الطغاة وأبرزهم سرجون الأكدي
الميثولوجيا السومرية في رواية أرض الجنة – إسلام عادل
تتطرق رواية (أرض الجنة) للكاتب جمان حلاّوي الى مغامرة الرحالة الأرجنتيني ثور هيردل عام 1977 الذي صنع قاربا من البردي في القرنة و جاب به البحار ليثبت ان السومريين ركبوا البحر و أقاموا علاقات تجارية مع باقي الحضارات و تحديدا دلمون و ماكان. سرد حلاوي مغامرة هيردل بأسلوب أدبي مشوق و جعلها احد ثلاثة محاور تناولتها الرواية. فتبدأ بسيناريو يقدم اسطورة سومرية تتطرق الى اتخاذ أنليل الها لأكد وعزم سرجون الاكدي على احتلال وتدمير الحضارات المجاورة. ليقوم رئيس كهنة انكي بتقديم ابنته قربانا. لتظهر روح ابنته ثانية متقمصة شخصية فتاة معاقة ذهنيا لها قصتها مع ديتلف. و المحور الثالث يدور تحديدا حول قمع البعثيين لأصحاب الفكري اليساري. أجاب حلاّوي على اسئلتنا المتعلقة بهذا العمل المميز:
{ هل يمكن اعتبار أرض الجنة الامتداد الجمالي لكتابك (الوعي و نشوء فلسفة الترميز) بما أنها تعبر عن ايمان عميق بسطوة الاسطورة و دورها في حياة السومريين؟
– كتابي (الوعي ونشوء فلسفة الترميز) هو بحث علمي في المجال الانثروبولوجي الذي يتناول علم الانسان وتطوره من خلال مجتمعاته المتنوعة لخلق رموزه التي يتعامل بها مع بعض ومع الطبيعة (المحيطة حصراً) بسبب من نضوج دماغة وارتقاء وعيه ليكون ايجابياً وندّاً للطبيعة محاكياً اياها بشكل طقوس وممارسات، وخلق مفاهيم فلسفية في صيغة آلهة لتبرير تحرك الوجود وتغيراته الجيولوجية والبيئية والمناخية .. الخ .
اما رواية (ارض الجنة) فهي عمل درامي تدخل فيها شخوص وحكايات ربما غير واقعية للرفع من الفعل الدرامي من خلال حبكة ارتأيتها لأغراض التشويق . اما ثيمة الرواية فقد استندت الى ثلاث محاور : المحور الاول له علاقة بعلم الانثروبولوجيا من خلال رحلة البروفسور النرويجي (ثور هايردال) بواسطة قارب صنعهُ من القصب Reed الذي ينمو ويتكاثر في اهوار جنوب العراق، ليماثل ما كان صنعه السومريون في ابحارهم، ليثبت ان الحضارة السومرية حضارة منفتحة وحيّة ومتعايشة وسلمية كانت تتاجر وتنقل افكارها وفلسفتها الى بقاع العالم وبالأخص المجتمعات المطلة على الخليج العربي والبحر العربي والمحيط الهندي وحتى بحر الصين . والبروفسور هايردال هو عالم انثروبولوجي وكانت رحلته في هذا المضمار .
المحور الثاني محور الشاب جاسم الطالب الجامعي في كلية الزراعة وانتماؤه الشيوعي الذي اجبره على الهرب من البصرة ليلتحق بالأنصار الشيوعيين في كردستان العراق ابان الهجمة الشرسة من قبل البعثيين واجهزتهم القمعية على الشيوعيين وبالأخص طلبة الجامعات الفئة الاكثر ثورية، وذلك بعد تفتت الجبهة الوطنية بداية عام 1978 .
المحور الثالث العلاقة الاسطورية بين احد اعضاء بعثة هايردال (ديتلف) والفتاة الريفية شذرة التي تعاني من مشاكل نفسية و، بكم ليقودهم الامر الى الهروب الى ايران اثناء انتهاء الحكم الامبراطوري الشاهنشاهي واستلام السلطة الثيوقراطية لزمام الامور في ايران .
السؤال له علاقة بالمحور الاول، فقد استعملت الميثولوجيا من خلال علم الانثروبولوجيا لسوق هذا المحور نحو منطقيته، وابراز دور الطاغية (سرجون الاكدي) من خلال ذلك، اي ان الميثولوجيا كانت كخلفية او background. ان كل محور من المحاور الثلاثة له طاغيته . وهي الثيمة الرئيسية للرواية . اي ان روايتي هي رواية عن الطغاة .. هؤلاء الثلاثة الذين غيروا ملامح المجتمع العراقي من خلال تغيير جذري للبنى التحتية للمجتمع والعامل النفسي الجمعي لحركة المجتمع .
{ بماذا فكرت في أثناء كتابة الرواية، بإبراز الجانب الجمالي كعمل ادبي وظيفته خلق عالم مختلف يستفز خيال القارئ، ام بالأنثروبولوجيا كجانب معرفي تستند اليه الرواية؟
– اكيد ان الجانب الجمالي مهم جدا في العمل الروائي اضافة الى تحويل موضوع الانثروبولوجيا الجاف الى دراما روائية، هذا ما قادني الى كتابة الرواية والخوض في موضوع صعب لتحويله لعمل درامي سردي . وقد ذكرتُ في اجابتي الاولى فالرواية هي عمل درامي فيه التشويق والجمالية في الحوارية والسرد والصراعات الداخلية، وكان هذا هدفي بالتأكيد والا كنت اكتفيت بكتاب (الوعي ونشوء فلسفة الترميز) فقد كان ملماً وشاملا ً
{ وضفت رحلة عالم الانثروبولوجيا الأرجنتيني ثور هيردال الذي ابحر من القرنة على متن القارب دجلة للوصول الى دلمون و ماكان عام 1977، برأيي هو توظيف ادبي عبقري لحدث واقعي، كيف خطر لك ذلك، و ما كانت مخاطره؟
– لقد قام الرحالة ثور هيردال فعلاً برحلته من القرنة جنوب العراق مرورا بالخليج العربي وحضاراته القديمة في البحرين (حضارة دلمون) و عُمان (حضارة ماكان) انتقالاً الى المحيط الهندي حيث الباكستان (حضارة موهينجو دارو في وادي هندستان) رجوعاً عن طريق البحر العربي الى القرن الافريقي، حيث منع من مواصلة الرحلة بسبب الحرب الدائرة هناك، فقام طاقم القارب دجلة بحرق القارب احتجاجاً ورفع رسالة الى هيئة الامم المتحدة بخصوص ذلك
واود ان اضيف ان للبروفسور الرحالة ثور هايردال اربع رحــــــــلات :
1- رحلة كون تكي عبر المحيط الهادي
2- رحلة رع 1 عبر المحيط الاطلسي
3- رحلة رع 2 عبر المحيط الاطلسي
4- رحلة دجلة عبر المحيط الهندي
وكانت جميعها تصب في توضيح حركة الشعوب القديمة وعلاقاتها الثقافية والتجارية عبر انتقالها بحراً بواسطة قوارب بدائية مصنوعة من البردي من نهر النيل(كما في رحلتي رع1 و رع2) او من القصب من اهوار العراق (كما في رحلة دجلة) والتأكيد على انها شعوب حيّة ذات حضارات متواصلة مع بعض كمجتمعات انسانية واعية ومثابرة ومحبة للتعايش والتطور و تبادل مستلزمات وادوات بقاء الحياة ونموها نحو الافضل . وان جميع الرحلات التي قام بها الرحالة هايردال توثق الجانب الانثروبولوجي لهذه الشعوب، لكني قمت بتوظيف هذه الرحلة الى عمل درامي ادخلت فيها الاسطورة والانتقالات الى الماضي ثم رجوعا للحاضر مصحوباً بالأصوات القديمة والشخوص الايهامية، مع تقمص احدى شخصيات الرواية الافتراضية (شذرة) لأبنة احد الكهنة من الماضي . ليستعاد التاريخ من خلالها .
{ لو قدر لك ان تصنف الرواية حسب الموضوع الذي تتخبط به، هل ستكون رواية ميثولوجيه؟
– لا . ان رواية (ارض الجنة) هي رواية عن الطغاة في التاريخ وابرزهم هو (سرجون الاكدي) الذي لم يعرّفه التاريخ كطاغية لكنه كان همجيا بربرياً انهى الحضارة السومرية المسالمة بالكامل ودمر الثقافات، وسحق حضارة دلمون مع احرارها الذين نهضوا ضد حكمه الجائر . اما الاثنان البقية فالكل يعرفهما، وقد ذكرت ذلك في جوابي للسؤال الاول .
{ كقارئة أعجبني انصافك للمرأة و جعلها تأخذ جانبا مهما و محوريا في الاحداث، لكن دور المرأة كان روحانيا اكثر مما هو واقعي و علمي و بالتحديد أقصد شذرة!
– انا منصف للمرأة دائماً وفي جميع مقالاتي المنشورة على صفحتي في الموقع الالكتروني : الحوار المتمدن . وقد كنت واقعياً في ذكر المرأة في (ارض الجنة) كما في شخصية (ليلى) الشيوعية، و(تسواهن) التي بادرت وجازفت وزوجت شذرة وديتلف لأنقاذهما من القتل المحقق، ووالدة صديق جاسم التي كشفت سرقة السيد (محرِز) لسوارها التي ارادت اهداءه لضريح الحسين عن طريقه لأيصاله لها (علماً ان حادثة سرقة السوار هي واقعة حقيقية تماما حدثنا عنها والدي)، وقد ماتت اثر ذلك . اما شذرة فكان موضوع الميثولوجيا الذي كانت هي محوره قد اقحمته من خلالها لزيادة التشويق وخلق الحبكة الروائية، وقد كانت شخصيتها واقعية ايضاً خصوصا حين اجلسها البروفسور هايردال في مكتبه وقدّم لها كوب الشوكولا حيث ذكرت ُ (اقتبس هذا المقطع من الرواية ذاتها):
” رفعتُ عيني من حروف الطابعة ناظرا ً عبر نافذة غرفة المراقبة وجدتُ (شذرة) تنظر تجاه دار الاستراحة من بعيد . فتحتُ النافذة وطلبت منها أن تأتي . جاءت راكضة تتطافر جدائلها الذهبية حتى وصلت ونظرت إلي . قدمتُ لها يدي فاستجابت وحيّـتني . سحبتها من يدها وأدخلتها الغرفة، لم تمانع، بل دخلت وجلست عند اقرب كرسي ضامّة ساقيها كأية فتاة شرقية، وهي تنظر نحوي . سحبت كرسيا ً وجلست قبالتها، لم تتحرك ولم تترك عينيّ. ابتسمتُ لها وقدمت لها كوبا ً فيه شوكولا كنت احتفظ به في البرّاد . أخذته (شذرة) من يدي واستعملت ملعقة كوب في رفع الشوكولا بكل إتقان . وضمّت شفتيها الملعقة لتخرجها فارغة، ثم رفعت عينيها لي مبتسمة، ثم ضحكت بعفوية وغطّت فمها . ثم عادت لوضعيتها الأولى وتناولت ملعقة ممتلئة ثانية ثم ثالثة، وبعدها أعادت الكوب إلي فتناولت بدوري ملعقتين من الشوكولا، وأعدت الكوب إلى البرّاد”.
{ هل تجسدت ميزوبوتيميا بشذرة، ليلى و تسواهن كل على طريقتها؟
– ميزوبوتاميا هي التسمية القديمة للعراق وتعني بلاد ما بين النهرين، وان كل من شذرة وليلى و تسواهن هن مجسدات حقيقيات لهذا الموقع وافر الخضرة الوارف على العالم بحضارته الحية التي دنّسها وحاول درسها الطغاة الثلاث.
{ الزمن الروائي يمتد من نينهورساغ دمغال نونا و أبيها كاهن معبد أنليل، فترة اعتلاء سرجون الاكدي عرش دولة أكد، وصولا الى ثمانينات القرن الماضي، أدى الى ان فلاش باك الرواية يتأرجح بين عصور و شخصيات مختلف تماما حلقة الوصل بينها شذرة!
– شذرة شخصية درامية بحتة قمت باستغلالها حقيقة لخلق جسر اسطوري بين الزمن الحاضر في الرواية وهو نهاية سبعينيات القرن الماضي، وبين زمن سحيق في القدم يمتد حتي 2000 ق. م وبالتالي لايمكن تطبيق المنطق الانثروبولوجي على شخصية شذرة، اذ كانت قصتها فعلاً درامياً بعيد عن الواقع لكنه مستحدث جميل لإخراج وقائع وحقائق الازمان وايصالها للقارئ والمتلقي بطريقة درامية . والروائي هو سيد روايته يتحكم بها ويخلق اكوانه وعوالمه لتصل للآخرين بتشويق، يتعرفون من خلالها على الاسطورة والخرافة وبين الحقائق الواقعية بسلاسة قلم الروائي وغرائبية ما يكتب .
{ تقربت من زمن تعدد الالهة من جهة و فساد رجال الدين من جهة أخرى متمثلة بالمعمم المنحرف، ما هي الاتهامات التي تتوقعها و كيف سترد عليها؟
– ان شخصية المعمم المنحرف ليست نكاية بهذه الفئة من رجال الدين لكنها حادثة حقيقة حدثت كما في حادثة سرقة سوار الذهب من قبل سيد (محرز)، اما بقية السؤال فلا تعليق عليه .
{ ما هي مؤهلات القارئ الذي سيفهم هذه الرواية الاستثنائية؟
– الرواية كتبت لجميع القراء وبدون استثناءات، فأنا لم اكتب للنخبة المثقفة ؛ بل أنا لا أؤمن بالنخبة المثقفة . ان كل من يبحث عن كتاب ويدفع مقابله مالاً حصل عليه من جهدٍ قدمه يوما ما من عرق جبينه هذا ما أهتم به،. لذلك كل من رفع كتابا من البسيطة وقربه الى عينيه ليقرأ محتواه، انا احترمه، واتكلم عنه الان بالذات وليس عن النخبة.
{ جمعت الرواية ما بين الشكل المتعارف عليه في السرد الروائي و تخلله سيناريو، ما دواعي ذلك؟
– انا ارتأيت ايجاد هذا الشكل من التكوين الروائي للإيحاء بوجود حركة سينمائية في ذهن القارئ، وحصرتها في المناطق التي اتكلم بها عن الزمن السحيق حتى اجعل القارئ يعيش تلك الازمان وقد دبت فيها الحياة ؛ فهي حيّة تتحرك وتتصارع وتتمازج امامه كفيلم سينمائي وليس كقصة تبدأ بالفعل (كانَ) و بالتالي فالفنون لا تقيدها مدارس وضوابط فهذه المدارس وجدت بعد ان تشكلت هذه الفنون واثبتت جدارتها لتبوب بالتالي كمدارس . حين اوجد الرسامون التعبيريون فنهم خارج الصالونات احدثوا تذمرا هائلا لكنهم اثبتوا جدارة فنهم وسموا بجماعة باريس وهم التعبيريون امثال سيزان وسورات ورينوار ودييكا وهنري تولوز لوتريك وغيرهم . وقد اوجد بيكاسو التكعيبية وقلب فن الرسم رأساً على عقب حين ادخل البعد الرابع في اللوحة وهو (الزمن) مع الابعاد الثلاثة المعروفة : الطول والعرض والعمق، فقام بتحريك الوجوه من خلال تهشيمها، وتحرك حصان لوحة جيرنيكا من خلال حركة المسحوقين تحته، وقد ضرب بدر شاكر السياب بحور الشعر عرض الحائط ..وهكذا . الفن وبضمنه فن الكتابة لا تحده حدود ولا يمكن قولبته وحصره في صندوق مثقفين النخبة!
























