نعيم عبد مهلهل في الريف العراقي
الإغتراب يغيّر التعامل مع الموضوع
محمد المياحي
قدّم لنا نعيم عبد مهلهل في رواية (أنف الوردة… أنف كيلوباترا) ، شخصية ريفية (ريحانة) بشكل يقترب من أسطر الشخصية الريفية بالاعتماد على جزئيات البيئة .
فـهذه الشخصية ظهرت في مسرح الحدث ضمن أبعاد مختلفة منها الوصف في المفارقة الزمنية (الاسترجاع) ، الذي كشفه السارد (الشخصية الرئيسة)على أنَّه مُرتبط بها عاطفياً، إلا أنّ أخاه الأكبر يتزوجها و يرحلان سويةً إلى بلاد الغرب ؛ وبسبب الارتباط العاطفي بين السارد وريحانة تستمر العلاقة بينهما ، وهنا يتمظهر الجانب الميتافيزيقي لهذه الشخصية ؛ بسبب ما تحمله (ريحانة) من جمال ريفي ، وعليه أفصح النص عن هذه الثيمة ضمن ثلاثة اتجاهات هي : (البيئة ذات الجزئيات الخيالية) و (الوصف الشعري المؤسطر) و (توظيف الزمن العجائبي) .
أمّا ما يخص (البيئة وجزئياتها) ، فقد شكّل الفضاء المكاني الدلالة الأولى للصورة الوصفية وربط الشخصية بالمكان وحدثه هذا التلازم يتلاءم ونمط شخصية (ريحانة) ، فـ((الصورة المكانية لا يمكن أن تكون بمعزل عن الشخصية ، فكلاهما يصنع الآخر))، من هنا ظهرت القرية التي نشأت بها الشخصية الساردة و (ريحانة) ، ذات طابع غير مألوف يقول السارد : ((في قريتنا الغائبة عن حدود الخرائط وعدسات الباحثين عن الآثارة ، ترعى الآلهة رغباتها ، وتركب الخيول الكحيلة ، فيما تعبت الشمس حزن الذهب إلى صباحات البيوت)) ، ويقول في نص آخر ((فكانت قريتنا التي هي أصلا جزء من شجرة سومر ، مستقراً جديداً لجموع الآلهة الملونة ، حتى آلهة الأطفال)) ، في سياق آخر ((…وبعض الموتى يبتلعهم الماء في منطقة تسكنها الحيوانات الخرافية والجان ، ويقال إن جاذبية الأرض مفقودة فيها عندما تتيه فيها زوارق الصيادين مع أصحابها …)). وفي نص يقول: ((ركبت ريحانة الفرس الأبيض ، وهبطت إلى الماء مثلما تهبط حوريات البحر)) .
عند الوقوف على بناء هذه النصوص ، نجد محاولة الكاتب لخلق عالماً قروياً مبتكراً يحفل بخصوصيات لا وجود لها في الخارج(غرائبي) مثل (وجود الإلهة في قرية الشخصية) و (تجمع الإلهة في هذه القرية) و (الكائنات الخرافية في النهر) و (دخول ريحانة الماء على فرسها الأبيض)،استطاع الراوي إحالة المكان المتمثّل بالقرية وجزئياتها إلى ثيمات خيالية تظهر قيمتها الدلالية من خلال الاسطرة.
إنّ التعامل مع المختلق الخيالي شّكل معطيات مرتبطة بريحانة التي شكّلت هي الأخرى مسروداً متخيلاً ونفياً لواقعيتها ، ويبدو الجانب الدلالي مسوغاً في السياق، فلو تأملنا الدلالة المتعالقة مابين النهر الذي دخلته (ريحانة) والفرس الأبيض، لكل من اللفظين دلالة متشابهة (النقاء) ، من هنا نجد أنّ أجمل النتائج التي أنجزتها بنية النص تتمثّل بالعلائقية بين الشخصية وبين أهم مظهر من مظاهر الريف (النهر) ؛ إذ أن ((هذه العلاقة بين الكائنات والنهر ، تصل عند الكاتب حد السحر والبناء والأسطوري ، حيث يستخدم المخيلة الروائية لاستلهام اسطورة وبنيتها ، ويشكل عليها الواقع الاجتماعي السحري ويهيئ لها تلك المعتقدات الشعبية المستنبطة من هذه البيئة)).
وبهذا يتضح لنا التوظيف في النصوص السابقة مُتضّمن مستويين الأول منهما، انتزاع موقفاً مؤسطراً خيالياً معتمداً على الجزئيات الواقعية (القرية،والنهر،والفرس) والآخر: سيميائية الحدث واللون المتمظهر بعلاقة (ريحانة) بالماء الذي يعد في الحضارات القديمة رمزاً للطهارة .
أمّا ما يخص (الوصف الشعري المؤسطر) للشخصية الريفية (ريحانة) ،فقد ورد عن طريق الشخصية المطّية** الساردة (الرائي) ، فالواصف في النص مشاركٌ في الأحداث ؛ ليعطي بذلك عمقاً في الرؤية ، وإذا ماتتبعنا حضور الواصف في الرواية، سنجده متمظهرا ضمن إحدى الشروط التي تحدث عنها (هامون) ، وهي الرغبة في الرؤية التي يقصد بها الدوافع المعرضية أو النفسية للرؤية ، كالرؤية والانبهار والتلهي والدهشة والافتتان (*) ، وبوساطة تتبع دينامكية الواصف يظهر الافتتان وازعٌ للوظيفة الوصفية الذي أفرز علائقيات أخرى كالحوار واستدعاء شخصية مقحمة في النص (المأمور) الذي جاء بشهيد القرية ، فقد كشف التانولوج بين السارد وهذه الشخصية النزعة الوصفية بطابعها العجائبي ،هذا ما يكشفه النص الآتي :
((قال الجندي : إنَّها أنقذتك من موت أرادته الآلهة ، إني متيم بامرأة تتحدى انو.
قلت : ليس من حقك أن تتمنى امرأة هي لأخي .
قال : ولكنك كنت تتمناها ؟
قلت : لأنني معها منذ فجر السلالات وحتى اليوم …
قال n أي الجندي – : لنعد إليها .
قلت : إلى أين وصلنا ؟
قال : إلى عنقها …
وقلت : إن عنق ريحانة عمود من رخام يضيء مثل المرايا …
-وعنق ريحانة ؟
هو مثل شجرة الأرز التي احتمى بأحلامها كلكامش …
قال : هي ساحرة إذن ؟
قلت : وربما أكثر من ذلك .
قال : ما أكثر الساحرات في سومر …
قلت : اللائي يعتنين بالجمال فقط .
قال : لنغادر عنقها .
قلت : إلى أين ؟
قال : ما تبقى .
قلت : إلى هنا يقف حدود كل شيء . ما تبقى هو مقدس مثل محراب معبد ، ولأنه عرف القصد غاب في رؤى الحرب )) ، بوساطة الوقوف على هذا النص، نجد الوصف في البنية السردية وعلى لسان السارد صفة مهيمنة تُشكِل فعالية انفعالية وكأنها محكي نفسي يكشف عن بواطن السارد بوصفه عاشقاً لريحانة منذ الصبا ، فصوته الوصفي يرسم هذه الشخصية كائناً غير مألوف ؛ من هنا كثرت الوقفات الواصفة ؛ لتعزيز هذه الفكرة .
إنّ التركيز على شخصية واحدة مؤطرة بعلاقة عاطفية ومن نوع خاص جعل البنية السردية غير محكومة بمنطق التتابع أو التماسك السائد في النص الروائي التقليدي ؛ ولعلّ هذا ما يبرر هيمنة الوظيفة الوصفية وهوما نجده في إستدعاء(شجرة الأرز) .
وفي سياق آخر يقول:
((في عينيها تنمو الحدائق مثلما تنمو المدن على الخرائط)) ، ففي هذا النص لا يختلف الحيز الوصفي فالمكان المنطلق من هذا الوصف (تنمو الحدائق) فالنباتات تمثل جزئيةً من واقع الريف .
























