للذاكرة ازقة موحشة.. هل يمكن تعريض الذات للإنصهار؟
مهند صلاح
عندما ندرس كشعراء حقيقيين ماهية ( النفس و العالم الخارجي ) نجد ان هذين المصطلحين غير راسخين و لا يسمحان بإبداء رأي نهائي غير راسخين و لا يسمحان بإبداء رأي نهائي في علاقة أحدهما بالآخر، وفي الحقيقة كان علينا أن نحذر أناس مارسنا التخيل الابداعي ، الحقائق المطلقة والسلطة ، بما فيها حقائقنا المطلقة وسلطتنا الذاتية في التناول و الطرح ، و بناء على ذلك لم تكن أعمالنا تطويرية أو تراكمية . إنها تقدم و تحلل سلسلة غير متصلة من المواقف . ان الحاجة الى العثور على ما يكفي يكون أساسا للاستكشافات إلا ان هذه الحاجة قد لا تلبي أو لا يمكن تلبيتها دائما .. ففي مجموعة ( للذاكرة أزقة موحشة ) للشاعر لطيف الشمسي تظهر معطيات التجربة الآنية بوصفها وعيا جامدا و غير آبه بالمواضيع الخارجية بإستثناء إهتمام هذا الوعي بقضايا النفس . إن الموقف الذي يوحيه هذا الشكل من التجارب هو موقف قمعي و إنهزامي يصبح هذا الموقف مغريا عندما يتطرق للقضايا الجمالية ، حيث إن إستخدام الشعراء للشخصيات النرجسية يبين إهتمامهم لهذه المواضيع ، و يستمتع ( الشمسي ) في نصوص مجموعته إستمتاعا خاصا بطهارة العزلة و نقائها ..
_ في نص ( حلم ) :
أيها القلب
ترجل من صهوة الحلم ..
هم راحلون بلا ريب ..
إجلس على ضفة أحلامك وحيدا
لا تلوح للسفن المهاجرة
سوف ينغرز
في الخاصرة
نصل الحنين ..
إنني أطلق صفة العزلة على هذا الشكل المغلق الذي يحتوي على كل ماينبض بالحياة .. كل ما يحيط به يشاركه الوجود . إن جدران غرفته تبدو كالقشور التي تحيط ببناءه الروحي ..
_ و في نص ( رثاء ) :
في رأسي الكثير من الهذيان
قد يسخر منه الكثيرون
لكن لا بأس
أنا لا أكترث لهذا الأمر
أحتاج الى إمرأة
تسترق السمع
لهذا الجنون
و بعدها تكتب رثائي ..
هنا لا يتمتع الشاعر بوصفه عاشقا للجمال . إنه يراقب ( نفسه ) و هي تبدع و تسند هذا الموقف .. إن التأكيد هنا ينصب على البراعة التي تبرهن فعلا على كونها غير كافية . و هنا يكون قد بين بأن النظام المغلق للغة النص يواجه ضغوط القضايا التي ينفر منها . و إذا تركنا هذا التطويق و الإنحباس ، و إبتعدنا عن الإهتمامات بالوجود الفعلي في العالم . تواجهنا مشكلة ( العلاقات الخارجية ) مع تناول ثيمة الحدث التي يبني عليها الشاعر تراكيب النص ..
ففي نص ( الفراغ ) :
عندما تجد نفسك وحيدا
تتعكز على ظل بلا قدمين
و خريف العمر
ينثر أوراقه اليابسة
على أرصفة الضجر الموحشة
المصابة بحمى الغياب .
لا شيء هناك
الفراغ وحده
يحتضن خصر السراب
و الحنين يعمد وجهك بالدموع ..
تقدم مهمة التخيل الإبداعي تلك العلاقات الخارجية المتواترة بعبارات مقنعة ، و إن أحد أهم الأهداف المحتملة . هو بعث التبادل الحسي بين ( النفس و العالم الخارجي ) فتكون بمثابة إرتباط مقدس .. إنها صورة النفس و صورة المشاركة بالعنصر الرومانسي (لا شيء هناك . الفراغ وحده يحتضن خصر السراب )
إلا إن هذه الحلات تعد إستثنائية إذا ما حللنا هذا التخيل الإبداعي . فقد يكون بإستطاعتنا القول / بأنه يلهث وراء الحصول على وسيلة أو موضوع متمرد . كما في نص ( ملاذات ) :
لا تعد السنين علي
أنا لا أعرف متى ولدت
و متى كبرت
أنا لست مسؤولا
عن الخواء الذي إندس
في دواخلنا
و لا على الخراب
الذي يقلق مضاجعنا
أنا في وطني كالغريب
يلوذ بالدمع في كل حين ..
هنا تكون للإيقاعات التي يستخدمها الشاعر منزلة ( كونوشعرية ) على نحو سهل جدا .. إن محاولة الميل الى مقاومة العالم الخارجي و جعل البيئة المحيطة أكثر تحديا . تجعلنا أمام نصوص أكثر صعوبة من حيث ( المفاهيم المجازية ) التي تستحضر العلاقة بين ( الإنتساب – التبادل – المركزية – توالد المفاهيم – التغريب – المواجهة ) . و من الطبيعي ان عملية تغيير العلاقات بين ( النفس و العالم الخارجي ) قد ينظر لها بمنظار العلاقة الشخصية مع المحيط ، حيث المشاعر الشخصية تضفي على المواضيع المستلهمة للنصوص ألوانا شتى ..
_ في نص ( ظل ) :
أنا بحاجة الى ترتيب ذاكرتي
الفوضى في كل مكان
أبحث عن حلم قديم
أضعته في رفوفها
الممتلئة بالغبار
العالم من حولي
مزدحم بالقلق و الغياب ..
مرة ثانية تتغير التأكيدات الفردية ، حيث تميل الشخوص الى أن تكون شخوصا همها تجسيد المفاهيم ، و من الناحية المادية يكون هذا قريبا جدا من الفكر الذاتي و منعزلا بسبب المعاكسة التي تحول النواحي المادية الى قضايا مغلقة و مختلفة عن روح النص ، و هكذا تكوالملاحظة و الرصد لدى القارئ غير سلبية . فالراصد يستطيع أن يضيف إلى تجربته التي تنساب بنفس المعنى . فيكون الإدراك نقطة أساسية في التفكير الآني لديه ، فهو يؤمن بأن للكاتب نوع من التبرير . تبرير تخيلاته المبتكرة ، و تبرير براعة العين التي تقوم مقام الكفيل لبراعة العقل الخلاق .. من الجدير بالذكر بأن مجموعة الشاعر لطيف الشمسي هي من إصدارات دار المتن للطباعة و النشر ، و تقع في (178) صفحة حملت في طياتها (87) نصا إبداعيا …

























