كجه جي تطرح بسمتها في سواقي القلوب -1-
عرقنة النص السردي
دخضر عواد الخزاعي
من عتبات النص الاولى/العنوان والاستهلال، يكتشف القارىء لرواية(سواقي القلوب) للروائية والاعلامية العراقية المغتربة انعام كجه جي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2005 . انه ازاء نص وجداني عاطفي يلامس ضفاف الحواس بتؤدة، وينساح مثل نفحة عطر قديمة، في دهاليز ومسارب الذاكرة، فلا يغادرها إلا بعد ان يترك فيها الكثير الكثير من أشياءه/مفردة شعبية محببة /اغنية تراثية /معنى مبطن / وكم غزير من الحنين والدموع.
ورواية (سواقي القلوب) هو النص السردي الثاني للروائية انعام بعد كتابها الأول لورنا1998 وهو من كتب السيرة الذاتية. ولقد اختطت الكاتبة لنفسها اسلوبا ادبيا في كتابة السرد (السيروائي)يعتمد الحكائية، والسرد في كتابة الرواية، جعلها تمتلك تلك البصمة السردية التي تميزها عن الاخرين، من خلال تناولها لموضوعة الانسان، من الزاوية التي يسميها ميلان كونديرا(استكشاف الحياة الداخلية للانسان)بطريقة سردية، يمتزج فيها المزاج مع اللغة، ليؤلف نصا سمته المميزة بالنسبة للقارىء والناقد هو الـ Iraqization)) أو (العرقنة) بما توفره له الكاتبة، من خصوصية محلية، تجتمع فيها المفردة، والمزاج، وطبيعة الشخصية، وهذا ما سنتطرق اليه ضمن قراءتنا وتحليلنا لهذا النص. مع ملاحظة مهمة وهي اشبه بالمفارقة،ان تتقمص الروائية شخصية السارد الذكوري، وتمارس هيمنتها على النص بسلطة ذكورية، وهذا ما سنفرد له بحثا خاصا، بالمقارنة مع تجارب روائية نسائية اخرى، في عالمنا العربي.ليس مصادفة أن تعنون الكاتبة روايتها بـ(سواقي القلوب) فهذه اللفظة العراقية المرادفة الى المفردة المحلية (الگلوب سواجي)هي الاقرب حميمية الى النفس العراقية، في تقاسم هموم الحياة وشظف العيش مع الاخر الذي يشاطرنا إياها.
تجل اعظم
فـ(سواقي القلوب) أو (الگلوب سواجي) كما يبدع فيها العراقيون، تعتبر التجلي الاعظم، لتمثيل العلاقة المفتوحة مع الاخر، بلا مقدمات واشتراطات، لإضفاء طابع التماثل والديمومة، في علاقة ربما تفرضها الصدفة، كما في علاقات البطل/السارد في هذه الرواية، مع كاشانية، وزمزم، وسراب وساري/ساره فيما بعد.
لذلك تتحول المفردة الى كلمة ثيمية نقرأها في أكثر من موضع.
المرة الاولى تطلقها سراب، التي يتعرف عليها البطل/السارد من خلال الاديب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، الذي يقدمها له على انها(عراقية حلوة،مثقفة، وحرة)بينما يحذره المغربي الباهي محمد من الاقتراب منها لانها(تختفي مثل السراب) وهو ما يخلق الانطباع الاول عن شخصية سراب، الاحساس بالانتعاش الخفيف، والذي يمهد الطريق لأن تكون اللفظة سالكة ومعبرة عن هذا التلاقي. حين تصف سراب العلاقة بينهما، على انها وصلت لطريق من الانسجام والتماهي بين ذاتيهما الى درجة التخاطر(ألا تعرف ان القلوب سواقي … تتناءى ثم تتلاقى وتصب في مجرى واحد) ومرة ثانية تطلقها كاشانية، كنز الحزن المطمور كما يسميها البطل، والمرأة المجربة، في معرض حديثها معه، بما يشبه النبوءة التي تنطلق في وقتها المناسب، من شفاه نسائنا المبتسمات أو المبتئسات، في حديث اللوعة والقلوب المفطومة على الاسى الدفين(ألم تسمع بأنَّ القلوب سواقٍ).
ومرة اخيرة على لسان البطل نفسه وهو يحاول جاهدا اطفاء نار الوحشة (ورفعت كأسي لأشرب نخب سواقي القلوب). فيما يبدأ النص باستهلال أشبه ما يكون بدعوة مفتوحة لذرف الدموع، أو تبرير انسكابها(أي أحمق، جلف القلب،ذلك الذي قرر أنَّ الرجال لا يبكون؟).وهو اشبه بالتقدمه لما تحمله روح الشخصية الرئيسية في الرواية/السارد.الذي آثر الاحتماء بالاخرين وان يجعل من حياتهم امتداداً لحياته، أو أن يجعل من منعطفات حياة الاخرين، اضاءات تنير للقارىء ماخفي من حياته، أو ما يريد هو أن يقدمه للقارىء، بطريقة متدرجة، تتفاعل مع الاخر والاحداث/الافعال. حسب نوعية ذلك الحدث والشخصية، فحين يتطور الفعل المؤثر، ليستجلي الكامن في أعماق روحه المتفاعلة مع تلك اللحظة، والمستدرجة لها، تأخذ المفردات صيغ أكثر حديّة(أيُّ قواد ذاك الذي حكم أن الرجال لا يبكون).
ومن الارسترسال في الاستهلال أيضا، نتعرف أكثر على سر العلاقة بين العنوان(سواقي القلوب) واستخدام المفردة العراقية، المعبرة عن الواقع العراقي في أفجع صوره.
تتشكل رواية (سواقي القلوب) من عدة عناصر هي:1- السيرة الذاتية 2- الوثيقة 3- المسرحية 4- الفلم السينمائي5-الرسائل 6- الكلمات.
وبما ان القصة أي قصة هي نتاح لمجموعة وظائف كما هي عند رولان بارت فإن لكل عنصر من هذه العناصر وظيفته، التي تتشكل بدورها من مجموعة من الوحدات الرئيسية المؤلفة لبنية النص وهي : تاريخ شخصي كما عند كاشانية. وسراب. عوامل اجتماعية وسيكولوجية ضاغطة داخلية وخارجية، كما في شخصية البطل وزمزم وساري/سارة. واخرى تتشكل من وحدات ثانوية اساسها الخطاب مثل :السرد والحوار والحوار الداخلي/المونولوج.وهي هنا من اختصاص السارد العليم/الشخصية الرئيسية.بالاضافة الى اللغة والدالات.واستنادا الى هذه العناصرعمدت الروائية الى تفكيك نصها السردي، الى مجموعة قصص، تجمعها ثيمة مشتركة واحدة هي (Nostalgia ) الحنين المفرط الى الماضي، والخوف من عدم امكانية العودة الى ماكان. وعبرت عن ذلك بما اسمته بـ(حمامات الحنين) في أكثر من مكان في النص.
وكانت هذه القصص أو الخطوط كما يسميها ميلان كونديرا التي تمثل مستويات أو طبقات النص مرتبطة بأشخاص بذاتهم كما في:
كاشانية : التي تبدأ من الصفر، في سرد سيرتها الذاتية، والتي ليس لها علاقة بسيَّر الاخرين، وبقالب قصصي أقرب الى الحكائي(اسمي كاشانية بنت الصائغ ميساك سمَّاقيان . جاءت أمي الى الموصل مع شقيقتي الكبرى ناجيتين من مذبحة الأرمن التي راح فيها أبي وشقيقاي وبقية أهلي)وبطريقة عفوية وبدون ترتيب مسبق وتلبية لالحاح زمزم لحاجته الى هذا النوع من القصص السيَّري، تقدم كاشانية حياتها بطريقة مفتوحة فيها الكثير من الصدق، دون الاهتمام الى الطريقة التي ستصل بها رسالتها الى الاخرين، فليس كل عفوي بالضرورة أن يكون أصيلا على حد قول بارت،لكن المؤكد ان الاخرين سيعيدون ماتقوله بطريقة مثقلة ومزركشة برسائل لم تردها.
كفة السرد
ولاتترك الروائية، كاشانية تدير كفة السرد بطريقتها، أو تسترسل معها في الحكي (فجأة تنتابها موجة من ضحك هستيري يدمع عينيها) على ملمح صغير من القص، حول الطريقة التي يتم فيها تناول القربان اليوم. فتعمد الروائية الى اسلوب القطع السينمائي/Cut . وبلغة واقعية فيها الكثير من الطرافة، تعود كاشانية الى الواقع(ولك ملعون ماذا يفيدك هذا الكلام ؟ولك ليش تريد تصويري بالفديو … قابل أنا تحيَّة كاريوكا؟).ومع السرد الشفاهي لكاشانية، تتكشف الكثير من الوقائع ذات الصلة بالموروث الشعبي العراقي، وبما يتصل به من قيم وتقاليد، كانت سائدة حتى وقت قريب،مثل التعايش السلمي الاجتماعي، بين الطوائف والقوميات المختلفة (تعهدتني وانا بنت أشهر، امرأة موصلية مسلمة تدعى أم شيت، أرضعتني من حليبها وربتني مع ابنائها،شيت ويونس وعقيلة وغزالة وذنون، فلما شببت وصرت أفهم الدنيا، كانت ترسلني الى كنيسة الطاهرة، صباح الاحد،وتعطيني أربعة فلوس لكي اشعل لها شموعا أمام تمثال العذراء، وفاء لنذر قديم لا ينطفىء).وهذه العلاقة التي طرفاها أم شيت المسلمة، وكاشانية الارمنية المسيحية، لاتطرحها الروائية هنا بطريقة مقالية، الغرض منها تعليمي أو تربوي/ارشادي، بقدر ماهو استكشاف لأعماق شخصية كاشانية، أو (إدراك الانا) لإعادة اكتشاف مكانها الحقيقي بعد هذه الحقب من السنين، والطريقة التي عاشت بها، وما ستلعبه من ادوار في هذا النص، لذلك جاء السرد في هذا الجزء من النص، بتداخل خطابي بين السرد بضمير المتكلم، وتداخل هنا وهناك بضمير الغائب.ان التأريخ الشخصي، أو السيرة الذاتية لكاشانية، التي سنكتشف لاحقا انها تحمل الهوية الفرنسية، ولقب كونتسية، بالاضافة الى هويتها الأرمنية الأصيلة وهويتها العراقية، تعمل بالاضافة الى وظيفتها الحكائية والسردية، كعامل محوري، تنطلق من خلاله الروائية في تقديم نصها السردي، ليس كشخصية روائية، بل فضاء مكاني، عندما جعل من شقتها بؤرة مركزية، تنطلق منها الاحداث والحكايات الاخرى(ومثلما كان بيت الخاتون يجمعنا في سهرات السرور،فقد فتحت صاحبته حضنها لأحزان زمزم، وعقدنا عندها مجلس العزاء بأخيه).وتتعدى وظائفها الحكائية، وتوفير المكان، الى ممارسة دور الاخت الكبيرة والناصحة والمراقبة للاخرين، بحرص شديد، كما من ملاحظتها للتغيّرات الخطيرة التي طرأت على سلوك وتصرفات زمزم(أحوال صديقك لاتعجبني، صار مشخوطا وذا لسان زفر)فيما تصر في جانب آخر على تقديم النصح للشخصية الرئيسية/السارد، على الاقتران بسراب قبل وفاتها امتنانا لحبها(أقول لك رح وتزوج بنت الاوادم الراقدة في المستشفى،ولتذهب لملاقاة ربها طاهرة من وسخ الدنيا).وتتوج هذا الاهتمام على ان يتم دفن سراب باقامة المراسم الدينية، فيما تتصدى في موضع آخر أكثر انسانية، على ان تتكفل بكل ما يتعلق من تكاليف نقل جثمان سراب/ساري الى بغداد.وتعود معها بما تبقى من ايامها لتعيشها في ارض العراق المشمسة، ولتحقق امنية زوجها فيليب، الذي تمنى ان يموت ويدفن هناك. علّ روحه تهدأ وترتاح ان دفنت هي هناك.
شخصية زمزم
الشخصية الثانية المهمة في النص، هي شخصية زمزم (حنقباز السماوة) كما يطلق عليه السارد، القادم من البيئة الريفية العراقية، من الفرات الاوسط /السماوة، وهي شخصية تبدو للوهلة الاولى وكأنها شخصية مسطحةFlat Character. ببساطته العفوية في بداية ظهوره(يافتاح يارزاق…بأي وجه أغبر اصطبحنا اليوم لكي تطلع لنا “الثورة”في اللكسمبورغ) تنمو بطريقة سلبية بتفاعلها مع المؤثرات الخارجية لتصل حد القطيعة مع الواقع، رغم الطبيعة الطيبة التي تغلف شخصيته(وهكذا ابتدات صداقتنا، من عبارة نزقة مني وعبارة حبابة منك).والذي يرقص منتشيا ويدق بالاصبع لمرآى سمك الزبيدي، وهو بما يمتلك من مستوى معاشي، توفر له من طبيعة انتمائه العشائري، كواحد من ابناء طبقة الملاكين(لم يكن زمزم ابن عسر،فأبوه الحاج مهيدي يدير متجرا للاجهزة الكهربائية في سوق السماوة،ويملك عدة دكاكين مؤجرة) ودرجة علمية، كونه يحضر للدكتوراه، بالاضافة الى انتمائه الى الحزب الحاكم، و(بخفة دمه الفطرية) يبدو بعيداً كل البعد عن الطريقة التي يعتاش بها باقي افراد المجموعة، والتي هي مزيج من الضغط السيكولوجي Nostalgia والانكسار الروحي والشعور العالي بالخيبة والاحباط. لكن محنته تبدأ مع شطبه من لائحة المبعوثين للدراسة “رقَّنوا قيده” وتوقف الدولة عن دفع منحته المالية، ثم انذاره بضرورة العودة الى الوطن خلال فترة لاتتجاوز الشهرين، وصعوبة وصول أي مساعدة اليه، بسبب ظروف الحرب القائمة مع ايران، مما اضطره للاعتماد على نفسه، ومزاولة اكثر من مهنة، لتدبير معيشته، ثم يحدث الانقلاب الكبير في حياته مع فصله من الحزب، والذي يدخله في دوامة من الضياع والانفصال عن محيطه الذي ينتمي اليه، المجموعة وبيت الخاتون، تقوده الى حالات من الوسواس القهري(Obsessive –compulsive)حين يتخيل أن ريشا أخذ ينبت على جلده. لتتطور فيما بعد الى نوبات من الهلع تطارده في منامه وصحوه(لكن الهلع راح يتملك زمزم، بدأ يحدثني عن اشخاص يراقبونه ويتتبعونه في الطريق ويجلسون قبالته، في عربات المترو، ثم ينزلون وراءه ويختفون في ظلام الازقة).وتبدا مرحلة خطيرة في تحولات مصيره، في مواجهاته المباشرة والسافرة مع رفاق الامس وزملاء الدراسة في الاتحاد، مع شعور صديقه/السارد بالعجز التام عن توفير الحماية له، حتى بعد تأكده من ان مصير صديقه بات معرضاً للخطر، من شقاوات الحزب واجهزته الامنية(كنت أعرف ان بينهم شقاوات اشرارا لن يحتملوه طويلا، وان ساعة تأديبه و”بسطه” بسطة تاريخية …آتية لاريب فيها.ولكني كنت عاجزا عن حمايته،ولا املك وسائل الدفاع عنه).ثم تحدث الفارقة الاهم في حياته عند سماعه بنبأ استشهاد شقيقه الاوسط جمال في الحرب، والتي تكون مدخلا لنوع من المصالحة مع الحزب واركان السفارة العراقية في باريس، حينما يسهلون له مهمة تجديد الجواز والسفر الى الى العراق، للمشاركة في عزاء شقيقه.لكنه في النهاية يصل الى قناعة مؤكدة،(إن باريس صارت موطنـــنا الارحم والماوى الاكثر امانا).

























