تفرّد التجريب والوعي الحياتي.. مدخلات وآراء تؤكد غير المألوف عن محمد الكاظم
كريم جبار الناصري
احتفى نادي السرد باتحاد الأدباء والكتاب في العراق بالقاص والروائي السومري ( محمد الكاظم) للاحتفاء بمنجزه السردي القصصي والروائي الذي حمل الهم العراقي من جراحات ومعاناة المواطن من كل ألوانه .كانت الجلسة يوم السبت 13-8-2016 ، دارها الروائي (أسعد اللامي) الذي أشار الى إن القاص يعد أخطر كاتب قصة قصيرة في العراق وهو من الكتاب المخلصين لفنه إلى حد الذوبان في النص وهو كاتب محلق بطيرانه وبهذا يكمن سر السرد .وأضاف مدير الجلسة ان الكاتب المحتفى به عرف عنه ولعه بالتجريب والمغايرة واستخدام تقنيات مدهشة يوظفها بكل شجاعة في نصوصه المثيرة..ثم قدم سيرة الضيف : هو من تولد الناصرية ، درس آداب اللغة العربية .غادر العراق في التسعينات ،تنقل بين اثني عشر بلدا ،يعمل في الإعلام منذ عشرين عاما ..ونوه عن منجزه السردي حيث ان له خمس مجاميع قصصية (ومنها طواويس زرقاء / 12سبتمبر / وطن عيار 7.62 ملم / لاتقولي لامي إن مير قد وصل ومجموعة تحت الطبع – العرقنامه-) له رواية تحت الطبع ( شارع الأرامل) ..ونال الضيف عدة جوائز محلية وعربية ومنها (جائزة الشارقة الإبداع العربي 2009 و جائزة الروائي الطيب الصالح العالمية 2013 وجائزة الإبداع العراقي عام 2015 )..
شهادة القاص:
قدم الضيف شهادة تعريف تناول فيها دخوله عالم الأدب من خلال الشعر وبعده القصة والرواية ودخوله عالم الإعلام وغربته خارج الوطن واشتغالاته على الإنسان العراقي الذي يمكن ان يكون مادة أدبية إذا استغلها الكاتب بتقنية جيدة وأسلوبية .جاء في شهادة الكاتب : “بدأت شاعرا كغالبية العراقيين ثم توجهت إلى القصة القصيرة وجربت كتابة الرواية. ثم قادتني هذه الشواغل للأعلام ليصبح مهنتي التي أمارسها منذ أكثر من عقدين، لكني شغفي الكبير بقي يتحرك في إطار القصة القصيرة التي أعطتني أكثر مما أعطيتها، فقد منحتني المتعة والتقدير والاحتفاء والأصدقاء والكتب، وأنا ابخل عليها بالوقت الذي تسرقه مني اهتمامات أخر، وصدرت لي خمس مجاميع قصصية، واحدة منها فقط في العراق وواحدة تحت الطبع. عشت في اثني عشر بلدا طوال فترة التسعينات أفدت منها في التعرف على مختلف النماذج البشرية التي تعينني دائما في الكتابة ثم عدت إلى العراق في 2003، لأواصل مشروعي في الكتابة، وكل أعمالي صدرت بعد عام 2003..”
سقوط تمثال
“كنت من الذين شهدوا سقوط تمثال الدكتاتور في ساحة الفردوس عام 2003، وعشت لحظات التحول الكبير كما عاشها جميع العراقيين. وعشت تفاصيل الوجع اليومي، عشت مرارة الحروب والحصارات وشممت رائحة البارود والديناميت والدم المتخثر وديزل القطارات المسائية. اقتربت من الجماجم التي تخرج من المقابر الجماعية لأعرف آخر أحلامها قبل أن تهيل الجرافات عليها التراب، حاورت عوائل ضحايا غاز الخردل واستمعت إلى أنين الجبل وأهات النخل. تحدثت مع السجناء ومقطوعي الأيدي ومصلومي الأذان ومجدوعي الأنوف. سمعت صرخات نساء يفقدن أزواجهن في انفجار السيارات المفخخة.”
“في غرف الغربة كنت احلم بوطن مختلف، وكنت انتظر يوما أصحو فيه على خبر الخلاص، لكن الانتظار طال وتعددت غرف الغربة وتكاثرت أوجه الغرباء ، يساريون ودعاة وقوميين ،شعراء وفنانون ومهربن بشر،حركيون وانقلابون وتوفيقيون وباحثون عن سكن رخيص أو عقد عمل او امرأة فاتها القطار، منظرون وثوريون وصدريون ومجلسيون وشيوعيون .ملكيون وبعثيون وتجار وأفاقين وعشاق صغار وكتاب بالقطعة ومطربين يغنون مقابل ثمن العشاء. ورجال دين شباب يدرسون الأجرومية مقابل صحن عدس..
رأيت مناضلين انطفأ وهج الثورة في عيونهم فدفنوا ارواحهم في البيزنس . ورأيت ثوارا يشعرون بالندم لضياع اعمارهم مقابل هاجس . رأيت حملة نظريات يتعصبون لها لأنهم لا يمتلكون غيرها فحنطوا عقولهم . ورأيت جنابر افكارتبيع بضاعة مغشوشة كما تباع الثياب المستعملة. ورأيت قساة وشرهين وطاهرين وأنصاف انبياء وأولاد بغايا .. كل هؤلاء كان يربطهم حلم بغد مختلف. “
“مرت عليّ خطب وبيانات وتظاهرات ولافتات ورايات ومهرجانات وحفلات تأبين ومهرجانات انتخابية.رأيت الدم يسقي نبتة الكعوب في جمجمال ومررت بباعة ترب الصلاة في الخيمكهî بكربلاء. ورأيت بهجة البصريين بحلول موسم صيد سمك الصبور ..
وملأت رئتي من مسك حضرة علي بن ابي طالب. ولم تستعص علي همهمة المسبحين بالسورانية في باب مسجد الشيخ محمود في السليمانية . واستمعت الى شكوى بنات الناصرية في مقام السيد خضير وهن يتمنين الولد الصالح. كما سمعت شكواهن على تل البنات في الموصل وهن يتخيلن فارسا يرتدي البياض ليتزوجهن. سمعت نجوى نساء باب الشيخ للباز الاشهب. وتحريت أثر ابي حنيفة الذي لم يكن يقبل شهادة من ليس في بيته طحين. وسرت حافيا الى باب الحوائج لأبث موسى بن جعفر اوجاعي ووجع العراق. انحبس صوتي حينما اختطف المجرمون بنات سنجار ليبيعوهن في سوق النخاسة. وعربد الدم في عيوني حينما ذبحوا اشقائي في سبايكر. وعرق جبيني حينما ألقت ام احدهم …شيلتهاî في وجه اعضاء البرلمان واختنقت بحزن الارضين السبع وأنا ارى شبابا يختنقون في الكرادة. ولعنت كل شيء حينما اخرج اهل الخير جثث الاطفال الرضع المتفحمة في حريق مستشفى اليرموك..
كل هذه اللحظات أبطالها من البشر بالطبع، وأنا اكتب باستمرار عن هؤلاء. واعتقد إن كل إنسان عراقي يمكن أن يكون مادة لعمل أدبي لو وجد من يزيل الغبار عنه . ما جرى في العراق – وما يجري- هو خميرة لملايين الأعمال الأدبية. لو استخدمنا الأدوات المناسبة. فهل بعد كل هذا الوجع والدم والدمع والخوف والأنين والصبر تريدينني أن لا أفوز بجائزة ؟ كل عراقي جدير بجائزة كبيرة لتحمله ما لا يطيقه احد غيره. ربما جائزتنا الكبرى كعراقيين هي إن نرى بلدا مستقرأ وآمنا يعيش فيه الإنسان بخير وأمان وكرامة وحرية…”
مداخلات وأوراق نقدية للحضور ..
– شارك بها الأستاذ رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الناقد ناجح المعموري تحدث قائلا: محمد الكاظم ،قاص بارز ومعروف في القص العراقي والعربي وأنا سعيد حيث كنت احد الخبراء الذين فحصوا هذه المجموعة القصصية وكنت متحمسا لها والحضور في احتفاء فوزها بجائزة الدولة.. اعتبر المعموري ان تجربة الكاتب انطوت على الكثير مما هو غير مألوف بالسرد العراقي كما انطوت عى الكثير من ملامح الشفاهية على ماهو غير المألوف في السرد العراقي ، تضمنت مجموعة الكاتب الاخيرة ما يمكن أن نطلق عليه التجريب والشفاهية المخلخلة المضطربة وقصص متناثرة ووضع المتلقي في موضع المشارك في صناعة النص . والمهمة والجوهرية عند الكاتب هي محاولة إدخال شخصيات متنوعة وحيوية يميزها السرد المتمرس والنسق المنضبط والمنسجم مع دائرة التنوع .والكاتب كما يقول المعموري يقدم نصا احتفائيا أي قريبا من المسرح .. يوظف المسرح ليكون سردا واحدا وهذا لا يستطيع أن يتقنه إلا قاص محترف ومتمكن..النص القصصي عند محمد الكاظم انشد بشكل قوي للذاكرة العراقية والمكان مجاورا للزمان ..كما نبه المعموري لقضية المركز والهامش في السرد .مشيدا باشتغالات السارد غير الطبيعية التي تصل بالنص احيانا الى حافة الجنون . ولم يتردد المعموري وهو الكاتب والباحث الرصين من اطلاق صفة المجنون على الكاتب اعجابا بالاشتغال المبدع على تلك النصوص المتفردة.
– الناقد محمد نوار قدم ورقة نقدية عن المجموعة ونوه على : تميزت بالفرادة وجعلت منها موضع اهتمام الدارسين لما فيها من التجريب في تقنيات السرد القصصي. وبورقته استنطق الناقد إحدى نصوص المجموعة وهي(الكديش والحشيش المر ) تناولها من جانب العنوان باعتباره مرجع يتضمن بداخله العلامة والرمز وتكثيف المعنى ونرى فيه قصدية العمل برمته كليا أو جزئيا . لأنه النواة المتحركة التي خاط عليها المؤلف نسيج النص (الكديش والحشيش المر )هو عنوان تماتي أو ثيمائي ،استعاري يحيل على محتوى النص بطريقة رمزية .وأشار إلى المعاني لمفردات السرد ومن ثم إلى حركة السرد في القصة التي تمثلت بثلاث مراحل ولغة النص التي تحمل إشارات صوفية عادة ما يوظفها ويتحدث بها المتصوفة في تجلياتهم الصوفية …
– الناقد علوان السلمان له ورقته النقدية ونأخذ منها :تفردت المجموعة بتنوع مضامينها الاجتماعية والنفسية والعاطفية وتجاوزها القوالب الجاهزة الخالقة لحالة مستفزة للوعي ألذاكراتي لما تحمله من عمق الفكرة التي شكلت نصا(محملا بقدرة لحساسية ) على حد تعبير (هربرت ريد) …إضافة إلى اعتمادها التقصي والاستقراء في معالجة أحداث الواقع ضمن مراقبة مكثفة لحركة وتصرفات الشخوص فتسجل المشاهد اليومية والعلاقات الاجتماعية وهمها الإنساني وتصوير ها للعواطف وكشفها عن صورة المرأة الفاعلة والمتفاعلة اجتماعيا ..ابتداء من العنوان العلامة السيميائية الكاشفة عن أعماق النص وشفراته ومضمونه لما تحمله من ثيمات تعكس رؤية السارد ومواقفه الإنسانية تجاه الوجود .. والدالة على التدرج الفكري المفضي إلى تعدد مستويات السرد لما لرمزية (مير ) في كينونتنا من فعل مجتمعي فهو في العربية يعني أمير أو شيخ قبيلة وفي الفارسية يعني الشخص المتصل بال البيت ..والذي شكل مع الأم والزوجة وحدة دلالية واعية تجسد مقولة 00(غوته) الألماني :” المرأة هي الإناء الوحيد الباقي لنا لنفرغ فيه مثاليتنا “..
– الأستاذ سعد السوداني تناول بقراءته المجموعة باختلافها شكلا ومضمونا عن مجموعات قصصية كثيرة من وجود اشتغالات المؤرخ وقراءة الحدث من وجهة رؤية الأسباب منها – طريق عرض وتبوبيب النصوص والموضوعات التي تناولتها المجموعة التي ترسم صور المشهد العراقي اجتماعيا ،اقتصاديا ،دينيا .. طرح تساؤلات ومن ثم اخذ المجموعة زمنيا من حيث كتابة قصصها .
– الناقد يوسف عبود ورقته بعنوان (الوعي الإبداعي الأدبي في …لا تقولي لامي إن مير لم يصل ) أشار بها : نكشف هذا المفهوم الذي يحيلنا بالنتيجة النهائية إلى حقيقة الحداثة ، إن الوعي الحياتي والوعي الأدبي خطان يجبا أن يسيرا متوازيين حتى تتحقق عملية الانصهار بينهما يجب على المنجز الأدبي أن يواكب حركة تطور الحياة وان يكون جزءا منها مما يتطلب الانتقال السريع إلى التقنيات الحديثة التي صارت جزءا من حياتنا وبما إن الحياة هي النبع الذي ينهل منه المبدع منجزه فهو ملزم أن ينقل أدواته السردية ويغير أنماطها وأساليبها وتناولها ليضمنها هذه التقنيات والتي تشكل خطوة كبيرة وانتقاله لا بد منها في عالم السرد ، سواء كان ذلك في القصة القصيرة أو الأجناس السردية الأخرى .. – الأستاذ حنون مجيد له ورقته التي أكد بها على قدرات الكاتب الفنية التي تجلت عبر تقديمه نموذجا مغاير لكتابة القصص ..عرف بوقت مبكر الطرائق الفنية الحديثة التي يبادر إليها أي قاص لتقديم نصه الجديد ولا تقيده باشتراطات سابقة وهنا لابد أن يكون معزز بثقافات كافية لغة وحضور بارز مع المثقفين وسياسيين وحضور مميز.. إن ما ميز قصص القاص(محمد الكاظم) طلاقتها وانفراجها واللعب على الأشياء المجاورة لموضوعة النص وتكاد تكون هناك امتدادات .كما أنها تتميز بجرأتها على طرح موضوعاتها العابرة ويحيط القاص بها الإيهام والفنتازيا وتعمل مخيلة القاص على الحدث والإيهام والتنقل الموضعي والموضوعي والشخصيات ..وأضاف ، قاص متميز بلغة سليمة خالية من الأغلاط و صوت جاد ومغاير ومغامر وهذا يؤهله ويؤهل أمثاله لتقديم القصة العراقية بمستوى عال …
لم تسنح الفرصة لبعض الأوراق النقدية للتقديم ومنها ورقة الكاتب القاص والمسرحي ( عبد السادة جبار) ..
إذا نحن إزاء قاص جاد وغرائبي في موضوعاته وتجريبي صاحب أسلوب يميزه عن كتاب القصة الآخرين يستحق نيل التكريم ..وتقديرا له ولمنجزه الإبداعي تم تسليمه درع الجواهري للإبداع من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق..
























