضت علينا ونحن لا نريدها، وغيرها الكثير، وفي قصة ( الليلة الأولى بعد الألف) والتي استمدت فكرتها ونسجت خيوطها من حكايات ألف ليلة وليلة، وقد نسجت خيوطها بذات السياق الذي عشناها في تلك الحكايات، وهو سجن آخر، وعالم مزيف آخر لا ينتمي للجمال الذي ظل مضمراً ولكنّنا نراه ونحسه (الحياة محفة انتظارنا، مرورنا فيها تزجية للوقت، جدرانها أقفاص تتناسل تنعي بحبر الريح حياة لم تعاش. تدور رحى الأيام فينا مخلفة شواهد لدوائر مقطوعة الأنفاس، البدايات فيها منتهى في مدن تلثمها ذاكرة النيران. ولأنّي أدركت أن بعض الرجال لا يفزعهم شيء قدر الحقيقة وإنّهم فضلوا ذهب الصمت على فضة الكلام، لذت بصمتي طويلاً.. حتى بات كابوساً يحاصرني بفزع الخوف المزروع أشواكا بين أضلعي ) ص 57، بعدها ننتقل مع النص إلى حيث أجواء حكايات ألف ليلة وليلة حيث شهريار وشهرزاد ومسرور ومتعة ذلك العالم، أمّا قصة (غثيان) فأنها لم تترك هذا المنحى، إلا إنها تناولت حالة تمتزج فيها الغرابة، كون هذا الغثيان الذي أصاب بطلة النص، لم ينتج عن مرض عضوي، إنما هو ناتج عن سوء وقساوة الحياة، أشياء كثيرة في حياتها تصيبها بهذا الغثيان ( تذكر أول مرة انتابها فيه كان ذلك حين تركها والدها بمفردها عند البوابة الحديدية صباح ذلك اليوم الخريفي، يومها ظلّت عيناها تتابعانه وهو يبتعد لتضيع معه بذرة أمان كانت ترقد متململة في سويداء القلب. بعدها كابدت أياما لا تدري عددها وهي تقضم الخوف مع قرص السميط الناشف لتزدرده مالحاً ممزوجاً بالدمع. ويوم حملتها الفراشة وهي شبه جثة لتسلمها إلى والدها كمن يسلم عهدة يروم التخلص من مسؤوليتها ) ص 110
حملت المجموعة القصصية (حافات الحلم) نصوص قصصية قصيرة تقدم لنا الواقعية الجمالية التي بقيت مضمرة خلف المبنى السردي والثيمة والشكل والمضمون والشخوص، وكذلك تضمنت هذه المجموعة قصص قصيرة جداً لا تقل أهمية عن سابقاتها، وتضمّنت أيضاً الومضة القصصية. إنّها رحلة ممتعة عبر نصوص قصصية ناضجة، امتزج جمال الواقع، والواقع المزيف بفن صناعة القصة الأصيل .
























