الإنعكاسية الذاتية لفوزي الهنداوي
روائي ما بعد السرد – حمدي العطار
انتقل الكثير من كتاب الرواية ومن ضمنهم (فوزي الهنداوي) الى ما يسمى بالحقيقة (المرنة)خاصة بعد ان اثبت الواقع بأنه غير قابل للتفسير من قبل (السرديات الكبرى) الماركسية ونظرية التحليل النفسي والحضارة الغربية ، بيان عجز هذه النظريات عن تقديم اجابات مقنعة للعديد من التساؤلات هو من زرع الشكوك لدى الكتاب والادباء ان يغادورا محطات الابداع الواقعي وسردية الحداثة المتمسكة بالواقعية ،والسبب يعود الى حدوث نقلة اقتصادية تجاوزت الضوابط النظرية للسرديات الكبرى والتي كانت تدعي قدرتها على المعرفة والطريق الصحيح ،لقد حطمت هذه التجارب الحدود بين الحقيقة والخيال ،فبعد وجود المعامل الكبيرة وجود العمال كطبقة اجتماعية مؤثرة اصبح نظام العمل الجزئي وعملية الانتقال والمرونة في التنظيم الصناعي ودخول الاقتصاد المالي والعولمة الاقتصادية كل هذه المعطيات جعلت المفكرون والادباء يفتشون عن اطر مناسبة لمعرفة الواقع من جوانب مختلفة عن النظريات المطروحة،اصبح الابداع ما بعد الحداثة هو القدرة على الامساك بلحظة العالم الجديد،و التساؤل اين السرديات الكبرى من شرائح ومنظمات اجتماعية لا يمكن ان تعبر عن طبقة اجتماعية في ظل الصراع الكلاسيكي المعروف ! فكيف يمكن تحليل ظواهر بروز حركات اجتماعية (النسوية) او حقوق (السود)او منظمة (السلام الاخضر) وحتى حركات (المثليين)! اين دور الصراع الطبقي المغيب وما الذي يحفز هذه الشرائح على مثل تلك التجمعات !لتحقيق حريتهم الفردية والاجتماعية في ظل أنظمة سياسية تعتمد على الاستغلال والتفوت الطبقي!!
رواية تختار اسلوب ما بعد السرد
ويبدو لي ان رواية فوزي الهنداوي لو اردنا التوقف عند النص (دفاتر مفككة الأوراق) اصدار سنة 2016 من دار الجواهري للنشر والتوزيع والتي تضم 148 صفحة من الحجم المتوسط ، سنجد ان الروائي من اكثر المتمسكين بالاسلوب ما بعد السرد والتي عبرت عنه د.كرنفال ايوب استاذة النقد الحديث في تقديمها للرواية بأن الروائي قد تبنى تقنية (الميتا – سرد) ومن خلال هذا التوظيف الحر والمرونة التي كسبت شكل الراوية طابعها الخاص ومنهجها المميز على الرغم من خلوها من عنصر الوصف”
سوف نتصفح رواية الهنداوي للتوقف على فنون الخداع لدى السارد وهو يتعكز بالكتابة بواسطة سيرة ذاتية لثلاث فتيات مثقفات يرغبن بجعل ذكرياتهم وكتاباتهم رواية فيكونوا هن السارد بينا يمارس الهنداوي عبر تلك الشخصيات (الاعلامية – امال- والرسامة احلام والأكاديمية آماني) رحلة فكرية فيها من الغرابة والمتعة ما يجعلنا ننهي الراوية في جلسة واحدة .
أشكال تجريبية غريبة
يستهل الروائي بطرح خطته التي اطلق عليها (فن الخداع) وهو نموذج تجريبي في اسلوب ما بعد السرد الغرض منه السخرية والتهكم ،وهي بحد ذاته تزعزع ثقة القارئ بنوايا البطل او السارد ، لنمضي مع الروائي بقراءة هذا الاستهلال الذي يوحي بثيمة الرواية “ستكون مغامرة لذيذة وممتعة،كاتب يقتحم حيوات ثلاث نساء مثقفات مرة واحدة،برغبتهن،ليكتشف أسرارهن المخبوءة في دفاتر ظلت حبيسة الكتمان” ويحاول الكاتب ان يمس بتلابيب قارئه المعاصر ويجعله يتماشى مع الرواية وطالما الشخصيات ثلاث نساء وكاتب ، فهو سوف يمزج بين الواقع والخيال “سأقفز على الواقع لأحلم وأرى المستقبل وأصفه” هو لا يقدم فوائد القراءة لكنه يعدد مزايا الكتابة “ففي كل كتابة تكمن قدرة التعاطف مع الآخرين، وتثوير طاقاتهم الخبيئة،وكما ترى أيزابيل فأن (الكتابة مثل ممارسة الحب ، دعك من بلوغ النشوة، وأستمتع بالتجربة ذاتها) هكذا اذن يقدم الروائي هذه الرواية (المرنة جدا) والتي تقبل التأويل أكثر من التوضيح ، وسيجد القارئ كيف يقتبس الكاتب بذكاء من الكتاب الذين تأثر بهم ” امرأة هي العمل الوحيد غير الكامل حيث ترك الله أتمامه للرجل ” وسيجد القارئ في اكثر من موقع اقتباسات متنوعة والهنداوي يعترف بذلك في نهاية الرواية عندما يقول في(اشارة) “وظف المؤلف معلومات وعبارات وردت في مقالات الكتاب :د.قاسم حسين صالح ،لطيفة الدليمي،محمد غازي الاخرس،علاء المفرجي، بعد اعادة صياغتها بما يخدم الرواية”.
رؤية السارد الساحرة
في هذه الرواية ليس هناك سارد واحد ،بل مجموعة من الساردين فبالاضافة الى دفاتر الفتيات الثلاثة اللواتي اتفقن في حفل توقيع كتاب (آمال) على جعلها كتابا ، واختلفن ثم أتفقن على تكليف كاتب رجل
بالرغم من اعتراض آمال وتحفظ آماني على مقترح اماني “”أن تكتب كل واحدة تجاربها ثم تسلم هذه الدفاتر الى كاتب محترف يمتلك لغة رصينة وأسلوب شيق، يتولى مهمة التحرير واعادة الصياغة والتنقيح”
هنا تبرز شخصية السارد (الروائي) شخصية سامر زميل (اماني) في الجامعة وعاشقها من طرف واحد ،يوافق على أداء المهمة على أمل التقرب منها ومعرفة اسرارها العاطفية “فرحت كثيرا بهذا التكليف الجديد ، سأستغله للتقرب منها أكثر” كما ان رؤية السارد بأن الكتابة نوع من (الورطة) – ما دامت الكتابة فن التورط فلأجرب التورط معهن – وعلى امتداد السردية نرى قوة التطفل عند السارد وهو يغير قناعات شخصياته النسائية الثلاث ،فهو من يقنعهم من البداية بأن دفاترهم لا بد ان تكون رواية وليس اي جنس ادبي آخر!”بعد أن قرأت دفاتركن وسجلت ملاحظات عنها ، أود أن أقترح تحويلها الى مادة روائية،أنا أكتبها، ستلقى قبولا من الكتاب، فالرواية ممتعة تجذب القراء وتجعلهم يتفاعلون معها أما الكتاب سيكون مجرد معلومات وحقائق تخلو من عنصر التشويق”
شخصية السارد المتهكمة والمتناقضة
تسيطر شخصية (سامر) على مجرى الاحداث ،ويبدو تأثيره واضحا على النساء الثلاثة اللواتي قمن بتسليم أسررهن مكتوبة بدفاتر واوراق مفككة ورسائل الكترونية من اجل ان تكون رواية ! ويبدو سامر قديسا في علاقته معهن ، فتسعى الرسامة احلام الى عقد صفقة معه لتكون علاقتهم بمستوى علاقته مع اماني ، وتدعوه الى منزلها ويتعرف على ابيها ويدخل مرسمها ويدور بينهم حوار ملغوم بعواطف مكبوته من قبل احلام ومشاعرها تجاه سامر ، لكنه يصدها برفق ويبتعد عنها احيانا ، اما (آمال) فهي تستعين بسامر لأدارة المجلة التي تتراجع ماديا وتقترب من الافلاس ، ويبذل سامر كل جهده لأنتشال وضع الجريدة المزري لتنهض الجريدة من جديد! وما يلفت النظر موقف سامر (الشهواني) من مديرة مكتب رئيسة التحرير (أقبال)
وهي امراة ارملة قتل زوجها في انفجار ارهابي ولديها ولد وتبدو متزنة ،يحاول سامر التحرش بها عبر وسائل متعددة “نهضت وصافحتها ،تعمدت الضغط على كفها الناعم البض، لم ترق لها الحركة، فسحبت يدها بسرعة، احسست بشهوانية تجاهها، اججتها ملابسها الضيقة التي أبرزت مفاتنها الأنثوية” وحتى بعد ان استبدلت اقبال ملابسها الضيقة بأخرى قضفاضة واسعة ،وارتدت حجابا كاملا ،ولم يزيد سامر الا عنادا
“تواصلت محالاتي وأستمر صدها،الى أن وصلت الأمور الى درجة الانفجار حين وضعت يدي على كتفها ، أنزلتها بغضب” وحينما يبدي اعجابه بها كأنثى ،تطلب منها ان يتقدم للزواج بها ان كان صادقا “موافق ، شركط أن يكون زواج متعة، ما رأيك؟ ” هذه السلوكيات المراهقية لا تتماشى مع ما قدمه الروائي من انضباط واتزان لشخصية سامر مع النساء الثلاث اللواتي يكتب روايتهم ، لنتوقف عند محاولة امال في بيتها ومحاولة استدراجه لأقامة علاقة جنسية معها وكيف كان موقفه!”مرت دقائق خرجت بعدها أمال بثوب نوم أزرق فاتح شفاف نوعا ما ، أظهرها المكياج أجمل مما كانت عليه قبل دخولها الحمام لكنه لم يخف كأبتها.
وقفت أمامي ونساءلت : ها .. الان كيف تراني ، ملكة جمال؟
نظرت في عينيها ، استعرضت جسدها قلت :
– ما شاء الله ، كيكة وعليها شموع.
أدارات مؤشر التلفزيون على قناة تبث الرقص الشرقي،عادت الى المطبخ لتجلب قنينة ويسكي وضعتها على الطاولة ،سكبت منها في قدحين ، احضرت فواكه ومكسرات وحلوى وعلبة سكائر،جلست بجانبي
– اوكي ، سأرقص لك رقصة تسكرك دون أن تشرب
بدأت ترقص وتتمايل بجسدها على أنغام الموسيقى، ترقص وتشرب من الويسكي …. لم احتمل ، توترت وزاد هياجي ، نهضت ، ما ان نهضت حتى سحبتني من يدي لمشاركتها الرقص، رقصت معها، طلبت منها ان تجلس لتستريح قليلا، اجلستها على الكنبة، كانت مترنحة،قبلتها على رقبتها، طوقتني بذراعيها، وضعت رأسها فوق كتفي ،ظلت تهذي بكلمات ، فهمت منها عبارة :خذني الى السرير !
لكن سامر يحول الحديث عن ادمان امال وتناولها اشرطة الحبوب المخدرة ،ليكون في هذا الموقف مثل النبي يوسف
-مدت يدها لتسحب الاشرطة، أزحت يدها بقوة، حاولت مرة ثانية ، صفعتها على خدها ، تركتها وخرجت!!
من الواضح التناقض بين موقف سامر والاصرار على التحرش بأقبال التي تصده ، بينما يرفض العلاقة السهلة والمتاحة مع أمال !
دفترين وأيميلات
تأخذ السردية منحى السيرة الذاتية ونحن نتابع الاوراق المفككة لدفتر (آمال) التي يتضح ان قوة شخصيتها تجعلها (مسترجلة) وتنتهي بزواج فاشل بسبب ضعف شخصية الزوج وعلاقة حب لا تكتمل بسبب عنجهية الحبيب الصحفي باسل وهو يضع هذه الشروط لأبتزازها “طلب أن تسندي له منصب نائب رئيس التحرير بصلاحيات واسعة،زيادة راتبه ومخصصاته، مقابل كل ذلك أن تكوني عشيقته ،فتطرد باسل من المجلة لتكتب في الدفتر ” لا مسترجلة ولا عشيقة،لا هي ولا تلك، سأظل كما أنا، أنثى تحتفظ بكرامتها، سأنذر نفسي لمحاربة الظلم والاستبعاد والاذلال، أحارب بكل أسلحتي ،لن استسلم لضعفي ولا لأبتزاز رجل” ،، اما دفتر الفنانة التشكيلية (احلام) فهي تشعر بنفسها تعيش في عالم خيالي “أشعر أني منجذبة بقوة عجيبة الى عالم الأحلام” كما انها تجد عندها طاقة من التمرد “متى نتمرد على أقنعتنا؟ أقنعة ثقيلة تلف طريقة تفكيرنا وآلية صنع مواقفنا أزاء قضايا شخصية” ولديها رؤية على صفة الطاعة عند المرآة “أنها عملية تنميط وقولبة للمرأة لأن تكون في لا وعيها مطيعة للرجل خادمة له طوال حياتها سواء أكان هذا الرجل أبا أ أخا أو زوجا أو أبنا أو حبيبا ، أي منطق هذا؟ وأي عدالة؟ وتتحدث في اوراقها عن (ثقافة الاعتذار) وتصف نفسها (بالنرجسية) وتتحدث عن (الايحائية) وعن تأثر الحب ومعنى الحب عند الفلاسفة والصوفيين “بالحب يتحول القلب الى حقل فرح عصي على تبدل الفصول ، أما الجسد فيتحول الى لهب لا يدركه الانطفاء” اما دفتر (أماني) فهو عبارة عن رسائل الكترونية (ايميلات) ارسلتها الى صديقتها (احلام) حينما كانت تدرس في فرنسا ، تصف فيها الغربة وجمال نهري الرون والسون في فرنسا وتقارنهما بدجلة والفرات ، والمهرجانات في مدينة ليون ،وتتكلم عن موضوع طروحاتها (أزمة الهوية) “نعم هناك ازمة هوية لدينا ،أزمات هويات كلية وفرعية ، أزمة تتطور الى صراعات، أي أنها هويات قاتلة كما وصفها أمين معلوف” كما تصف الوجاهة الحضارية في فرنسا وجمالية برج ايفل.
التطفل على السير الذاتية ينهي اللعبة بالهدف الذهبي
الارضية الزمنية للرواية تتفاعل مع الاداراك الواعي لمشاكل النساء الثلاث من قبل السارد (سامر) فيكسب قلوبهن ، ويتلاعب بمصيرهن ، ليكون غذاء العمل الاخير مناسبة لموافقتهن على ما جاء في الرواية من اشياء قد يتوهم القارئ بأنها خيالية وليست واقعية وهذا هو ملامح ما بعد السرد ، حيث لا وجود للحدود الفاصلة بين الواقع والخيال ،فبعد قراءة الرواية ومناقشتها ،بينما السمك المسكوف يتعرض الى حرارة النار ليصبح ناضجا وجاهزا لللاكل ، يصدر القرار:-نحن موافقات بشرط اضافة هذا التنويه الى الرواية كملحق
وقد جاء في نهاية هذا التنويه “أخيرا،للأنصاف نعترف أن الرجل الذي صيرنا الى رواية قرأناها نهارا واكتفى هو بقراءتها ليلا،قد لعب معنا ولعبنا معه، لعبة لذيذة،كنا نعرف أنه يلعب معنا ألا أننا أستمرأنا اللعب معه،فهو لاعب ماهر،سجل أهدافه في مرمانا بحالات تسلل غير مرئية، خدع الحكم وراوغ دفاعاتنا، ليسقط الواحد تلو الآخر، ثم أنفرد بمرمانا ، أستعرض كثيرا، قبل أن يسدد هدفه الذهبي لينهي اللعبة،تقبلنا الهزيمة بروح رياضية،والى مباراة أخرى نقصد رواية جديدة نأمل أن ننتصر فيها،نراكم بخير”
























