أنا الملائكة مفردة مهيمنة على المعجم الشعري.. البحث عن الذّات الغائبة

 أنا الملائكة مفردة مهيمنة على المعجم الشعري.. البحث عن الذّات الغائبة

جبار هادي الطائي

لا يختلف اثنان في مقدرة المرأة على الغوص في عوالم الشّعر الجميلة ، ولا سيما انّها تمتلك أدوات البوح التي تمكّنها من التّعبير عن مشاعرها ازاء ما يحيط بها من موجودات محسوسة كانت أم ملموسة لتشكّلها كيفما تشاء ، و تعيد صياغتها بما تمتلكه من أحاسيس مرهفة ، تصبح المفردة بين يديها ، توظّفها وفق مرجعياتها الثقافية و الإبداعيّة و المعرفية و تجربتها الحياتيّة ، تلبسها ثوبا جديداً تارة ، وتزيح عنه الغبار تارة أخرى ، و ان عملها هذا أشبه بعمل النّحات الذي يعيد تشكيل الحجر الخام وفق ما تمليه عليه ذائقته الفنيّة و الإبداعيّة ، أو كعمل الجرّاح حينما يخضع جسد المريض تحت مشرطه ، أما الشّاعرة فمهمتها أعمق من هذا بكثير ، حيث تنقّب عن المفردة المناسبة من بين كم هائل من المفردات تضعها أمامها و تقوم بعد ذلك بمهام متعدّدة ، تستعمل الإزميل تارة ، و المشرط تارة أخرى لترمم المفردة ، و تشكّلها وفق هيأة جديدة تختلف عن هيأتها الأولى لتدبَّ في أوصالها الدّماء ، فتركّب منها جملا شعريّة غاية الرّوعة و الإتقان

أمامي – الآن – قصيدة للشاعرة الرّائدة نازك الملائكة عنوانها ( أنا ) تتكوّن هذه القصيدة من أربعة مقاطع من شعر التّفعيلة اغترفت الشّاعرة موسيقاها من بحر الكامل حيث ارتوت حروفها وهجا من أي ظمأ يذكر ، اعتمدت الشّاعرة فيها على مخارج حروف ( الدال ، و النون ، و الميم ، و الباء) الساكنة الباعثة على الحيرة و التّيه كنهايات لمقاطعها لما في تلك الحروف من جرس يتلاءم مع أجواء الحزن و القلق التي أرادت الشاعرة أن توصلها الى المتلقّي ، مما يعكس الحالة النّفسية للشاعرة

تبدو القصيدة كأنها حواريّة بين الشاعرة و محسوسات تحوّلهما بمقدرتها الإبداعيّة الى كائنات حيّة تبث فيها الرّوح لتتحاور معها ف( الليل يسأل ، و الرّيح تسأل ، و الدّهر يسأل ، و الذّات تسأل ) و الشأعرة تجيب عن تلك الأسئلة حيث ترتدي قناع السّائل تارة ( الليل / الرّيح / الدّهر / الذّات ) للبحث عن ذاتها تارة أخرى من بين تلك الكائنات التي تتحاور معها

تعتمد الشاعرة في قصيدتها على مفردتين تكادان تخيّمان على معجمها الشعري لما لهتين المفردتين من دلالات ، أولهما : ( الليل ) ببعديه اللوني و الزّمني و ما بينهما من أوجاع و أحلام و أوهام ، تمكّنت الشأعرة من الغوص بدواخل تلك المفردة من حيث مدلولاتها الى أن تصل الى مقارنة بينها و بين الليل في وصف دقيق الى حد التلاحم أحدهما مع الآخر فهي ( الليل ) ذاته بما تحمله الكلمة من معان توحي ب( القلق ، و الصّمت ، و السّكون ) ذلك المثلث المهيمن على أجواء الليل مضافا اليه العمق اللوني / السّواد – و الزمني / الإمتداد المُغلق بالظّنون و التّمرّد فهي سر الليل العميق و صمته الذي لا يقف عند زمن بذاته ، وانما هو ممتدٌّ مع القرون :

( الليلُ يسألُ مَن أنا

أنا سرّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ

أنا صمتُهُ المتمرِّدُ

قنّعتُ كنهي باسّكونْ

و لففتُ قلبي بالظّنونْ

و بقيتُ ساهمةً أنا

أرنو و تسألني القرونْ

أنا مَنْ أكونْ )

و ثانيهما : ( الرّيح ) التي تدل على عدم الإستقرار أو الثبوت في مكان محدد ممّا يدلل على حيرتها و استحالة ثبوتها ، و سيرها بلا انتهاء بدلالة ( المنحنى ) الذي يوهم الشّاعرة انّهُ ( خاتمة الشّقاء) الّا انّها تتفاجأ ب( فضاء جديد ) يدعوها الى مواصلة المسير ف ( الشاعرة / الرّيح ) المتداخلان أحدهما مع الآخر و القناع الذي ارتدتهُ الشاعرة يضيف جمالا للصورة التي أرادت رسمها حيث يتشابك الزّمان مع المكان بمنتهى الحرفيّة و الإتقـــــان :

( الرّيحُ تسألُ مَن أنا

أنا روحها الحيران أنكرني الزّمانْ

أنا مثلُها ، في لا مكانْ

نبقى نمرُّ ، و لا بقاءْ

فإذا بلغنا المنحنى

خلناهُ خاتمة الشّقاءْ

فإذا فضاءْ )

و تقف الشاعرة نازك الملائكة في المقطع الثّالث من القصيدة قويّة جبّارة ازاء جبروت الحياة حيمنا يسألها الدّهر ، مَنْ تكونْ ؟ فتتداخل الأزمنة فيما بينها ( الأمس / اليوم / الغد ) و تمتد الى أعماق الماضي تقتلع جذوره لترسم لها غداً جديدا يليق بتطلعاتها و آمالها في الحياة بدلالة ( الأمس الجديد ) الذي تصوغه الشاعرة بنفسها ، و ما تلبث أن تدفن الماضي لتمنحه النّشور مرّة أخرى :

( و الدّهُرُ يسألُ مَن أنا

أنا مثلهُ جبّارة أطوي العصورْ

و أعودُ أمنحها النّشورْ

أنا أخلقُ الماضي البعيدْ

من فتنةِ الأملِ الرّغيدْ

و أعودُ أدفنهُ أنا

لأصوغ لي أمساً جديدْ

غدهُ جليدْ )

و تذوبُ الشّاعرة مع ذاتها الغائبة التي تتحاور معها في المقطع الرابع من القصيدة حيرى محدّقة في الظّلام الّا انّها تُفاجأ بسراب يفصلها عن ذاتها كما تشي بذلك الأفعال ( يظلُّ / أحسب ) فإذا به يتلاشى و يغيب :

( و الذاتُ تسألُ مَن أنا

أنا مثلُها حيرى أحدّقُ في الظّلامْ

أبقى أسائلُ ، و الجوابْ

سيظلُّ يحجبُهُ سرابْ

و أظّلُ أحسبُهُ أنا

فإذا وصلتُ اليهِ ذابْ

و خبا ، و خبا )

لا تخلو قصيدة نازك الملائكة (أنا) من المحسنات البلاغية من جناس ( سكون – ظنون – قرون / جليد – جديد / رغيد – بعيد / جواب – سراب / ذاب – غاب / روح – ريح / ….. ) و جاءت القصيدة مشبّعة بالتشبهات و الإستعارات حيث ارتدت قناع الليل تارة و الرّيح تارة أخرى مما أضاف شيئا من التّأمل و المتعة معا ، أكثرت من الأفعال المضارعة لتعطي الى القصيدة سمة الإستمرارية و هذا ما عهدنا في شعر ( نازك الملائكـــــة )

و هكذا ترسم لنا الشاعرة صورا شعريّة متدفقة طافحة بالعذوبة و الرّومانسيّة مصحوبة بالشّجن الجميل و الرّصانة المعهودة ، حيث يتداخل الزّمان و المكان فيما بينهما ليكونان مزيجا رائعا من الحركة و السّكون و البدايات الغائمة و النّهايات المُحتمة لكل الأشياء ف( الليل و الدّهر ) ببعديهما الزّماني ، و ( الذات والرّيح ) ببعديهما المكاني يكونان نسيجا رائعا من التّلاحم الأبدي ، و مابين الزّمان و المكان تبقى قصائد الشاعرة نازك الملائكة غذاءً روحيّا و متعة شعريّة متفرّدة في زمن تعدّدت فيه الرّوى ، و تشعّبت الأذواق .