لوحة تجريد إنموذجاً.. الوظائف الدلالية في حكايات شعرية
ناصر الاسدي
توطئة استثنائية
النقد ليس ترفا إجتماعيا كما يظن البعض وليس انهماما زمنيا وليس محوا للاخربل لم يكن في جوهر قضيته تصفية حساب للجسد لتفاصيل الأنوثة والجمال . النقد أبعد مايكون عن التدنيس بل هو القداسة وصولا للإرتقاء وليس ممكنا أو مباحا أن نزيح غرائزنا على النص بل على صاحب النص ونتأول شبقين بأن هذا النص يشي بذكورية إمراة أو إيروتيكية رجل . النقد لايجنس الحكاية بمنظورها الذكوري أو الأنثوي بل يعتمد إعتمادا مركزيا في دينامية النص . والحكاية نمط اخر من أنماط النص في ديناميته الفاعلة ومدى اكتشاف البعد المورفولوجي لها . ثمة وضائف لا يدركها البعض في رسم ملامح الحكاية الشعرية وقلة الإدارك ذلك يدفع البعض لأن يحمل عصاه الذكورية لمغازلة أي نص نسائي يتحلى بمجاراة النهج العام حين تتحرر الكلمة أو الجملة من إسار رتابتها تجدنا نقوم بجلد شاعرة هنا وهناك ولعل ما يبدو لنا من ملامح تكون قريبة لصور خوائنا الفكري نظن أن هذه الشاعرة او تلك أصبحت مجرد وعاء نطمر فيه مخلفاتنا الغرائزية . والغريب أن الرجل يمارس سلطته على المرأة حتى في أشعارها وهذا تجني كبير . بئس الأمر الذي نحن عليه .الا يكف الرجل عن عنجهية الذكورة العرجاء التي يتبجح بها . صحيح أن النص بظاهره قد يشي بالكثير إذا اعتبرنا أن الشكل مما يثير بأنفسنا شبقا ما أو تصورا بأن هذا النص قد يجنح منحرفا بفعل الضغط ويدفع صاحبته الى أن تثور على التقاليد والاعراف . أضعف المخلوقات من كان يظن أنه قادر على محو بوح المرأة لأن النقد ليس إلغاء ومحوا . وحين يكتب عنها يكتب بما يراه هو على أنها وعاء لا أكثر وإذا صادف أن امراة رفضت هذا التدلال بوصفها سلعة ثار الناقد بوجهها واتهمها بالتكبر . مابالنا نرسم في المخيلة المريضة مانظنه نقدا يجرفنا للإنحراف عن جوهر الحقيقة وغوايتها . النص وحده الذي يحاكم فصاحبه ميت في اعتقاد أهل النقد . المؤلف ميت ينتهي عند عتبته البوح ويكون لزاما على الناقد أن يدرك التجليات الكبرى التي وشى بها النص بل هو دراسة للجوهر واستنباط قيمة المعنى ورصد التجليات الممكنة التي تصاحب مرحلة الفيض الشعري الذي في حقيقته خطاب رفيع القدر .
المقدمة
لاشك أن الشاعرة ( بلقيس خالد ) تمتلك خزينا فطريا صقلته الموهبة العالية وهي تتصدى لتجربة الشعر كونها تمتلك وعيا بتلك الصناعة وهي تمتلك بعدا تكوينيا واستقرائيا فللمرة الثانية أجدني أقف مكتشفا وأنا أرصد تجربة ( بلقيس خالد ) الشعرية أجدني منبهرا بطريقتها في رسم الدوائر اللاانفعالية التي تتشكل منها الحكاية وهو أمر مهم أن تكتشف نوعا اخر من أنواع الحكاية عند ( بلقيس خالد ) يمتاز ببعده الكوني وتدلاله التوافقي . فإذا كانت شهرزاد تبتني حكاياتها على ألف ليلة وليلة فإن ( بلقيس خالد ) قد ولدت الحكاية من رحم تلك الليال لتصنع منها ليالي أخرى كفيلة أن تصنع حكيا يتجلى بأعلى درجة من البوح المزدوج . لقد نجحت ( بلقيس خالد ) في سرد حكاياتها وهي أصعب تجربة يمكن أن نقوم بمحاكمتها نقديا وفق المعايير النقدية واستنادا للممكنات التي وشت بها تجربتها وهي تؤسس لمشروع الحكاية الشعرية عبر النسق التام والجزئي في وظائف إرتكازية وإبراز معالم السرد الشعري في توظيف دقيق للحكاية المحورية وماينزاح من خلالها من صور. وهذا ما لمسته من تجلي في تجربتها لحكاية الشعر وتوظيف السرد في منظومة الشعر يتوافق مع المحددات الإرتكازية واستخدام تقنية الإسترجاء النصي المتوالي وخلق مقاربات دلالية تحاكي البعد المورفولوجي وتؤسس لمنظور الحكاية الشعرية تتبنى سرودا مكثفة وإضاءات جريئة في اعماق الذاكرة .
التجريد أفق غرابة وبوح للذات المتألمة وهو عتمة الليل والتجريد حكاية وانهمام لأطياف متعددة إذا تعذر عليك فهم التجريد من المحتوى الباطني والتشكيل بمستوى الظاهر المتجلي بفتنة اللون وأطيافه المتعددة . تلك نوافذ مشرعة رأتها الشاعرة وهي تحدق في أفق الغرابة ومستوى كل لون ونافذة . وأي إمراة تتجلى انهماماتها من خلال اللون الذي تشي به النافذه وهو استقراء للنفس من خلال اللون إلا من نافذة واحدة لاتحمل طيف لونها لأنها العين المنتظرة التي تنتظر طيف لونها . في حركة اللاانفعال النصي في دينامية الحدث الإفتراضي للسرد بل للبوح المتكامل .( بلقيس خالد ) تقوم بنقل الصورة من شكلانيتها إلى فلسفة تجريدها . تتجرد في أفق الإحتمال وروعة المثال وتؤسس لمنظور شعري اخر يتبنى الوظائف المورفولوجية للحكاية الشعرية .فالسرد الحكائي عند بلقيس مجرد مما نظن أنه هوى حين يختلط علينا تقدير مستويات الخطاب السيميائي .فنخطئ حين نعلن أن هذا البوح من الأنواع التي ممكن أن توجه لأحد وحتى القارئ أو الناقد الذي سال لعابه على شكلانية البوح وراح ثملا يطقطق أصابعه .فالشاعرة تجرد بوحها وتطلقه في غياهب البعد الاخر وينتهي دورها بعيدا عن المحاكمة النصية . والمتبقي المفترض من هوس الشكل تقع مسؤوليته على خبراء التحليل لا على مدعي التأويل الأحادي والإنشطاري . وهي لم تغفل التعامل مع اللون البديل المعادل الموضوعي للون اللوحة ، وفرشاتها تستقرئ عالما يعادل اللون هو الضوء ومايشي بدلالات البوح الاخر .بل لم تغفل التقابلات الشيئية وإفشاء حركتها السرية والدلالة التدلالية وهو انبثاق محوري صادم يجعل الشاعرة تتبنى نمطا حكائيا يتخذ من البنية الغميقة المفترضة وصولا لإرتقاء قيمي مجسد لشكل النص وديناميته الغميقة .وحين يتبلور مفهوم التجريد النصي في العمل الشعري فإن الأليات الفاعلة تحظى بنفس الفاعلية وبشكلها الإرتدادي لتعمق الصلة بين افاق الصورة التشكيلية وهي تعمل على التشكل القسري للألوان وهو تمازج تعسفي وصولا إلى بوح التجريد وهو في مرحلة القرب من الداخل المحايث بدون انفعال للمزج الضوئي . لقد قاربت الشاعرة في قصيدتها تجريد نوعين من الأطياف هما الطيف اللوني الإنفعالي والاخر اللون الذاتي المنزاح عبر الألوان التي تعكس سيرورة البوح ودرجة التخفي والتجرد ليظهر النص كما هو بغير تزويق أو تمزيق .
القصيدة :
تجريد
الليل …
مزج .. ألوان النوافذ
ألوان .. تعانق المتاهة
المتاهة : تملأ الأفق وضوحا
الليل .. صمت يتسارع في صراخه
حين تأملته
إتكات على الرؤى
لأمسك نقطة ظائعة
……………..
إنقطع الخيك السادس من
الحواس..
وانزلقت في لوحة ..
من اللحظة الاولى
فقدت الألوان ..
توازنها
……….
وقبل أن تتوقف
الفرشاة
رأيت الليل يتأملني
وعلى وجهي تشابكت خطوط حيرتي
وضع فراشته ..
قال : هنا تتعافى عتمتي ..
أزفت الغيوم لتنزلق الاقمار
منطفئة تحت رمادي ..
هنا تيبس النسيم
للاهات نار تنعشني
أكسير الليل قلب ينتظر.
انتفضت ألواني
صارخة ..
إبعد زيت الاه
عن ماء وجهي
تراكم … الأفكار
يمحوني
عاشقة أنا
تحت فرشاة الليل
من صيرني لوحة تجريد ؟
……………
هاتفي ……..
هاتفي …….
صوت يمزق الغبش
إبعد رمادك … يا .. ليل
العشق ينادي
يجرني حبل الفجر
………….
أحطم الاطار
أحرر النافذة
الفضاء كله
لايسع أجنحتي
…………..
إضرب
إضرب ….. بفرشاتك …..
ينبثق الضوء
مصفقا ملء حنجرته
.. شمس ……
و
بملء أوردتي
أستنشق صوته
حرفين + حرفين
قبلة .. لفظهما .
…………………………………..
الدراسة النقدية :
مزج .. ألوان النوافذ
ألوان .. تعانق المتاهة
المتاهة : تملأ الأفق وضوحا
الليل
المزج إرتقاء طيفي كما لو أنك تتعامل مع أطياف اللون . أي لون ذاك الذي يرتقي لمرحلة المزج الفعلي الصائر إليه بعد المزج . كون المزج في التداعي حضور اخر وارتقاء للحظة القادمة وهي إشارة لتعدد الأطياف المشكلة لهرم النص الأوفر . والمزج فراغ محايث لسيرورة انتقالية ….. نقاط الفاعل الذات كائن متشكل من التفاعل الموضوعي يندرج في المكان النصي مؤجل على افتراض الحكاية والفاعل الذات في إشارة الشاعرة طيف متحرك على تقدير مزج الطيف ألوان النوافذ . تلك النوافذ في تقابلها النصي تشتغل إزاء نافذة البوح الوحيدة . فما هو الإنزياح الكائن بين صورتي النافذة الوحيدة والنوافذ المتعددة وكل واحدة تشتغل بفاعلية طيف لوني ضوئي متشكل ووراء كل نافذة حالة بوح لإمراة بعينها يتشكل لون نافذتها بقدرة بوحها ومكامن نفسها وأي حالة هي فيها من العشق أو الصخب أو الغيرة أو الوحدة تتوزع مابين الأحمر ودلالته والأزرق والأصفر ومايشي به اللون .
الفجر . منعطف اخر يتوافق مع حركة الصمت المطبق هناك في لوحة الشاعرة (بلقيس )وهي تجرد المشهد إلى جزيئاته المحورية الفاعلة ومزج الطيف لوحة تتقابل مع لوحة زيت لكن الفارق بينها أن الأولى تشكيل والثانية تجريد . والتجريد انجراف للبنية الغميقة للنص أما الفرشاة في إشارة الشاعرة هي المفاعل الذاتي المتقارب مع الفاعل الطيف كون فرشاة الليل هي تجريد وفرشاة اللون الزيتي هي تشكيل . ومن وراء الأطياف الظاهرة في نسق التجريد تدلل الشاعرة على أن هناك طيفاً يتوغل في عمق متاهة الليل أي العتمة لكنه لايتجسد عبر الظاهر من الطيفين الزيتي والبصري ألا وهو الطيف المتخفي . ذلك الذي يسكن المتاهة كون النافذة الاخرى منطفئة في ألوانها قاتمة في انتظار شيء ما أو حدث . النافذة هي السارد الذي يروي الحكاية ويتامل حركة الشخوص ويتساءل عما يحدث وراء تلك النوافذ الملونة . فالنافذة الحمراء تمثل العاطفة . إذن خلف تلك النافذة حياة لذيذة . والزرقاء حياة هادئة . والقادم طيف من أطياف اللون الكوني يشكل قوس قزح الدائرة المغلقة على حافات النوافذ الاخرى حين يتعمق الانزياح إلى الفكر والتحديق في أفق غرائبي ترسمة الدهشة . والمتاهة : الزمكان النصي يساوي حركة الفاعل مع القدرة على التماهي في نظرية المزج المزدوج فاللون طيف لكن الطيف خليط أطياف . والطيف عند الشاعرة لم يكن طيفا ضوئيا ولازيتيا بل طيفا أثيريا يتمازج كونيا كيف يشاء.
الليل . عند الشاعرة ليل حكاية من كوكب اخر . حكاية عجائبية . تأتي من اللامكان النصي أو انعطاف من الميتافيزيقي وراء المكان . وأمكنتها تتجلى من وراء الحجب تنثال كما لو أنها سحب في سماوات الرؤيا. والليل على تقدير محذوف عتبة نصية تمتلك الدهشة في ليل ينتج بوحا نعده أرقى ملامح التماهي في رسم عتبة نصية تتوالد من خلالها الصور وتتجرأ الممكنات . تلك الممكنات التي تأخذك إليها ( بلقيس ) عنوة إلى أفق الذاكـرة .
الليل.. صمت يتسارع في صرخاته
حين تأملته
إتكات على الرؤى
لأمسك نقطة ضائعة
الليل والطيف يتعامدان على دينامية المحو حين يمكن أن نجنح إلى التصور العام الذي يشي بعلاقة المحايثة بين الليل والطيف لأن الأول بعد اقصائي بينما يشكل الطيف بعده الماورائي في نسق لبوح الذات المهيمنة على غواية الكتابة في بعدها النفسي والمورفولوجي . ماهو شكل الصمت في رؤى ( بلقيس خالد ) وهي تنستنطق صراخ الليل ترى . أي توظيف انزاحت عليه التوصيفات لسمع صراخ ما لايمكن أن يسمع إلا من داخل الذات معطوفا على محذوف أن النفس تتجلى متعامدة بنوع من الصراخ الضمني الذي لايسمع . كيف السبيل لمطاردة نقطة ضائعة في مزيج الأطياف اللونية أو الضوئية أو الطيف الفعلي الذي اشتغلت عليه الشاعرة في حكايتها . تتأمل . بعد إستقرائي فلسفي متقن يتجذر في عمق النص . فالليل بتقدير المخاطب أنت المقرون بالطيف الذي لا يأتي إلا ليلا وهذا نوع استثنائي تعتمده الشاعر في تحريك المتخيل لدى القارئ وصرف نظره إلى مالا يمكن له تصديقه .
……………..
إنقطع الخيط السادس من الحواس ..
وانزلقت في لوحة ..
من اللحظة الأولى
فقدت الألوان ..
توازنها
لاشك أن لغة الحواس هي الناقل لعدد الملفوظات الدالة . والانقطاع في تواصل الحواس المدركة للأشياء وانتفاء لحظة التجلي في الخيط السادس واكتشاف درجة أخرى من الحواس تتجاوز الجزيئ إلى الكلي . والإنزلاق . توطئة لعمق التجربة التي نقوم بخوض غمارها رغم إدراكنا تلك الخطورة في ذلك الإنزلاق وهذه إشارة إلى أن دلالة القلب تقوم بمحو أي استقراءات محايدة مكان الشعور القلبي . وإلغاء مبدأ الاحتمال لأن اليقين في رصد حركة القادم ورغم العتمة والمتاهة شيئ متجلي وذلك مانحسه في عرف التخييل . وماتعني لحظة الإنزلاق وماهو البعد الاخر له في حدود تاسيس الذات . وفي لوحة ….. الفراغ اللاشعوري الذي يتمحور من اللوحة كدال صوري متمثل بالظاهر اللوني منفعل بالاخر الشكلي متعمق بالأنا الفعلي . إذن اللوحة تحمل فرادة المكنون القيمي في التقارب الفعلي والنسقي . ومن اللحظة الأولى هي لحظة التماهي الغميق في حركة التمازج الذي يقوم بفاعلية الإنزلاق اللوني والضوئي لكن بشكل اخر وعمق اخر لاينكر . وإذا مافقدت الألوان المشكلة للطيف الذي تصوره الشاعرة يعني انمحاء الشكل الظاهري والإكتفاء بما يحدثه الطيف من تبادل في المواقع .و كيف تفقد الألوان توازنها إذن ؟
وقبل أن تتوقف
الفرشاة
رأيت الليل يتأملني
وعلى وجهي تشابكت خطوط حيرتي
ومن الشكل إلى المضمون تتجلى الحكاية بأجمل لحظاتها حين يتأتى لشهرزاد تفرد خاص هو ليس ذاتيا بمعنى الميل داخل مقررات النفس وإنما انطباع فوق نصي يمر بتوصيف الشاعرة لأنها تنظر للطيف الكوني وكأنما هي لحظة ولادة لتجربة فريدة . لم يتصرف النص على أنه أنثى الحواس بل كان نصا تجاوز حدود الذكورية والأنثوية بمراحل إلى أبعاد قد لاتشي الأنوثة بوجعها الشكلي بأي متعة وهذا البوح ليس نابعا من كبت مشاعر أو تفعيل لمشاعر مجمدة لكن البوح بما هو كائن سلوك جمعي ارتقائي لطقوس يمارسها البشر كافة . وقبل أن تتوقف الفرشاة المعادل النصي بين الليل وبين الطيف وعلاقة المحايثة بينهما تكون جلية إلى الحد الذي يقوم كل واحد منهما بدور صاحبة تماما فالليل تجريد وفرشاة الليل هي الطيف والفرشاة في تجريد الليل لم يكن انطباعا ولا تشكيلا وإنما بوحا متعاليا تماما .رأيت الليل يتأملني . كيف . تلك علاقة ارتدادية بقرينة توافق كون نصي بين حركة الليل وبين حركة الطيف عند الليل . الدهشة والحيرة هي تلك الروابط الإستدراكية في مونولوج الشاعرة وهي تزيح لغتها إلى الأفق الفلسفي في بحث عن الذات المتعلقة باخر استثنائي يشكل فارق في الرؤية الإنبعاثية للنص الكوني الخطوط كما لو أنها ذلك النسيج اللغوي وهو يشتغل تبعا للمحددات النصية ويتفاعل معها بشكل مضطرد .
وضع فرشاته ..
قال : هنا تتعافى عتمتي ..
أزفت الغيوم لتنزلق الاقمار
منطفئة تحت رمادي ..
هنا تيبس النسيم
للاهات نار تنعشني
والبعد الإشاري يتجلى في كل الخطوط الإحتمالية التي تؤدي إلى رسم الرؤية الفارقة بين ماهو واقعي أو تحت تأثير الغياب الروحي أو الحلمي . لحظة تجلي هي الأكثر تأثيرا في سيرورة النص . وضع فرشاته . أين يكون الوضع هل أنه وضع دراماتيكي إنطباعي أو وضع تفاعلي ينتج عنه مخاض لصورة ما . نقول وضعت جنينها يعني بتجربة ألم المخاض وهذا تعبير ذكي أزاحته ( بلقيس خالد ) على لوحتها بقرينة الاستجابة الفورية حينما قال : هنا تتعافى عتمتي . إذن العتمة تتعافى من أين ؟ من ظلمتها من اليباس بحثا عن بقعة ضوء أو مؤنس كالشمس لكن هذا التعافي لايمكن أن يكون إلا بخوض مخاض عسير من الألم التجربة. الإنفعال . إذن تحقق مابين الطيف والليل والحلم والفرشاة مقترنات نصية بفاعلية مخاض وهذا داخل التلميح أو التصريح في المعنى . ثم لايكن عسيرا علينا أن نبتعد قليلا لنعود لأن شيئا من الإرتباط النصي قد حصل كون الرابط الاخر قد حصل في بعد الغيوم حين أزفت بمعنى انها حاضرة للمطر والغيمة مخاض تفاعل كهرومغناطيسي يحرك الاشياء الغيوم إن ثقلت بالماء فهى حبلى بالمطر . إذن نحن إزاء صور تتكرر ليس من السهل تتابع ملامحها . وأي قمر هذا الذي يأتي بعد عتمة الليل والغيم . أزف بالمطر تلك هي نشوه الحياة بالماء والمطر والحب الإنزلاق توصيف أكثر من رائع كيف تنزلق الاقمار إلا عتمة واحدة هي داخل النفس أما من فتيل يحرق التمني ليشعل انتظار الوجد الاسطوري عند شهرزاد التي تدافع عن حياتها بسحر الحكي . وتحت الرماد لابد أن تشتعل نار أخرى لكن من يشعلها وهل هناك من يفقه سر اشتعال النار في العتمة أو تحت الرماد . وهنا يصبح النسيم المار متيبسا لاندى فيه كأنه الهجير لكن لابأس لعله يشعل الفتيل . للاهات نار تشعل الفتيل لكن كيف هي اهات الإشتعال في حكي شهرزاد وأي أفق تتبنى ؟
إكسير الليل قلب ينتظر.
إنتفضت الواني
صارخة ..
أبعد زيت الاه
عن ماء وجهي
تراكم … الأفكار
يمحوني
عاشقة أنا
تحت فرشاة الليل
من صيرني لوحة تجريد ؟
مازلنا مع التجريد . في بعده اللاانفعالي . في وظيفة المحو الدلالي للاشياء في بوح ماورائي واستقراء نهج التتابع في صورة الإرتكاز في جسد الحكاية كمحدد قيمي يسعى لتحديد الملامح وتجريد اشكالها . وكوننا نتجرد فذلك يعني إننا خارج حدود الدلالة . بوصفها كون نصي اخر. يتحلى بأكبر عدد من الممكنات القرائنية . إكسير الليل . عتبة الحياة لأن الطيف متعلق بالحضور القيمي ليلا في زمن انبعاث مختلف . القلب . بوابة التجلي في الأفق الفلسفي تتجاوز الأنا . تلك التي تبدو ضامرة إزاء التحسس الذاتي . في فلسفة أقسى هي فلسفة انتظار ذلك المزج الروحي في استكناه الأوجة الدالة على القادم الليلي بقلب منتظر . وفي زحمة التواجد اللوني تتنتفض الألوان خارجة عن حدود الممكن تصرخ كما لو أنها تقوم مقام الدهشة في صراخ يخرج الباطن المحايث في بوحه الأبدي معلنا عن حقيقة الأشياء . ذلك الباطن الذي يؤسس ثورة الذات ويبلور وظائف التدليل لما هو كائن في النفس . والبوح لمرحلة العشق . إرتقاء للحقيقة المجردة عن الفيزيقي الذي يتبنى الجسد كمنظومة حركية .. عاشقة أنا . تجريد كون نصي يتماثل في نسق الممكنات وينتج مجالا للفيض . ذلك العشق يتبلور ضمنا من سياق العوامل المشتركة بين الليل وبين الفرشاة وبين الطيف . والسؤال الأكثر أهمية لنتائج هذا البوح تطلقه الشاعرة حين تقول من صيرني لوحة تجريد . إنها سيرورة الإشتغال التراتبي في حركة النص الموازي وفرز راهنيته الممكنة .
هاتفي ……..
هاتفي …….
صوت يمزق الغبش
أبعد رمادك … يا .. ليل
العشق ينادي
يجرني حبل الفجر
والتجريد يذهب إلى أكثر من ذلك في قضية الإشتغال النصي ومايشي من محددات محورية تأخذ القصيدة إتساع رؤيتها ليكون التشكيل الصوري بمنزلة الحكاية . الناقل المحوري للصوت . كونك تسمع هاتفا من أين . نحن نغلب الهاتف الروحي وليس الهاتف الذي نهاتف به الاخر . بشكله التقني بل تقول الشاعرة هاتفي .. هتاف الوجد المتمركز في الذات يتناسب مع فضائية الطيف وارتقاء ألوانه . يرن هاتف اللحظة القصيرة لسكون الحياة تلك التي نجدها في الغبش في لحظة مبكرة من الفجر . يجتاحها صوت يمزق الغبش الصمت . ثم يأتي إزاء الإرتقاء الصوتي بصفة الإنفلات من الأسر الذاتي تقول : أبعد رمادك . وهذا ضمن سياق التوقع بأن صورة الرماد القادمة هي بغير ذلك الجمر . أي أن الاحتراق الفعلي لسيرورة البوح ستكون معطلة تماما . أبعد رمادك ياليل …. ليل مكنون انطفاء البوح يتساوق مع البحث الفطري للأشياء . ثم يطلق العشق بنداء حميم مقترن بالفجر وهي مرحلة لاحقة بعد الغبش وتلك تداعيات النفس في حركة عشقها للاشياء .
………….
أحطم الاطار
أحرر النافذة
الفضاء كله
لايسع أجنحتي
البعد الاخر . يتعامد مع المنظور الإشاري . ويتعمق في حلحلة الجزئيات . أحطم الإطار أي إطار هذا ؟ . أهو إطار اللوحة أو النافذة . أحرر النافذة التي تطل على الحدث بعين البوح الذاتي تنتفي الحاجة للأطر والبحث عن مكان اخر أكثر تجريدا إلى فضاء أوسع و كل الفضاء الداخلي لايشكل رؤية كاملة أي أن الفضاء الصغير لايسع شروع الإنطلاق بأجنحة تعبر مسارات الكون والرؤية الكاملة .
إضرب
إضرب ….. بفرشاتك …..
ينبثق الضوء
مصفقا ملء حنجرته
.. شمس ……
و
بملء أوردتي
أستنشق صوته
حرفين + حرفين
قبلة .. لفظهما .
إضرب . تتفجر من خلالها الأبعاد الطيفية . إضرب بعصاك البحر . دلاله الحاجة للإمتلاء . إضرب مرة ثانية الإنفلات من قيود الضمأ . إضرب لعلك ترسم أشياءك . إنتظاري ورغبتي بتلك الفرشاة التي ترسم الكون من الداخل المتواري . عندها ينبثق الضوء وتتراجع العتمة وبصوتك أيها الطيف تعيد كتابة الأشياء وتحررمعاني البوح وأنت تنادي . شمس . النهار الحبيبة العودة للحياة . وللأوردة الدالة على جريان الدم تنقلب بضرورة العمق حين يتحول الهواء ليجري مجرى الدم وتلك علامة ارتكازية حين يتجلى الشعور الفوقي بأعماق النفس . أستنشق صوت طيفي حرفين بل إسمين .كيف يكون المفتاح إليهما تقرر الشاعرة أن وظيفة هذين الحرفين يقومان مقام التقبيل عن بعد لمحاسن الجمال والإبداع . حرفين زائد حرفين . احبك . ا . ح + ب . ك = قبلة بميزان الإرتقاء والتجريد .أخلص للقول : إن الشاعرة ( بلقيس خالد ) خطت خطوات مذهلة في تشكيل حكاياتها الإشارية ضمن النسق الدائري المعبر عن قيمة توافقية .بعوامل الوظيفة الإجمالية كونها وظفت الحكاية براهنية أخرى إذ تتزاحم الفواعل الذاتية وهي تسوق الحدث السردي وكأنها تحاور الأشياء وتسبغ عليها حيوية الفعل الحركي . لقد نجحت تماما وهي تشرع في إنجاز مشروعها الشعري بما يتناسب مع حركة النقد واختلاف مناهجة الأمر الذي دفعني لأن أجلو خبايا النص عندها وأسلط الضوء على أسلوبها المتميز . ( بلقيس شاعرة ) تمتلك من الوعي الشعري والجمال الإبداعي بحسها المرهف وصورها المتكاملة في تجسيد نصوص غاية في الروعة والإتقان مايجعلها رائدة في توظيفاتها المبدعة رائدة في تذوقها للشعر كونها قارئة متميزة . ولأنها تعمل على تحريك الموروث بإتجاه الحداثة الأمر الذي يسبغ على التجربة ملامح التجديد في الشعر الحديث .وما أحوج الدارسين كي يطلعوا على تجربتها الشعرية وتقچصي صور الإبداع لديها .
























