هل نحن مخيرون أم مسيرون؟ مصادفات تغيّر وجهة الفرد في الحياة الدنيا
شكيب كاظم
كثيراً ما أسأل نفسي عن المصادفات، أو لعلها المفارقات، التي تكون سبباً في تغيير مسار الفرد في هذه الحياة الدنيا، ترى هل الإنسان مخير أم مسير؟ وهو ما أفاض في البحث فيه الفلاسفة والمتكلمون، فانقسموا إلى قائلين بالجبر، أو إلى قائلين بالقَدَرَ، وهم من عرفوا بفرقتي القدرية والجبرية، وفي رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا حديث طويل عن هذه المسألة المحيرة، وفي الذاكرة كتاب الباحث المصري الرصين الأستاذ عمر الدسوقي الموسوم بـ (أخوان الصفاء) الصادر سنة1947، وهو من مقتنيات المرحوم أبي، فضلاً عن المعتزلة وفي الذاكرة- كذلك- كتاب الباحث العراقي الرصين والمغترب رشيد الخيون الموسوم بـ (مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة – دراسة في نشأته ونظرياته والوجود)، وهو من منشورات دار المدى، الصادرة طبعته الأولى سنة 2008.
هذه المصادفات، أو المفارقات الحياتية، وآراء هذه الفرق الإسلامية، طرأت على ذهني، وأنا استمع إلى حديث الباحث العراقي الكبير عبد الحميد الرشودي، الذي وصفته أنا بـ(ذاكرة العراق) في ندوة الاحتفاء به، التي أقامها (بيت المدى للثقافة والفنون) ضحى يوم الجمعة الأول من تموز 2011، وشارك فيها عدد من الباحثين: سالم الآلوسي والدكتورة نادية غازي العزاوي وزين النقشبندي وشكيب كاظم، فإن لقاء عابراً مع شخص ما غير كل توجهات هذا الباحث الجاد، ولو لم يلتق بأحد معارفه في مكتبة حسين الفلفلي مصادفة، لما توجه عبد الحميد الرشودي لدراسة القانون، هو الشغوف بالأدب واللغة والتراث، فأضاع عليه فرصة نادرة إلا وهي الدراسة في كلية الآداب وبقسم اللغة العربية كي يصقل مواهبه التي فطره الله تعالى عليها، ويزيدها مراناً والقاً، وهو البعيد عن النصوص القانونية الجافة، لكنه يظل يطوي الألم والشوق في ذاته، عسى ان تسنح له فرصة أخرى، فيحقق الأمل الذي أضاعه عليه أحد معارفه (عبد الأمير العكيلي) بنصيحته المجانية تلك، والمجانبة أو بالحري المجانفة لتوجهات ذلك الشاب الأديب الطموح، ولكن حصل ذلك بعد لأي، وفوات زمان، والذي لا يأتي في حينه، كأنه لم يأت، كما حصل لي إذ درست الماجستير في معهد التأريخ العربي للدراسات العليا، وأكملت السنة التحضيرية، وعين موضوع الرسالة عن: أبي بكر بن عياش الأسدي قارئ الكوفة وراوية أخبار العرب، بإشراف الأستاذ الدكتور كامل بعد الرضا الساعدي، وكتبت الرسالة لكني وجدتها جاءت متأخرة جداً، فلم أناقشها، فما جدوى الشهادة وقد ذرفت على الستين، لكني نشرتها في طبعتين الأولى في حمص سنة 2008، والثانية في بغداد سنة 2012، وهذا حسبي وكفى بالله وكيلا، حتى ان أساتذته الذين درسوه تحولوا إلى أصدقاء وزملاء، وكان من أساتذته الراحل الكبير الدكتور كامل مصطفى الشيبي، الذي كان يسميه تلميذي بالإكراه وصديقي بالاختيار.
لقد ندم الأستاذ الرشودي لكن لا ساعة مندم، حينما فرط بتلك الفرصة النادرة، والعمر الإنساني القصير لا يسمح – غالباً- بتصحيح الأخطاء الحياتية، ولأن الفرصة لا تدق بابك ثانية، تشيح بوجهها عنك (وتزعل عليك) ان لم تقبل عرضها، وبودي ان انقل نص حديث الباحث الرشودي: (أنهيت الدراسة الإعدادية عام 1949، وفيه افتتحت كلية الآداب فقررت ان انتسب لهذه الكلية، وكانت لي محطة في سوق السراي، هي مكتبة حسين فلفلي، إذ كان صديق والدي وكنت عندما أمر اقف هناك، وفي هذه الأثناء جاء المرحوم عبد الأمير العكيلي، وكانت بيني وبينه معرفة بسيطة من خلال الكتب التي قرأتها، وعندما سألني في أية كلية تريد ان تدرس؟ فأجبته كلية الآداب، فقال لي انها كلية جديدة لا نعلم ماذا يخبئ لها المستقبل لماذا لا تنتمي إلى كلية الحقوق، فإذا تحب أقدم لك فيها؟ وهكذا دخلت كلية الحقوق مصادفة، وعلى غير رغبة مني، وظل الأدب هاجسي إلى ان فتحت الجامعة المستنصرية فاستغليت هذه الفرصة وانتميت إليها وتخرجت فيها، وحقيقة، أنا سعيد بأن جميع الأساتذة الذين درسوني تحولوا إلى أصدقاء وزملاء، وفي طليعتهم الدكتور كامل مصطفى الشيبي، الذي كان يسميني : تلميذي بالإكراه، وصديقي بالأختيار، وأخيراً أقول: إنني بعد ان أثبتت كلية الآداب مكانتها، وبدأ خريجوها يذهبون للإيفاد، ندمت وكنت أردد مع أبي العلاء المعري:
تقفون والفلك المسخر دائر
وتقدرون وتضحك الأقدار
هذه المصادفة أو المفارقة التي غيرت وجهة حياة الأستاذ عبد الحميد الرشودي، أو آذتها وتركت ظلالها عليها، مثل هذه المصادفة مرت بي وأنا في مفترق الحياة، والتخرج في الثانوية مرحلة حاسمة في حياة الفرد، تخرجت في الثانوية سنة 1964، وبمعدل يؤهلني للقبول في كلية الآداب أو التربية وبقسم اللغة العربية، الذي لا أبدله بأي قسم آخر في الدنيا، وقبلت في قسم اللغة العربية/ كلية الآداب جامعة بغداد، بعد مقابلة مع المسجل العام الدكتور وفيق الخشاب – اسبغ الله شآبيب رحمته على جدثه الطاهر- كان المسجل العام يقابلنا فرداً فرداً، عرض علي كلية التربية قسم اللغة الإنكليزية، إذ حصلت فيها على درجة (68)، وكانت الدرجات أيامنا شحيحة جداً، لكني رجوته قبولي في الآداب وبقسم اللغة العربية، لأني راغب في دراستها، فوافق الرجل رحمه الله، ولأن الوضع المالي للأسرة كان وقتها لا يسمح لي بالدراسة فالأب أحيل إلى التقاعد، ونحن جمهرة أفواه لذا كان لابد من إيجاد منفذ، والبحث عن عمل، وصادف ان قرأت في مجلة (الأسبوع العربي) اللبنانية التي ما زالت تواصل الصدور، إعلاناً من جمعية خيرية بريطانية في لندن، تقدم خدماتها للطلاب الفقراء من دول الشرق والوطن العربي فكتبت إليها وياللمفاجأة، جاءني الجواب على عنوان بيتنا، ولما كنت لا أجيد الإنكليزية، فقد عرضته على صديق من أبناء محلتنا (الشواكة)، كان قد ذهب للدراسة في أمريكا، قرأه، ولبساطتنا ولطيبة ســــريرتنا، وثقــت به، لكن بعد ان عرفت حقيقة الكتاب المرسل إلي بعد حين من الدهر، ربطت بين التغيرات التي طرأت على وجهه وجسده والسيكارة التي بدأت تتلاعب بين شفتيه، وبين خبثه، الذي غير مجرى حياتي للأبد، ولا أدري هل غيرها نحو الأحسن أم نحو الأسوأ؟ قال لي: الكتاب يذكر أنهم قد هيأوا لك مقعداً دراسياً، وما عليك إلا التوجه إلى لندن لغرض الدراسة التي ستكون على نفقتك، ولما أخبرته بأن الإعلان كان يشير إلى ان الدراسة مجانية وعلى حساب هذه الجمعية الخيرية، وأنا لا استطيع توفير مبالغ الدراسة المجانية في بغداد، فكيف أوفرها في لندن؟ أجابني هذا هو فحوى الرسالة التي طويتها على ثقة من صدق هذا الصديق الذي أصبح دكتوراً وأستاذاً جامعياً ثم عميداً لكليته الإدارة والاقتصاد في جامعة البصرة في وقت مضى، ومرت شهور فعينت موظفاً في مصلحة توزيع المنتجات النفطية فرع البصرة، لأجد مستقري في مستودع نفط ناحية العزير جنوبي مدينة العمارة، حيث مسطحات الهور المائية تحيط بها من الجهات الأربع، حصل ان كان معنا موظف بصري رائع نسيت اسمه للأسف لكني ما زلت أتذكر كنيته! أبو عارف، كان قد درس في بريطانيا، ويجيد الإنكليزية، وتذكرت رسالة الجمعية الخيرية، وحدثته بخبرها قرأه لينفجر بوجهي صارخاً لماذا تترك لندن لتأتي هنا في هذه القرية الهورية؟ حيث نحيا في (بنكلة) بناها الإنكليز لمراقبة نهر دجلة أثناء حرب سنة 1941، حيث لا كهرباء ولا ماء صاف ولا…ولا مضيفاً وشارحاً بأسى ممض، لقد هيأوا لك مقعداً دراسياً وعلى حساب الجمعية وما عليك سوى التوجه اليهم… التوجه إلى لندن، التي أضاعها علي (الدكتور م… أ … الهاشمي).
ترى ما هذه المصادفات أو المفارقات الحياتية، التي يقف العقل الإنساني أمام أسرارها، واستكناه فحاويها عاجزاً عن التفسير والتعليل، ماذا لو عرضت رسالتي على شخص آخر؟ ماذا لو أخذتها إلى مكتب للترجمة ولماذا وثقت بهذا كل هذه الثقة، ولم يساورني أدنى شك في صدقه؟ مع ان التغييرات التي طرأت على سحنته كانت كفيلة بجعلي اراجع نفسي، هل كانت هذه مصادفة نحو الأحسن، وهذا ما أحاول أن أقنع به نفسي كي لا… ام نحو الأسوأ…؟! أي سر فيك إني لست أدري؟
























