التشكيلية يسرى كويش ترى حيوية فنية بالعراق .. حب وسلام يتمدّدان في لوحاتي
حاورها : عزيز البزوني
يسرى عبد الحسين كويش فنانة تشكيلية من مواليد مدينة بغداد عام 1970 , حاصة على شهادة دبلوم معهد للفنون الجميلة , عضو نقابة الفنانين العراقيين, عضو جمعية الفنانين التشكيليين, شارك في اغلب المعارض التي اقيمت في بغداد والمحافظات ونالت العديد من الجوائز والشهادات التقديرية خلال مسيرتها الفنية , التقينا بها فكان هذا الحوار معها:
{ حدثينا عن بداياتكِ مع الفن التشكيلي كيف بدا الطريق؟
– الرسم عندي موهبة منذ الصغر، وقد طورتها بالدراسة الشخصية والثقافة التشكيلية والواسعة،وبالأضافة الى كل ذلك أنا اعيش منذ الصغر وليومنا هذا في وسط فني كامل حيث كان معلمي الأول اخي الكبير الفنان صادق كويش وهو اليوم من أعمدة الفن التشكيلي العراقي في هولندا وكذلك أخي الفنان الدكتور عباس كويش عميد كلية الفنون التطبيقية واضافة الى ذلك انا زوجة للفنان النحات ستار السنجري استاذ في معهد الفنون الجميلة ، كل تلك العوامل بالاضافة الى الأصرار على ان أحقق ذاتي الشخصية في أن تكون لي بصمة واضحة في فضاء الثقافة والفنون ،أقول كلها اجتمعت لتمدني بالثبات والعزيمة لتحقيق المسير في هذا المجال .
{ كيف ترين الحركة التشكيلية اليوم في بغداد؟
– الحركة التشكيلية في بغداد الآن تشهد مداً واضحاً، لكنه مدّ كمي على حساب النوعية وبكل أسف لم أجد من وجهة نظري الشخصية من القائمين على المشهد الثقافي والفني في البلد التخطيط الصحيح في النهوض بالحركة التشكيلية خصوصا والحركة الثقافية عموما ،،لابد من تأسيس مؤسسات تعتني بالفنون من عرض وأرشفة وتسويق ودعاية وإعداد كوادر متخصصة في مسائل الدعاية الفنية، وفتح اختصاص في كلية الفنون لدراسة النقد الفني ويلعب الإعلام كما تعلم حضرتك دوراً كبيراً في هذه العملية التثقيفية الخاصة بالفن وأهميته ودوره، وفي اعتقادي أن ما يخصصه الإعلام لهذه المسائل ارتجالي وغير ناجح أحياناً ، ولابد من إعادة النظر في ذلك. أما سبب ارتباك الحركة الفنية في العراق فلأنه محارب من جهة، ومن جهة أخرى غير مدعوم من قبل المؤسسات المعنية، وفي حين ينعم بعض الفنانين بالخطوة يعاني فنانون آخرون من الاضطهاد بكل معنى الكلمة، كما أن أساليب عمل المؤسسات المعنية بالفن متخلفة وبغيضة.
{ ماذا تمثل لك المراة في رسوماتكِ؟
-المرأة في أعمالي سر من أسرار الكون، وفي نظري هي التجسيد الحي للجمال البشري وينبوع الحب والحنان بصفاتها كأم وكزوجة وبدورها التاريخي الذي صنعته عبر التاريخ في بناء المجتمع الإنساني وهي فوق كل ذلك، مخلوق جميل لذاته ودون تبرير، لأن هذا يمثل الحقيقة. أحب رسم المرأة وأعطيها دوراً هاماً في أعمالي لكل هذه الأسباب، ولأنني أتقن رسمها وبسهولة وأحسن التصرف في كتلتها وصورتها وأوفق في إجراء الكثير من التعديلات وفق وظيفتها في الصورة وتبقى جميلة ومدهشة، وتقوم بدورها في اللوحة أو التمثال بشكل ممتاز ولها وقع حسن على المتفرج، ورغم أنني أرسم المرأة كثيراً فأنني لا أقدمها كمادة للمتعة أو لفت النظر فهي تقوم في أعمالي بدور رئيسي وليس لها أية وظيفة تزينية، للمرأة في أعمالي وظائف عديدة يفرضها العمل والفكرة .
{ مالذي يحدد نجاح وابراز بصمة الفنانة التشكيلية يسرى كويش؟
-اللوحة عندي هي طرح سؤال أو إجابة على سؤال من وجهة نظر شخصية اعتقد أنها موضوعية وإيجابية هي درس في زمن ولادتها بالنظر إلى الظرف المحيط ،أما مسألة الاستمتاع باللوحة فهي رهن بقدرتها على التجدد والقراءة الجديدة وهي أيضاً مسألة تعود على الصيغة الشخصية لعمل كل فنان وأسلوبه في الطرح ، يوجد خط عام يربط بين الاعمال إلا أن الموضوعات تتغير مع الزمن وكذلك أسلوب التنفيذ وأيضاً لهجة الفنان من خلال خطابه الفني..انا لا أبحث عن الغموض ولكن قليلاً منه ينعش العقل الخامل. وأسمي اللوحة عندئذ كلوحة ذكية لأنها مثيرة للتساؤل تستدرج المتلقي إلى البحث والتفكير في هدفها وفي تقنية صنعها، وفي كنهها وربما في هدفها، وإذا كما تركنا أعمال الفن التي ترتبط بالمدارس التي لا غموض يذكر فيها فالواقعية وما بعد الواقعية ولا انطباعية وقبل هذه وشكل الفن الكلاسيكي، فإن الكثير من الأعمال المعاصرة، ومن موجة ما بعد الفن المعاصر تتصف بالغموض إلى هذه الدرجة أو تلك وهذا يرتبط بطبيعة الفهم المعاصر عند الفنان للعمل الفني الذي ينتج في إطار تلك الاتجاهات لكنني لست مع الفن الذي يبحث عن الغموض لذاته، لأنني أؤمن بأن للفن هدفاً يجب أن يكون مفهوماً إلى درجة من الدرجات التي يقدرها الفنان وتستوجبها الوظيفة التربوية والتوجيهية للفن، ولا اعتقد أن الفن العابث يؤمن بهذه المقولات، لذا كثيراً ما يقع في أزمات متعددة الأشكال مع جمهوره.. أنني اعتقد أن جميع أعمالي واقعية مع بعض اللمسات الخيالية وهي تمتد إلى شكل من أشكال التجريد الذي طورته عبر ثلاث عقود تقريباً ولا أرسم من أحلام مزعجة ولا استند إليها، فلدي عقل ناقد إلى أبعد الحدود، ونزق أحياناً وصريح ولا يقبل الكذب ولا التدجيل، وكلاهما احتقره وأحب نقد الواقع بصورة جارحة وأحياناً كثيرة ساخرة وأعتقد أننا يمكننا دائماً أن نصل إلى وضع أفضل كيف ومتى؟ في المجتمع قوى متصارعة ذات مقاصد متناقضة بعضها خيّر والآخر شر .
{ ما لذي ستضيفه المرأة التشكيلية للفن التشكيلي باعتبارها انثى مقارنة مع الرجل ؟
– لا يمكن على صعيد الواقع والاحاسيس والمعايشة تجزأ المجتمع. فالانسان كل انسان رجلا كان أم أنثى ، له منظومة فلسفية يستند اليها قد لا يستطيع ان ينظرها مثل الفلاسفة والمفكرين، ولكن كل انسان عنده منظومة فكرية وثقافية ودينية متكاملة لا اقول انها صحيحة او خطأ، لا اقول انها جميلة او قبيحة، ولكن على ارض الواقع كل واحد منا يمتلك هذه الخلفية الفكرية الروحية وهذه الرؤية تتطور وتنتكس حسب استعدادات حتمية بيولوجية او قسم منها اكتسابية وقسم منها تأملية. وبالمناسبة التأمل ليس من خاصية الفنانين والفلاسفة والشعراء والمفكرين، بل كل انسان عندما يجلس مع نفسه تراه يفكر ويتأمل ويصل الى نتائج … ولو تعمقت في تاريخ الاديان السماوية لوجدت هذا المعنى ولوجدت شيئا اخر وهو ان ما نعتبره تخلفا وانتكاسا في الفكر الانساني في بداياته الاولى نحو فهم الكون والوجود والطبيعة تجده في كثير من الاحيان هو اثبت علميا ويلتقي مع اخر نظريات الكون والفيزياء ولا سيما اذا احسنا التعامل مع الاسلوب التأويلي في الفهم المعرفي! ويبدو هذا الشيء عجيبا نوعا ما ولكن من جهة اخرى ينبغي على الانسان ان لا يستهين بالفكر وان لا يقع بإشكالية الفصل بين الجنسين وهو الغرور في انهم يحملون فكرا ووعيا والاخرون جهلاء.
{ نلت جوائز كثيرة ماذا تعني لك وماهي ابرزها ؟ ماهي اقرب المدارس لديكِ؟
– لا تعني بالشيء الكثير ولا أعول عليها ، المهم بالنسبة لي هي حجم ما أريد أن أعبر عنه من فكر أو رسائل أنطلق بها من خلال لوحاتي والواني ، وجائزتي الأكبر هي حين أرى تفاعل المتلقي مع لوحاتي .
أعمالي تتجه الى المدرسة التجريدية لأنني أجدها فيها عمقاً من الأفكار و البحث و الابتكار كما أنني تأثرت بدراستي من أساتذتي حيث درست و تخرجت في معهد الفنون الجميلة درست مع الأستاذ سالم الدباغ والأستاذ حمكت العزاوي والست مهين الصراف في الرسم الزيتي و فن الكرافيك و غيرهم من الأساتذة الكبار الذين لهم الفضل علي في توجيهي أثناء دراستي حيث بدأت في دراسة رسم من الواقع أشخاص و طبيعة …..ثم أنتقلت في دراستي للفن التجريدي حيث وجدت أهمية الفكرة و البحث و التنوع و الابتكار هي رؤية تبحث عن التجديد.
أعمالي نابعة من المحيط الانساني الذي نعيشه و نتأثر به فمثلا لوحاتي دائما ادعو فيها الى الأمل و التفاؤل مهما كانت الظروف قاسية أنه اذا أغلق باب ما في وجهنا ربنا الأكرم يفتح لنا 99 بابا و علينا أن نركز على الأبواب المفتوحة دائما الايمان و الأمل معا للتفاؤل
{ ماهي الرسالة التي يحملها فنكِ التشكيلي؟ هل انصفك النقاد على لوحاتكِ ورسوماتكِ؟ – الرسم بالنسبة لي هو توق انساني للتعبير عن الذات والتعبير عن فكرة يؤمن بها الانسان او فكرة تتلبسه بصورة لا يستطيع منها فكاكا او انفلاتا وكما ذكرت وسأذكر ان الاحاسيس الانسانية والتوق الانساني ورحلة الانسان في هذا الوجود تنبع من منابع مشتركة في داخل الانسان. بالنسبة لي شخصيا انا لا اتخلى عن اي خصوصية من خصوصياتي وانا اقوم بأي عمل من أعمالي التشكيلية ففي جميعها احاول ان اعبر عن مكنوناتي الفكرية والتأملية والفلسفية والدينية لذلك فمعظم لوحاتي تنبع من التجربة المختزنة في وعي ولا وعي عبر العقود الطويلة. ما يصبو اليه كل فنان يريد به ان يوصل احساسه وتفاقماته الذوقية للناس بكل جمالية، لان هذه الصفة لا تتوفر عند الانسان العادي فترى الفنان التشكيلي او مهندس الديكور هو يمتلك شاعرية، احاول ان اعطي فنا وإنسانية وحباً وسلاماً في لوحاتي , مع احترامي للنقاد في الفن التشكيلي و آراؤهم الا أن علي أن أذكر أن الفن لا يقيم مثل العلوم و الرياضيات 1+1=2 …لكن يقيم و يقدر كمضمون الأفكار الجديدة و الأسلوب و التجارب و التقنية في العمل الفني بألوانه وتعامل الفنان مع الفكرة و المواد واختراق المألوف العادي الى الابداع الجديد و الصيغة الجديدة للأفكار في ألوان و تقنية فنية جيدة و جديدة و ان لم يكن الفنان التشكيلي مبدعاً ومبتكراً سيقع في مفهوم ( الحرفي) وليس كفنان مبدع و يوجد فرق كبير بين الحرفي الذي يتقن عمله اليدوي و ينجزه على تيرة معتاد عليها بدون تطور وابداع و بين الفنان المبدع الذي يخوض في تجارب و بحث وصيغة ابداعية خارقة لما تعود عليه الناس ،أن مهمة الناقد هي مهمة تنويرية وتثقيفية تتناول أعمال الفن بالتحليل والتقويم وفق معايير وأسس محددة ولا يوجد ثمن يقدم للناقد لقاء عمله إلا ما نسمعه أحياناً عن سقطات البعض، لكنني اعتقد زكماً في أوروبا يجب أن يقدم جهة رسمية ما أو مؤسسة فنية أو إعلامية أجراً مجزياً للناقد كي يعمل بتجرد ويقدم كل ما يستطيع من خبرة في مجال النقد معها. بهدف تبني آراءه، أن النقد الفني يحتاج إلى متابعة مثمرة لحركة الفن الثقافية منها والتجارية، ويحتاج هذا إلى مراجع ومشاركة في مؤتمرات وندوات، ويجب أن يرشح لحضور معارض داخلية وخارجية والمشاركة في التحكيم.. وكل هذا لا وجــــــــــــود له في العراق ..
{ كلمة اخيرة قبل اسدال الستار
– أقول أن الفن هو ابداع و بحث مستمر للتجدد و الفنان هو انسان يعبر بعمله الفني بثقافته وابداعه المعاصر في وقته وزمانه ومكانه .
























