قراءة في ديوان أنا والعكس صحيح.. البحث عن شجرة الحياة

قراءة في ديوان أنا والعكس صحيح..  البحث عن شجرة الحياة

ناظم ناصر القريشي

الكلمات تنوح كالقصب و القصب ينوح كالريح و كأن الريح هي القصيدة ، وكأن سومر هي أول الزمان ، وكأن الكلمات تخبئ خلفها كلمات أخرى وتطوي معاني وتقاويم قديمة ؛ تقاويم قمرية لسموات هي الأخرى قديمة ، تبدأ مع أول حرف على الطين دون فيه الشاعر تأملاته الفضية ، وحدها القرابين تضيء والكلمات عندما يقف الشاعر على تلته القمرية باحثا عن قيثارته السومرية

فالقصيدة لديه تبدأ من هناك من أور من تلته القمرية حتى وهو في غربته يبحث عن قيثارته الأثيرة و الشجية ، لذا ترى وجه الحضارة ينعكس على ذاته وقسمات وجهه السومري

ربما راودته نفس الأحلام التي راودت كلكامش الباحث عن الخلود فدون هواجسه على الورق كلمات تسري في نسغ القصيدة لتشكل ملامح تكوينها الأول في زمنها المطلق ،جاعلا منها شجرة الحياة ، هنا الأساطير لا تنتهي لكن تدون نفسها من جديد ؛ فيجعل الشاعر الكلمات الجامحة تدور في سمائه

يقول الشاعر شوقي عبد الأمير ( الشعر العراقيّ وليد أبوّة القربان وأمومة القيثارة )

هذا ما دونه في ديوانه ( انا والعكس صحيح ) أن هذا العنوان المخاتل والمشاكس والعاكس للضوء والمعاني كالمرايا ، فاذا أحلناه الى تاريخ الشاعر و قصائده سنجد العنوان سيكشف عن معناه الحقيقي فيكون ( انا كلكامش والعكس صحيح ) أو ( انا الملحمة والعكس صحيح ) أو( انا القصيدة والعكس صحيح ) فرغم القلق الذي رافقه طويلا ، اذ جعل كلماته تمور في أسفاره البعيدة ، متجاوزا التسلسل الزمني في خلق أسطورته الشعرية من جديد ، الأسطورة ليست وهما تاريخيا بقدر ما هي ابتكار للخيال الأنساني و المتأمل لشاعرية شوقي عبد الأمير سيجد ان لغته ذاهبة نحو الأسطورة ، بقصدية واعية مستندة الى الخيال فالشاعر يؤسس مقترباً لها مع أسلوبه التعبيري ، ومحاولته إخضاع القصيدة، وجعلها طبق الأصل لسفر حياته و بالتقارب الشاعري بين الشكل و المضمون

فهي منبثقة من ضوء القمر تجسد رؤيا قلقة لملحمة استثنائية لوطن كان قابلا للتغيير و أصبح قابلا للكسر يبحث عن الأنعتاق النهائي في الموت ليولد من جديد ، وهل جديد بعد الموت ؟ ففي قصيدة (موتُ النشيد بين زَقُّورة أُور وساحة التحرير ) تنفتح على هذا المشهد الملحمي الذي ترافقه إيقاعات حزينة كأننا ذاهبون الى زوال كأشعة الشمس الغاربة ، كل شيء يبدو متناثر و مفتوح و غير مقيد ، و الشاعر على قيد الانتظار لعل الريح تهدأ والقصب يكف عن النواح

نحنُ الراحلينَ عن بلادٍ بين نهرين

رُعاةَ الإكسير

الهالكينَ على أرصفةِ القوافي

المُزدهينَ بأرديةِ المطلقِ والعراء

المعلَّقينَ من الحناجرِ بأشعةِ الشمسِ الغاربة

ان تعدد مراكز الحدث الشعري لدى الشاعر يجسد ما تتعاكس به الرموز مع دلالاتها ومدلولاتها سواء كانت فكرية او فلسفية او تاريخية وحتى الميثلوجية و امتداداتها في التأويل لتخلق توافقها في الصورة الشعرية ، محرره المعاني في اللامحدود من الفكرة فهو على محاور عدة فالشاعر قدم لنا الكثير من الاحتمالات ، مجسداً حالات متعددة فنجده مرة الباحث عن زمنه المفقود ، و نجده أيضا يستكشف غربته في منفاه وعينه على سومر ، ونراه كثير ككلكامش ، لكن في بحثه عن المطلق نجده كسيزيف الذي يسري في دمه و أفكاره حجر

المدفونينَ في أسرَّةٍ كالأرضِ الموعودة

عناقيدَ المرارات

وأقداحَ الغيابِ

سلالةَ النشيد الرافديني،

الذي يموتُ بين أيدينا الآن

نحنُ؛

منذ ترنيمة معبد كيش و النشيد الرافديني بموسيقاه السومرية المقدسة هو نشيد الحياة هنا حيث نشأت الحضارة و استمرت الحياة

الليلةَ

نُنزلِهُ من أعلى الزقُّورة

في أور،

حيث غَسَلتْ الكاهنةُ/ القابلة

أطرافَهُ وجبينَهُ بالأشعةِ القمرية

عند الولادة

بعدما تركتْ رأسَهُ

يتدلَّ إلى الأرض

ورفعَتْ قدميهِ إلى السماء

كعادةِ الأمّهات في سومر،

هناك من الشرفة المطلّةِ

على شواطئ البحر الجنوبيّ

التي لم يبقَ منها

إلا الملح، الزبد المتحجّر

سأُعيدُ صَرخةَ الإله إنكي بوجهِ الغراب؛

المدهش هنا ليست الكلمات التي تعلن عن ولادة الشاعر او القصيدة و لكن تدفق الصور و الأفكار عبر نسغ القصيدة و انتظام انساق بنيتها الشعرية الأبداعية و الأداء التعبيري ، فشاعرية شوقي عبد الأمير تكمن في تشكيله تكوينات بصرية أخاذة باسترجاعات زمنية تمزج بين الصورة البصرية والصورة الشعرية ، فكل مقطع يأتي على نحو متصل بالآخر في تناغم مثالي بين عناصره المتفاعلة عبر إيقاعات القصيدة وبنائها الداخلي، و من خلال توظيف الشاعر للانزياحات و ما تمثله من دلالات و إيحاءات من أجل توصيل حالات ذهنية بلغة مرئية .

فتشعر انه يستطيع أن يمضي أبعد مما وصل إليه في تكوين ملحمته و أسطورته الخاصة

إن لغة الشاعر شوقي عبد الأمير في ديونه ( انا والعكس صحيح ) تتماثل تماما مع تأريخه الطويل و تطور تجربته الشعرية و إرثه التاريخي والحضاري الضارب في القدم ومرجعياته المعرفية و الثقافية ، و هاجسه الأسمى بكونية القصيدة و إدراكه لمعنى الشعر و الإحساس بنشوة الجمال فحرص على أن تكون شجرة قصائده تثمر في أوانها ، فهي تشعرك بأنه يمنحها إبداعه و روحه كذلك،فيقول شوقي في قصيدة الأنا والقصيدة

الأنا

خزائني مليئة بالطيور.

على أبوابها يحتشد صانعو الفتنة والفَتك

ويُطرد المريدون والأبطال

حيث العشق ثمرٌ ينضج قبل الأوان

والوقت ليلُ قطاف.

مقفلةٌ مثل جسد،

أفتحُها للنجوم تتمرّغ في وحله

وللسماء

تعلو في خيط بين أنامله

فللكلمات طاقتها و خاصيتها الروحية، و الشاعر هو الباحث في سرائرها عن كائناته، وعوالمه ، فيعرف كيف يطوعها ويجعلها تستجيب لنسق قصيدته ، و تجسد العاطفة والانفعال والفكرة، وكيف يتصل هذا كله بذهن المتلقي ويؤثر عليه و يجعله يشعر و يفهم ويكون شراكه حقيقية مع القصيدة ،حتى لو لم يكن يؤمن ، فهذا ما ينبغي أن يكونه عليه الشعر

والقصيدة

أجمعُ الأصدافَ والشواطئ والحوريات

وأدلُقُ لساني بوجه البحر

ثم أكتبُ قصيدتي

أن المسافة بين الخيال الأبداعي والتدوين هي ما يجسد الفكر

الخلاق للشاعر ، فالشعر الحقيقي لا يصدر ألا عن شاعر

حقيقي صاحب موهبة فذة وخيال أبداعي خصب ونشيط يملأ

مساحة الفراغ بين النص والمتلقي بكثافة الاحساس وروعة

التصوير ويجيد صنعة الأدب

الشاعر

يتربَّع على سجّادة الكائنات

مُستغرقاً في أعماق

لم يُدركها بعد،

المكانُ أوراقٌ قَرأها

تتناثرُ من حوله

كأسُهُ طُوفانُهُ

العناصرُ لعبتُهُ

يَلهُو بها في حدائقَ ومعابدَ

يبتكرُها،

الرياحُ والمحيطاتُ والجبالُ

أوشحةٌ يأتزرُ بها

هنا يذكرنا بالشاعر الصيني”لوتشي” الذي جعله” أرشيبالد مكليش” في كتابه “الشعر والتجربة” رائده لمعرفة الشعر . حيث يقول لوتشي : يجلس الشاعر على محور الأشياء، و يتأمل في سر الكون ويغذي عواطفه بمآثر الماضي. ثم يتنهد لمرور الزمن ،إذ يتقلب مع الفصول.ويعاني من البرودة وقلبه مفعم بالرهبة. فإذا اطمأنت روحه ، رمى بالكتب بعيداً، وتناول ريشته ليعبر عن نفسه بالكلمات.

فيقول الشاعر شوقي عبد الأمير في قصيدة هذه غيمتي

أنا اللحظةُ الراهنةُ والرهينةُ

أُعلِّق الكلماتِ

خَلاخلَ أعراسٍ مُدوِّية

ان الناظر الى شاعرية الشاعر شوقي عبد الأمير سيجد ان روحه هائمة في أفق القصيدة يعرضها كما هي و ان فضائه الشعري زمن مطلق تنساب اللغة فيه كالنهر ، لغة تكوينية متدفقة كالموجات تنبثق الأفكار من خلالها ، تتحول من لغة صوفية الى لغة مرئية تتشكل أحيانا كالحلم يحاول الشاعر ان يجسده بالكلمات فهو رهين لحظته الشعرية

**************

ديوان انا والعكس صحيح ، شعر : شوقي عبد الأمير ، دار الغاوون للنشر والتوزيع ، بيروت 2012