فراشات يحـلقـن في فضـاء الـروايـة
قراءة في دفاتر مفككة الأوراق
عبد الكريم حسن مراد
فشل الرواية في البداية لايمكن مطلقاً أن يضمن متابعة القراءة لأن نجاحها قلما يؤول إلى انتكاسة “. هذا ما تقوله الناقدة جليلة الطريطر في احدى كتاباتها.
والسؤال هنا هل هذه الإشارة تنطبق على هذه الرواية؟
الجواب لا.
لأن اللعبة الروائية التي أفتتح بها الكاتب فوزي الهنداوي ومن خلال شخوص روايته (دفاتر مفككة الاوراق) هي لعبة الكشف والمصارحة وكسر تلك التابوات والمسكوت عنه لدى طبقة من النساء قد يوهم للآخرين ، انهن نساء يعشن خارج زمن وجودهن لما يحيط بهن من غموض، هذا ما يوقنوه وبانهن يعشن في ابراج عاجية دونما يدركوا بأنهن لا يختلفن عن الأخريات من النساء سوى بالدرجات العلمية اللآتي يحملنها لذا فلقد رسم الزمن بالنسبة لهن حواجز لم يضعنها بل الآخرون وضعوها ليعيشن حالة عزلة وتهميش وكبت للمشاعر. هذا من جانب ومن جانب آخر فربما هن وضعن تلك الحواجز لما يعتقدن بأن ما يدور حولهن ماهو الا افواه لا تعرف سوى الا الافتراس.رجال مقنعون باقنعة ذئاب لا شيء يطفئ تلك العيون المتقددة شرراً سوى لعبة الجنس.. وهذا مالم تقبل عليها أولئك النسوة والمتمثلة بثلاث صديقات مقربات من بعضهن هن (آمال – اعلامية) (واحلام – رسامة) (وأماني – اكاديمية) فاشلات في العلاقات مع الآخر- (الرجل) مثل آمال والتي كانت تعاني من كأبة مستديمة واحلام اللعوبة التي تحاول امتلاك الرجل باي وسيلة عكس أماني التي كانت تلعب لعبة البحث عن الآخر بالسر.فمن خلال لعبة كشف الاوراق لدفاترهن يتفق معهن ثمة محرر يجمع تلك الاوراق المبعثرة في دفاترهن ليصفها باسلوب روائي دون ان يتدخلن هن في عمله. فمن خلال عوالم افتراضية تتحدث كل واحدة منهن وبحسب ما رسمه المحرر عن شخصيتها لكشف مالم يعرف عنها وفي لعبة تعدد الزمن وقد زاد المحرر في عوالم غير موجودة في الواقع كاقحام شخصيته في العمل، واللعب مع كل واحدة منهن بهدف اخراج المكبوت والغير معلن.
لذا عمد المحرر أن يمارس مع بطلات تلك الدفاتر في الواقع والمفترض لعبة الضحية والجلاد في نفس اللحظة. وقد اجاد في كشف مكنونات تلك الذوات المهملة من قبل الآخرين والتي كشف عنها المحرر ليحرز انتصاراً في اخضاع تلك النسوة إلى البوح المعلن دونما خوف من خلال عوالم افتراضية هو رسمها دون علمهن في الواقع المعاش ليؤكد في المحصلة النهائية ان الرجل هو دوماً المنتصر على المرأة في كل الاحوال وهذا قد لا يتفق عليه البعض لان الواقع المعاش فيه صوراً كثيرة لممارسة المرأة لعبة التسلط في حياة الرجل وكذلك بالنسبة للرجل هو الآخر يكون أكثر دكتاتوريته في تعامله مع المرأة. ان بناء عوالم الرواية الافتراضية اعطت جمالية أكثر من خلال البناء أو الترميم الفني الذي قام بها المحرر على تلك الدفاتر التي كادت اوراقها تصبح طعماً للنسيان لولا ذلك المقترح من قبل والد احدى البطلات في اعادة الحياة لتلك الدفاتر المفككة الاوراق التي فيها الزمن متحرك كما في اوراق د. أماني ورسائلها لاحلام وقد ابدعت أماني في رسم الاماكن التي زارتها ورسمت صوراً جميلة لتلك المدن وقد اعطت وجه المقارنة مابين هاهنا وها هناك. فالهناك يسير على موسيقى هادئة والهنا يرقص على موسيقى الانفجار والموت المجاني.. فلعبة المحرر كانت ذكية بحيث رسم عوالم أكثر جرأة للبطلات من الواقع المعاش مما شكك البطلات الثلاث (أماني وآمال واحلام) بأن ما قرأنه ليس شخصياتهن بل لغيرهن. لقد ادركن كم كان المحرر ذكياً حين لاعب كل واحدة منهن من خلال الاوراق يكشف عن سر كل واحدة منهن دون ان تعرف بعوالم الأخرى. واللعبة الاذكى التي لعبها هو الكشف عن مكونات د. أماني التي كانت تتوق لمغازلة المحرر والفوز بقلبه. لقد اجاد الكاتب فوزي الهنداوي ومن خلال لعبة تعدد الاصوات ان يوزع الادوار على البطلات وأن يترجم مشاعر كل واحدة منهن .. والأكثر اجادة قام بها الكاتب هو انه استطاع ان يكتب بلغة الأنثى ويوغل في رسم مشاعرها وخباياها وتضاريس جسدها . لقد ابدع في رسم احلام المرأة وما تختلجها من مشاعر اللهفة إلى الآخر والشوق إلى حضن الرجل. فهنالك كتاب قليلون يجيدون الكتابة بلغة الانثى بكل عوالمها وهواجسها. يقينا قد أقنعنا الكاتب ومن خلال اوراق تلك الدفاتر وكشف لنا عوالم نصفنا الآخر (المرأة) وبلغة أكثر جمالية وانسانية هادرة كالشلال. والرواية هي رواية افكار وشخصيات دونما أحداث قوية. فرواية الاحداث هي رواية التشعبات… وهذه الرواية اي (دفاتر مفككة الاوراق) رواية مكنونات انثوية وقد اجاد الكاتب ووفق من كل النواحي التقنية والفنية من خلال محكم دونما خلل في الخيط الروائي.
























