الأطروحة الأمازيغية في المغرب

الأطروحة الأمازيغية في المغرب
إدريس جنداري
منذ تأسيس الدولة المغربية، علي يد إدريس الأول، بدأت المعالم الأولي للهوية السياسية والاجتماعية المغربية تتشكل، فعلي خلاف ما روجته بعض الأقلام الاستعمارية، من استعمار العرب لشمال إفريقيا ومنها المغرب يؤكد التاريخ أن الشراكة التي قامت بين العرب والأمازيغ، هي التي ساهمت بشكل حاسم في تأسيس الدولة المغربية.
فعندما دخل إدريس الأول إلي بلاد المغرب، لم تكن ترافقه جيوش جرارة، علي شاكلة جيوش الاستعمار الفرنسي والإسباني خلال مرحلة القرن التاسع عشر، ولم يرتكب مجازر في حق الشيوخ والأطفال والنساء، ولم يستنزف خيرات البلاد ويصدرها إلي الشرق… لقد دخل مؤسس الدولة المغربية حاملا معه رأسمالا رمزيا ثمينا، صقلته المعرفة والتجربة، واستثمره في بناء دولة مركزية قوية وممتدة، حققت التوازن المفقود، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، لقرون. وهكذا، تأسست الدولة المغربية، منذ البداية، في شراكة بين الأمازيغ والعرب، وهي شراكة ترجمتها العلاقة السياسية، التي جمعت زعيم قبيلة أوربة »إسحاق بن عبد الحميد الأوربي« بإدريس الأول، لتتجاوز بعد ذلك، العلاقة السياسية إلي علاقة عائلية، عبر زواج إدريس الأول من السيدة كنزة ابنة الزعيم الأوربي، لينجب منها ابنه »إدريس الثاني« الذي واصل النضال، من أجل بناء دولة مغربية مهابة الجانب، في منطقة كان الرومان يصولون ويجولون فيها بلا رقيب. لقد اختلطت الدماء العربية بالدماء الأمازيغية، منذ البدايات الأولي لنشأة الدولة المغربية، وكان زعيم الدولة الإدريسية، عربيا من جهة الأب وأمازيغيا من جهة الأم.
وابتداء من هذا التاريخ، تشكلت الشراكة العربية الامازيغية، علي أسس قوية ومتينة، استطاعت الصمود في وجه التحديات الدولية، لقرون، واستطاعت تأسيس إمبراطوريات، ساهمت بشكل حاسم في تحقيق التوازن والسلم في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وعلي امتداد قرون من تعاقب الأنظمة الحاكمة، لم يكن الطابع العرقي أساسا للحكم أو المعارضة.
فقد تقلدت أسر امازيغية، الحكم في فترات متعددة من التاريخ السياسي للمغرب »المرابطون، الموحدون، المرينيون، الوطاسيون«، ولا ينقل إلينا التاريخ أن هذه الدول، كانت تنفد سياسة بربرية، كتلك التي أسس لها الاستعمار الفرنسي، بل كانت دول تعتز بهويتها المغربية، التي تشكلت عبر انصهار عرقي وثقافي واجتماعي ديني… جمع العرب بالأمازيغ. وفي المقابل حكمت المغرب أسر عربية »الأدارسة، السعديون، العلويون«، وكذلك لا ينقل إلينا التاريخ أن هذه الدول، كانت تنفد سياسة تبعية للمشرق، ونحن نعلم أن السلاطين المغاربة، علي مر تاريخ الدولة المغربية، دافعوا عن استقلالية المغرب وخصوصيته، سواء في علاقته بالخلافة العباسية، أو في علاقته بالخلافة العثمانية. إن ما يهمنا من عبر التاريخ، هي قيمتها الرمزية الغنية بالدلالات، والإنسان كائن رمزي بطبعه، يتخيل الأشياء قبل ممارستها، وعبر هذه القدرة علي التخيل، قامت حضارات وسقطت أخري، والمغاربة عبر التاريخ استثمروا هذه القيم الرمزية، لبناء دولة متماسكة وقوية، لم تتسرب إليها فيروسات التشتت والبلقنة، علي امتداد قرون طويلة.
لمشروع الاستعماري
في المغرب: المختبر والمدفع
في خدمة البلقنة والتقسيم
كانت بداية اختراق التماسك السياسي والاجتماعي للمغرب، مع دخوله ضمن الحسابات الاستعمارية خلال مرحلة القرن التاسع عشر، وكان أول ما استهدفه الاستعمار، هو تلك الوحدة والتماسك بين العرب والأمازيغ، والتي تشكلت تاريخيا وحافظت علي وحدة واستقلال المغرب، في مواجهة التحديات الدولية الكبري.
وقد كان المدخل الأساسي لبسط الهيمنة الاستعمارية علي المغرب، هو محاولة زعزعة مقومات هذه الوحدة، عبر زرع بذور الشقاق بين العرب والأمازيغ، وذلك بناء علي مخططات استعمارية، تم التركيز فيها علي فهم وتحليل البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي، اعتمادا علي دراسات سوسيولوجية واثنوغرافية، كان الغرض منها، محاولة اختراق البنية، لزرع فيروسات استعمارية، تحول الجسد المعافي والمتماسك إلي جسد عليل متهالك.
ولعل ذلك هو ما جسدته السوسيولوجيا الكولونيالية، كتخصص ارتبط بالمخططات الاستعمارية، واستفاد كثيرا من الدراسات الاستشراقية، التي حاولت في وقت مبكر، فهم وتحليل بنية المجتمعات غير الأوربية، باعتماد منظار المركزية الأوربية eurocentrisme.
وضمن هذه المجتمعات، حضر المغرب، الذي كان حظه وافرا من الدراسة الاثنوغرافية بشكل خاص وذلك لأن المنظور الاستشراقي، مند البداية، كان يتعامل مع المجتمعات غير الأوربية، ومنها المغرب، كمجتمعات ما قبل حداثية، أو بالأحري، باعتبارها مجتمعات تجسد بنية الجماعات البدائية، التي حللها ليفي شتراوس في كتابه الشهير la pensژ sauvage .
وهكذا، تم تهيئ جيش من السوسيولوجيين، الذين وظفوا بإتقان أطروحات السوسيولوجيا الكولونيالية، وخصوصا تلك الأطروحة التي تقسم المغرب، إلي أراضي المخزن/العرب وأراضي السيبة/البربر. ولذلك نجد هذه الدراسات تركز مجهوداتها، علي دراسة بنية القبيلة الأمازيغية، من حيث طبيعة العلاقات الرابطة بين مكوناتها، ومن حيث طبيعة تشكل الزعامات السياسية، وكذلك من حيث طبيعة النسق القيمي الذي يؤطرها، في علاقة بالمكون الديني/الإسلامي، بشكل خاص…. بالإضافة إلي مجموعة من القضايا السوسيولوجية الدقيقة جدا، والتي لها علاقة مباشرة بتسهيل مهمة السيطرة العسكرية علي المجال.
ولذلك، يمكن التأكيد أن المشروع الاستعماري في المغرب، ارتكز بالأساس علي البحث السوسيولوجي والإثنوغرافي، وكان الهدف هو تسهيل مهمة الاكتساح العسكري، من خلال التحكم في البنية الاجتماعية، وتحويلها من عامل معيق، إلي عامل مساعد، لبسط الهيمنة الاستعمارية علي المجال، بأقل مجهود وأقل تكلفة.
فحسب الباحث محمد مصباح، ترجع جذور المسالة الأمازيغية في المغرب، إلي بداية القرن الماضي، مع جهود الاستعمار الفرنسي عبر البعثة العلمية، ومعهد الدراسات البربرية في باريس والرباط، حيث كان يصدر أعدادا من مجلة ” الأرشيف البربري” »1915 ــ 1918«، ثم مع مجلة “هسبريس” التي صدرت بداية من العام 1921 والتي كان يعدها ضباط فرنسيون ومستشرقون، بالإضافة إلي انطروبولوجيين وسوسيولوجيين فرنسيين. ويضيف الباحث أن المسألة الأمازيغيبة انطلقت فعليا مع »ميشو بلير« الذي يمكن اعتباره أول من دعا إلي توظيف ثنائية العرب/البربر، والتي أصبحت فيما بعد دراسة مؤطرة لجميع الدراسات الكولونيالية في المغرب. وتلقفها بعده روبير مونتاني، الذي كان ضابطا في المخابرات السياسية بالبحرية، ودرس ظاهرة الزعامات عند القبائل الأمازيغية في كتابه الشهير ” البربر والمخزن”.
ومن المعلوم، أن السوسيولوجيا الكولونيالية، في المغرب، قد ركزت علي هذه الثنائية الشهيرة، بربر/مخزن، كمدخل رئيسي لبناء نسق إيديولوجي متكامل، يخدم الأطروحة الاستعمارية، في الأخير. فإذا كان المخزن، حسب التصور الكولونيالي، قد استطاع أن يمد نفوذه وسلطته علي السهول المحيطة بالمدن والعواصم، فهو لم يستطع تحقيق ذلك في علاقته بقبائل السيبة، حيث استمرت المعارك والاقتتال، لقرون، من دون أن تتحقق وحدة الدولة المغربية.
ولذلك، تستخلص السوسيولوجيا الكولونيالية، بتسرع وببساطة، أن المغرب لم يكن يوما، دولة مركزية تبسط سيادتها علي كامل امتدادها الترابي، بل كان هناك مكونان سياسيان، جمع بينهما الصراع والتناحر، هناك بلاد المخزن وبلاد السيبة، بلاد السهول وبلاد الجبال، بتعبير آخر، هناك العرب وهناك البربر، العرب وافدون ومستعمرون، والبربر هم السكان الأصليون للبلاد، والواجب يفرض علي فرنسا، بلاد الحرية والأنوار، أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وأن تعمل علي تحرير البربر من قبضة العرب، وربطهم بالمتر بول الفرنسي مباشرة، ليكونوا في خدمة المشروع الاستعماري، بعد أن كان مؤكدا أنهم سيكونون خصوما لهذا المشروع. لقد كان المدخل الرئيسي، لفرض الهيمنة الاستعمارية علي المغرب، هو العمل علي تقسيم البلاد إثنيا، استعدادا لتقسيمها ترابيا، لتسهيل السيطرة الشاملة عليها، في الأخير. وقد تداخل البحث السوسيولوجي/الإثنواغرافي بالتخطيط العسكري، لإنجاح هذه المهمة، لدرجة اختلاط الباحثين والعلماء بجنرالات العسكر، وهذا ما توحي به تسمية السوسيولوجيا الكولونيالية.
السياسة البربرية في المغرب من خلال تجربة المدارس الفرنسية ــ البربرية
قامت السياسة البربرية في المغرب، علي أساس تكريس ثنائية عرب/بربر، مخزن/سيبة، باعتبارها المدخل الرئيسي، لتقسيم المغرب إلي مجالين منفصلين، علي المستوي الاجتماعي والثقافي، وكذلك علي المستوي الترابي، وقد تم توظيف الانتماء العرقي، كعامل حاسم لتنفيذ هذه السياسة. وكي لا تنفرط خيوط اللعبة الاستعمارية، فقد تم تطعيم المقاربة العسكرية بروح تربوية/تعليمية، كقوة ناعمة soft power تساعد علي إعادة إنتاج reproduction النسق الكولونيالي، ثقافيا واجتماعيا.
ولذلك فقد اتخذت السياسة البربرية، في البداية، طابعا مدرسيا، من خلال تنفيذ مشروع المدارس الفرنسية ــالبربرية، الموجهة لتعليم الأطفال الأمازيغ، باعتماد المنهاج الفرنسي المطعم ببهارات استعمارية، وذلك لأن الغاية، ليست تأسيس تجربة تربوية/تعليمية حديثة في المناطق الأمازيغية، بل علي العكس من ذلك، كانت الغاية هي تنفيذ خطة الفصل بين الامازيغ والعرب، بادعاء الخصوصية الأمازيغية، وكانت المدرسة تمثل فقط جسر العبور.
المدارس الفرنسية ــ البربرية.. رمزية المجال
ارتبطت تجربة المدارس الفرنسية ــ البربرية، بالمناطق الأمازيغية، ذلك لأن هدفها الرئيسي، كان هو تعليم الأطفال الأمازيغ، ضمن مجال عرقي ــ كولونيالي ضيق، لتحقيق غرض الفصل بينهم وبين مواطنيهم المغاربة من غير الأمازيغ. وفي هذا الصدد يؤكد بول مارتي، أن المدارس الفرنسية ــ البربرية، تم إنشاؤها في البادية المغربية وخصوصا في المناطق الجبلية، من طرف الجهاز العسكري، من ضباط وكتاب في القيادة العامة للجيش الفرنسي، وبإشراف المكلفين بالحرب السيكولوجية.
ويحاول الأستاذ الجابري تعيين مجال انتشار هذه المدارس بدقة، فقد كانت بداية إنشاء المدارس الفرنسية ــ البربرية في أكتوبر من سنة 1923 في مناطق من جبال الأطلس، خاصة في إيموزار، وعين الشكاك بناحية فاس، وآزرو وعين اللوح بناحية مكناس، وخنيفرة والقباب، بالإضافة إلي مدرسة هرمومو بناحية تازة. ويحمل المجال الذي انتشرت فيه هذه المدارس، رمزية كبيرة في علاقة بالسياسة البربرية، التي نهجها الاستعمار، والتي كانت تقضي بالفصل بين العرب والأمازيغ. ولذلك، كان الهدف الواضح، الذي تجسده طبيعة المجال »المناطق الجبلية/الأمازيغية«، هو العمل علي خلق جيل مقطوع الصلة، بامتداده الحضاري والجغرافي، جيل كان يتم التخطيط له، ليكون امتدادا للمشروع الاستعماري في المغرب، وذائدا عن حياضه.
فحسب الأستاذ محمد عابد الجابري، كان الهدف من وراء إنشاء هذه المدارس، إنشاء جيل مقطوع الصلة تماما بالتراث العربي الإسلامي من جهة، ومتشبع أكثر ما يمكن، بالتراث الفرنسي والقيم الحضارية الغربية المسيحية، من جهة أخري، مما يمهد الطريق لعملية واسعة النطاق، عملية استيعاب الشعب المغربي، وجعله سياسيا وحضاريا تابعا إلي الأبد لفرنسا، باعتباره ذيلا من ذيول الحضارة الغربية المسيحية.
المدارس الفرنسية ــ البربرية.. رمزية المحتوي التعليمي
بالإضافة إلي طبيعة المجال الجغرافي، الذي تم التركيز عليه، والذي ينسجم مع المخطط الاستعماري، القاضي بالفصل بين العرب والأمازيغ، فإن للمحتوي التعليمي رمزيته الكبيرة كذلك، خصوصا إذا علمنا أن التركيز كان علي محاولة اقتلاع المتعلمين »وجزءا من المجتمع المغربي عامة« من التربة المغربية الأصيلة، ذات الامتداد العربي الإسلامي، الذي تشكل علي امتداد قرون.
ولعل هذا، هو ما تؤكده طبيعة المناهج التعليمية المعتمدة، والتي كانت تحارب كل ما يرتبط بالعربية والإسلام، وفي المقابل كانت تكرس نموذجا تعليميا، يجمع بين الفرنسية والأمازيغية، مع التركيز علي الجانب القيمي المسيحي ــ الوثني، كبديل للنموذج القيمي الإسلامي. إن المدرسة الفرنسية ــ البربرية »حسب بول مارتي« هي مدرسة فرنسية بالمعلمين، بربرية بالتلاميذ، وليس هناك مجال لأي وسيط أجنبي، إن أي شكل من أشكال تعلبم العربية، أو أي تدخل من جانب الفقيه، أو أي مظهر من المظاهر الإسلامية، لن يجد مكانه في هذه المدارس، بل سيقصي منها جميع ذلك بكل صرامة.
/2/2012 Issue 4122 – Date 14- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4122 – التاريخ 14/2/2012
AZP07