جئت متأخراً ورواية الشخصية الواحدة.. سايكولوجية ضياع الذات
كاظم السعيدي
قد جاءت رواية الكاتب (علي الحديثي) زاخرة بقلق الذات وضياعها، والتردد والخوف من مواجهة الآخرين.. وانعدام احترام الزمن ليعانق غياب المواعيد..
ويبدو أن الكاتب انطلق في كتابة روايته ذات الشخصية الواحدة ليسرد لنا دوره في يومياته المتباينة بأحداثها، حيث دوّن يومياته بطريقة دائرية، بحيث عاد إلى النقطة التي انطلق منها، حيث ذكر في (ص5): (لم تكن أول امرأة في حياتي، ولكنها أول امرأة تعلّمني كيف أنطق حروف الحب، لم أكن أعرف أهي تأخّرت عنّي كثيرًا؟ أم هي حلم تأخّرت عنه أنا كعادتي؟).. فمشاعر الحروف لا بد من قلم يلملمها فوق سطور البوح، ومشاعر الرجل هي ذلك القلم الذي إن لم ينحرك تبقى حروفه عوانس، لأنه قلم بلا مداد..
ويسرد الراوي يومياته بلغة الراوي العليم، بلغة حوارية ذات استطراد مختصر موشّى بفلسفة كلامية، كما يظهر فيها الأسى على تهميش الشخصية، حيث ورد في (ص7) : (ولدت مرآةً مهشّمة، كلّ الوجوه ممزقة فيها)، وذكر في (8-9) أحداثا حصلت بمرحلة الطفولة، تحدث فيها عن أخته المعلمة وأخيه الأكبر الذي عبثت بمشاعره بنت الجيران (سهام)، ومزج بين تزامن عواطفه مع لبنى الفتاة التي مسحت على شعره وهو يحتمي بأخته المعلمة، وتحدث بإيجاز عن مرحلة متداخلة بين طفولته المبكرة والمراهقة، لأنه لم يلاحق الفتاة التي أعطته ضوءا أخضر بملاحقتها، حينما مسحت على شعره الجميل، فلو كان مراهقا لداعبت مشاعره بتصرفها، ولقام بملاحقتها..
وفي (ص13) بعنوان “شعر منسدل” هناك قطع في سرد الحكاية، ومملوءة بالرمزية حينما تحدث عن الروح، وتحدث عن شخصية كان والده يصر على تعيينها، وكذلك تحدث عن سطوة أبيه، ثم يعود البطل ليلبس القصة حُلة الجانب السياسي، فيأخذ أخوه وصديقه دور المعارض لنظام صدام..
وفي (ص15) : يذكر شيئا عن الحياة اليومية البسيطة العادية، حيث كتب بلغة مباشرة مستهلكة، ووصف بقليل من الأسى موت أخيه “رزاق”، وقد كان وصفا ضعيفا جدا، ذا بعد نفسي مشوب بالقلق السلبي في سرد الحدث، حينما ذكر (ص18) : (. لم يعد بعدها إلى البيت. مات رزاق).
وذكر الراوي العليم أنه راح يقلد أخته بالصلاة، وادخل مع التقليد حزن أمه وأبيه على وفاة أخيه “رزاق”، وبجمل تقليدية مستهلكة جدا لا تثير القارئ! بحيث كان البطل يعاني من صراع الذات داخل مكون دون معرفة صديق مقرب إليه، ليسبر أغوار حبه ومتاهات مشاعره وآلامه التي لم يطلع عليها أحد، حيث أحبّ “مها” عندما تبادل معها النظرات، فشعر الاثنان بالميل نحو بعضهما، وظلت مشاعرهما مكبوتة إلى أن سافرت “مها” إلى أمريكا، ولم يستطع البوح بحبه لها.. وأتساءل هنا: ما هو سر ذلك القلق؟.. أم هو الصمت المطبق الذي كان يسيطر على البطل الذي كان يعيش حالة من الحلمية وضياع ذاته القلقة غير المتوازنة سايكولوجيا، لقد افتقد البطل الجرأة الأدبية في جميع مجالات حياته اليومية العامة وحصرا الخاصة.. المشوب بقلق الذات وترددها..
وذكر البطل سرد حكايات عن لعبة كرة القدم وعلاقته بأخيه “سامر”، وولعه بكتب شارع المتنبي، وتحدث عن سرّ الحواجز بينه وبين الحبيبة “مها” التي سافرت إلى أمريكا وتركته يعاني ألم الفراق.. ولكن لَمَ لَمْ يبُح لها بحبه؟ أو لم يتحدث عن رجولته، ومما يجول في خاطره من أحاسيس ومشاعر، ليعانق الواقع..
وأكد البطل في فصل بعنوان “أركض بشراهة” أن الجانب السايكلوجي والغيبي والوازع الديني هو الذي يشعره بالاطمئنان في (ص35)، كانه يشعر بقمة الارتياح النفسي عندما يدخل إلى المسجد، حتى وإن دخله أول مرة..
وكذلك يذكر الراوي العليم في أحد عناوين روايته “نصوص من الغيوم” قراءته الفلسفية في كتاب “اللامنتمي” للكاتب “كولن ولسن”، وهنا البطل بدأ يشك مما رآه في المسجد حول أداء الصلاة لشاب صلّى في المسجد أمامه وتعرض للهمس واللمز من قبل بعض المصلين وشيخ المسجد، فولّد لديه معاناة نفسية بالخوف والتردد من أشياء لا يعرفها بشكل مطلق، فهو يريد الوصول للحقيقة، لأنه يعاني القلق والوهم من بعض الأمور..
وكذلك ظل البطل يعيش عملية الصراع بين الحياة الدنيا والحياة الآخروية في اغلب مواقف يوميات روايته، وظل يرتاد المسجد بالرغم من منع والده له خوفا عليه من عيون النظام، فكان يذهب للجامع لقصاء الوقت بالتسبيح والصلاة، ويتزود من متاع الدنيا حبا في الآخرة، فالبطل لا يبحث عن شيء ضاع بداخله، بل هو يبحث عن تفسير سايكلوجي له وحقيقي ليرى الأشياء كما هي..
تجربة تطبيق
وكذلك حينما تحدث البطل تحت عنوان (دفتري بلا أغلفة) وذكر تجربته في التطبيق في المستشفى مع الموظفة الجميلة (مديحة) التي انشرح لها قلبه، ونبض بالحب إحساسه لها، لكنه لم يبُح لها بحبه، إلى أن انتهت فترة التطبيق، ولم يصارحها بحبه، واعتبر نفسه غبيا وشبهها بغباء أفلاطون.. فهنا البطل يشعر بغياب الشجاعة الأدبية، وجرأة الرجولة اللتين تختفيان تحت وطأة التردد والقلق والخوف من ردود الفعل، وظل صدى قصاصة الورقة يعانق وجه “مديحة” بلا ردٍّ منها، ولا متابعة من البطل الخائف من خياله، متدرعا بالصمت العقيم الذي ظل يسبح بخياله، وراح القلق والألم يساور البطل حينما تعلق بحب “مديحة” وظل يحتضنه الخوف وأنين المفجوعين بموتاهم من المرضى، فأدمن على زيارتها بعد انتهاء فترة التطبيق، بالرغم من معاناته وصراعه السايكلوجي المملوء بالعشق، ولكنه غير قادر على البوح، فهو لا يجيد لغة الحديث مع النساء..
كان البطل يتمنى أن يكون مثل أقرانه حينما يراهم كيف يتعاملون مع طالبات المدارس القريبة من معهده، وبنات الجيران.. كان يحسدهم على تلك الروحية المملوءة بالجرأة الأدبية، ويقارنها بروحه الجافة اليابسة، لا حياة فيها، يقتلها الخجل والحياء معا..
ضغط نفسي
وقبل تلك الفترة كان بعيش نحن الضغط النفسي باحثا عن فجوة يفرغ بها معاناته، وأخبرا وجد ضالته عنده الأستاذة “سميرة” عندما أخذت تشجعه كي يبوح بحب “مديحة”، ويكتب قصاصة ورق صغيرة تطرزها حروف خجولة صامتة مكونة من أربعة أحرف تدل على السعادة..(أحبك).. ويهرب بعيدا عن المستشفى..
وفي (ص67) هنا انقلب البطل عن الذهاب للمسجد، واتجه للحياة العبثية، مصمما على تخريب عقول بعض الشباب من روّاد المسجد، لكنه في النهاية يستجيب لرأي صديقه “ضياء” ويعود لسلوكه الديني، فيطرح عليه “ضياء” فكرة الزواج، وبعد فترة يتم زواجه…هكذا كانت خطوات البطل الحذرة بأحداث روايته، تلك القصة المشوشة..
وهناك جانب آخر من حياة البطل اليومية، حيث تعرض لشظف العيش أيام الحصار الاقتصادي، حيث دفعته ظروف الحياة المعاشية إلى العمل في “بسطية” فيرى ناصرة التي تأتي مع أمها، ويمشي خلفها حتى البيت من دون أن يكلمها، كان سجينا للكلمات، مملوءا بالقلق والرعب، ذاتيا غير قادر على التعبير مما يشعر به من أحاسيس ومشاعر تجاه الطرف الآخر..
وتحدث الراوي العليم عن زوجته وعن زواجه المفاجئ، وأن الأفكار تدخل العقل، وأن العقل غير محصن، فالعقل كالبيت يحصنك ولكنه غير محصّن.. وفي (ص83) يذكر البطل الحوار بينه وبين زوجته أمام المرآة، حينما اعتبر أحلامه مقبرة معفّرة بالتراب بأفكارها، ويقف الاثنان أمام المرآة، حيث عاش البطل الوهم، يرى نفسه في المرآة بأنه رجل وهم، وليس رجلاً حقيقيا، لأنه مقيد بأطره الأربعة.. وظل متشبثا بنصوص أفلاطون ومثالياته الأخلاقية التي بنى عليها مدينته الفاضلة..
وظل الراوي العليم يجهل العيش، لأنه مازال دمية تحركه خيوط الماضي، عائدا إلى الوراء.. وكتب البطل في دفتر مذكراته عن “مديحة” التي فقدها، وظل نادما لأنه لم يجرؤ على مصارحتها بحبه لها، برغم أن البطل يتعرض كثيرا لفرص الحب من النساء، لكنه يجهل لغة النساء، لذا بقيت علاقات حبه عقيمة بلا ثمر…
وتعينت مدرّسة جديدة، شابة جميلة جدا، ممشوقة القوام، يسمونها في المدرسة بـ”الغزالة”، بدأت تميل إلى البطل وهو قابع في صومعته (المكتبة)، لكنه مهزوم من الداخل، لا يجيد الحديث مع النساء، فهو ممتلئ بالخوف منهن، وقله قد جفاه الحب، حب مديحة، ولكن القلب بلا حب مثل بيت مهجور، تتراكم فيه الأتربة، وقد تعيث الأرضة في أثاثه.. وهنا البطل معروف عنه في المدرسة بأنه شخصية انعزالية بعض الشيء، يميل للقراءة باستمرار، متخذا من المكتبة مكانا لقضاء وقت الفراغ، وبطريقة الصدفة تتكون له علاقة مع الغزالة، لكنه أيضا يفشل في تخطي حاجز الصمت، لأنه غير قادر أن يحدثها بما يجول في ذهنه، لأن الخوف مزروع بداخله، مخذولا ذاتيا، لا تعرف الجرأة والشجاعة الأدبية طريقا لدواخله، وكلما نما حبه لها ازداد قلقه وخوفه من مستقبل هذا الحب، فالحب حياة، ولكنه موت عند البطل، لأنه لا يستطيع الوقوف بوجه تيار السلطة، لأنه ضعيف ذاتيا.. هنا في الفقرة التالية يشتري علبة سجائر، ويعيش الصراع بينه وبين معاناته من إدمانه على شربها، وحينما خلا له الجو بذهاب زوجته إلى أهلها راح يدخن بإفراط، فهو يعلم أن زوجته لا ترضى بما يفعل…
تجربة عسكرية
وكذلك تحدث الراوي العليم عن تجربته العسكرية، هناك قيد ذاتي يقيد البطل ويمنعه من الكلام حتى مع الرجال أحيانا، يبحث عن لعبة تكون أداة لتفريغ آلامه وحزنه المكبوت، يبحث عن سيف يقتل ماضيه.. في (ص101).
فهو يعيش عملية صراع سايكلوجي مؤلم لاسترجاعات قديمة، وحديثة أحيانا، ونفسه مملوءة بالتراجيديا، كان يرى نفسه في حماية أمه، فهي التي تنصره دائما، وتعتبره مظلوما، حتى وإن تشاجر مع أخوته، وإن كان هو المعتدي، وحينما ماتت أمه فقد الأمان الذاتي الذي عشش بوجود أمه، ولما احتواها الموت فقد كل شيء، فاعتبر الحياة مظلمة بعينيه بعد موت أمه، فلا جمال فيها..
هنا الكاتب يجعل من الحوار مع البطل مدخلاً للسياسة، حيث تحولت الناس إلى بضائع مستهلكة لدى الحكام، ولكنها ليست للبيع بل للقتل.
وفي (ص105) كان الراوي العليم يتوقع حدوث الأشياء، ويستشعر ما يحدث حوله، وظل البطل يبحث عن كيانه بين المجتمع المدرسي، وصار يرتاد المقهى لقضاء الوقت، ودائما يشعر بالضياع، وظلت عملية الصراع بين الوهم والضياع وفقدان الذات، لكنه ظل يحاول الاندماج مع الآخرين من المعلمين معه، فظلت عملية الصراع واختلال التوازن الذاتي معلقة بين افكاره الأفلاطونية وسلوكه الخاص..
لقد أعجبني عنوان (لا مقصلة ولا ماء)، هناك خلل في (أنا) البطل، وهي غياب الجرأة الأدبية للفوز بالفرصة، الكاتب يمسك بفلسفة أفلاطون الأخلاقية، وظل يعاني من صراعاته الداخلية السايكلوجية، ولم يستطع البطل الانتصار على ذاته الضعيفة، وذلك لاختلال توازنه النفسي، لأنه ظل مقيدا صامتا ولم يتحرر من صمته العقيم، وظل يتحول من حبيبة لأخرى بطريقة صامتة، لم يجرؤ على حديث يجريه لا مع مها ولا مع ناصرة ولا مع مديحة، ولا نجح في حب الغزالة التي جاءت إليه برجلها، وظلت تصهل خرج وداخل حظيرتها، ولم يعطها أذنا صاغية لأنه يريد العودة إلى النقطة التي انطلق منها، محتفظا بصمته العقيم، فالرواية كتبت بطريقة دائرية، بحيث عاد البطل إلى النقطة التي انطلق منها، لكنه ظل ممسكا بالخيط السردي برغم معاناته السايكلوجية واختلال توزانه النفسي، ولغة الرواية تكاد تكون لغة تقليدية مستهلكة، حيث تباينت تلك اليوميات، مواطن الضعف وقوة الحدث في تراجيديا الصراع الذاتي…..
تمنياتي للكاتب بعطاء ثرّ.. يرفد به الساحة الثقافية…
{ رواية جئتُ متأخرا / علي الحديثي / دار روايات / الشارقة / الإمارات العربية المتحدة / 2016
























