دعاء الحب في لا أحد سواي يجيدك.. مطولة تفصح عن أعماقها

دعاء الحب في لا أحد سواي يجيدك.. مطولة تفصح عن أعماقها

يوسف عبود جويعد

تفتتح الشاعرة غرام الربيعي في مطولتها الشعرية النثرية ” لا أحد سواي يجيدك” أبواب القلب التي كانت موصدة من كل الجوانب وعلى مصراعيها، للمرأة العاشقة التي يسكن في قاع روحها خزين من المكنون لهذه العلاقة السامية النبيلة بين الرجل والمرأة، لتبث ما كان ساكناً في أعماقها، وتنقلنا إلى عالم العشق في نظر كل امرأة ، وما يعني النصف الآخر لها ، بعد أن هبت رياح الوله والهيام والشوق ، لتؤجج الجمر الذي كان متخفياً تحت رماد السكينة والصبر، وهي بذلك تستدرجنا إلى عالمها الشعري وخيالها الخصب ، وبوحها المتدفق الصادق ، تجعلنا نبتعد تماماً عن هذا الواقع المرير الصعب القاسي ، نبتعد عن الكذب والخداع والوجوه المقنعة ، نبتعد عن حياة لا نعيشها ، لننتقل إلى حياة نتمنى أن نستمر فيها أن هذه القصيدة واحة خضراء تنتشر في أرجائها الزهور، وتهب منها نسائم بعطر الحب ، إنها تعلن في مستهل نصها الشعري:-

لا تغفر لأي نزيف

ولا تُضّمدَ جُرحَ الاعتراف

فالطقس كفيل بـ ” بسخونة الوجع ” وكن حكاية للأولين والآخرين

حين تظمأ الذنوب

فهو اعتراف ، ولكن من نوع آخر، اعتراف يفتح لنا أبواب الحب ، لننهل منه رحيق الحياة التي نحب أن نعيشها ، حياة لا حرب فيها ، ولا قتال ولا كذب ، ولا خداع ، ولا قساوة ، ولا ظلم ، فهي تؤكد من خلال نصها النثري الشعري ، الإجابة على التساؤل الذي وجهته في بنية العنونة (لا احد سواي يجيدك) لكي تؤكد حقيقة أن الرجل لا يمكن إن يشعر بالسعادة والحب والفرح والحياة الحقيقية ، إلا إذا رافقته امرأة تجيده ، وتعرف كيف يدخل عالمها ، وتدخل عالمه، فينصهران في بوتقة واحدة ، من خلالها تقدم لنا الشاعرة بنية نصية شعرية نثرية متماسكة متوحدة تحمل بناء متناميا متصاعدا متواترا، محتدما ساخنا، إلا أن سخونته تكمن داخل أفكار وروح وقلب المرأة :-

اقرئي….

لست بقارئة

أنا عاشقة

أيها المحشور

بين أضلعي حكاية

فهي تؤكد من خلال مدخل قصيدتها ، بأنها لا تحتاج إلى قراءته ، وإنها تعرفه ، وهذا هو الدافع الذي أجج أعماقها ، فانطلقت خزائن الروح لتجيب على تساؤلات كثيرة ، وليس هذا فحسب ، بل أنها ومن خلال مبنى هذا النص الشعري النثري ، تضع أمام المتلقي الصورة الواضحة لحقيقة المرأة ، وعاطفتها ، وحبها ، ومدى ارتباطها بالنصف الآخر، وعمق معرفتها لمكوناته وحقيقته:-

وأنا…..

شمس تضاهي الحكاية

لا شيء يدهش

إلا جنون عشبك

لا شيء يمضي

لا شيء يبقى

شيء بينهما أدركه

عبارات ضوء

تكررني

تكررك

تكررنا

إلا أن هذا التكرار لا يعني التشابه ، بل انه سر الخلود ، انه الحب الذي ظل ويظل رغم كل مشاق الحياة وأهوالها وآلامها وأوجاعها وقساوتها أنه باق لأنه يمثل حقيقة الحياة وليس زيفها:-

من أقدم الحكايات .. أنا

كل آن

أرتدي وجه نظارتي

والمرايا حزن وقت ينفلت كخرزة

أو مساء بلا حروف

نجومه ضئيلة الأفكار

لحظات تبحث عني بحضور الفكرة

إنها تشير هنا إلى ما نراه ظاهراً للمرأة ، إلا انه يشبه سطح البحر الظاهر لانها تختفي خلفه ، خلف نظارتها ، ومرايا الحزن، والمساءات التي جعلتها بلا حروف وهنا فأن المتلقي سوف يرى محورين: المرأة كما نراها ظاهرة ، وحقيقتها التي تسكن داخلها :-

مُذّ أقدم هوس .. وأنا

حكاية خاوية من الوقت

ورثت جنونها من شمس لا تحرق الأحلام

إنها المرأة على مر العصور والأزمنة ، تكبت أحلامها ، تكبت عشقها تخزن أسرارها ، تضطهد ، إلا إنها قريبة جدا من النصف الآخر ، بل إنها ملاصقة له :-

لكَ وحدك

أجيد ظفر النهايات وألمم الحروف

يا صوت الصمت

يا دفء الكلمات حين يذوب ثلج الوقت

يا عشقي الآمن

يا تقويم العمر

لك وحدك

ينبعث صوت الناي الحزين يرافقنا ونحن نمخر عباب عالم القصيدة وتظهر روح المرأة المتخفية في أعماقها وتتحرك هذه المكنونات المتوهجة بالعشق ، لتنطلق إلى ظاهر روحها ، كالأسماك التي تبحث عن الضوء وتؤكد أن حياتها كلها له وحده ، للنصف الآخر الذي لولاه لا معنى لهذه الحياة ، وهذه المكنونات هي كبرياؤها وصمودها وسرها ، إلا أنها تظهر في قصيدتها لا محالة ، ولابد ان يعرف حقيقة قولها ، لا احد يجيدك سواي:-

قلتها مرارا

كلما أودعتك بعض عمر

تعثر الغياب وتذاكيت للامساك بأقصاي

كلما هربت

كانت النشوى داخل النص

وأنت القارئ المحترف

أنها تداعيات ذاتية للمرأة بحقيقتها، والصورة التي يجب أن نعرفها عن دور الرجل العاشق والمعشوق داخلها:-

في المرايا

أحلام بسن الرشد

ملامح من نهارات

سأكون عندها أكثر غراماً يلح أرقاً

حتى ساعة متأخرة من الحب

وأنها تفتح أبواب القلب ، وتطلق خزائنها الوهاجة للحب فقط ، ولا شيء سواه:-

لحظة شرود راودتني مرارا

قبل الحلم بعمر

وسوسة نهايات معلقة تعطل كل شيء

إلا أفكاري سيرة مترنحة

خلف مساء شرع بابه للحب فقط

اكرر

للحب فقط

كما إنها تدعوه لترك هذا العالم الذي لا يمثلها ، ولا يمكنه أن يدرك خيالها الخصب ، ولا يعرف ما هو الحب :-

لنترك كل خراب الرؤوس وتهالك الزمن

ولنتخذ من العشق وليا

نفر من كيد الشقوق وعاهات العيون

ولتكن ذراعاك حصناً لخلوتي

فما خلقت المرأة ، ولا خلق الرجل، إلا لحياة يسودها الحب والوئام ليعيشا حياتهما كما هي ، وكما يجب أن تكون ، دون حروب ، دون قتال دون ظلم ، دون قساوة وألم ، أن العالم الذي تضعه الشاعرة غرام الربيعي في بنية قصيدتها ، هو الذي يجب أن نعود عليه ، ويجب أن يسود الدنيا فالحب وحده يمكن أن يوحد العالم ويبعده عن كوارث الحروب :-

دعنا نلهو

بحزن طعمه الفرح

لجسد مترف بالحكايا وغنج الوسائد

وهي بذلك تهيئ نصفها الآخر لهذه الانتقالة ، إنتقالة إلى حيث يكون الحب قانون يسود الدنيا ، والعلاقة الخالدة بين المرأة والرجل ، تعود لخلودها وتمتزج عاطفة الروح والعقل والجسد لتضم المرأة والرجل في واحتهم المفروشة بهذا العشق الذي لا يمكن أن يزول ، وهو الحقيقة القائمة :-

أطلق عنان اللحظة

فالقلب آمن

والجسد آمن

وكن مولعاً بكل خلاصة الروح

فقارورة الليل ترتشف عطرها

على مقربة من نكهتي

وهكذا فأن الشاعرة غرام الربيعي ، تجيب عن هذا التساؤل الذي وضعته في بنية عنونتها ، إلا أنها لم تكن إجابة عابرة ، بل إنها حركت وأطلقت كل مكنونات المرأة ، من القاع إلى ظاهر الحياة :-

تلك المبادرات

راية تعلن إمضائي

فتنام قوافل الصوت بـ فم الرغبة

وقوافل المحن بـأهداب السكينة

أغمضك مورقاً بـ لوعة الوعود

لا تكن باهتا وتشاكس

فلا احد يجيدك سواي

وهي دائمة التذكير بضرورة الانسجام والحب والمودة ، كون الرجل والمرأة خلقا لبعض:-

أتذكر

ليالي التفاح غير ذابلة

نتذوقها آلهة

علمتنا أن الفراش ليس جحيماً

والشراهة طوق

والهداية المرصعة ليست حلماً

وأن الخيار واحد، ولا يمكن له أن يكون اثنين، تؤكده الشاعرة التي رسمت لنا ملامح امرأة تدعو للحب :-

كثمالة همس

بالقرب من الجنون

أو حرب أنفاس تزهو بالنداء

لا خيار

أما أن احبك أو احبك

تلك فصولي الخمسة

وتلك قناعة مطلقة، فاقت حدود الطبيعة، كونها أضافت فصلا آخر لفصول السنة لتكون خمس فصول وليس أربعة ، وتختتم الشاعرة غرام الربيعي مطولتها النثرية الشعرية ، بأن ما قدمت في هذا المبنى الشعري هو الحقيقة ، ولا يمكن أن تكون غير ذلك :-

يوما

سأكون ذكرى معلقة

على جدران القلوب

بـكامل لياقتي وحزني المبجل

والعابرون مر الكرام ، صمت يكرر الصدى

يوما ستدرك

وحدي أجيدك

ولا احد سواي

أن المطولة النثرية الشعرية للشاعرة غرام الربيعي ، رحلة في مكنونات المرأة المخزونة في قاع الروح والقلب والجسد، إلا أنها وضعتها أمام المتلقي ليكتشف حقائق كبيرة وكثيرة، عن مشاعر المرأة وخيالها وأفكارها ومدى ارتباطها بالنصف الآخر، ينساب معها لحن صوت شجي لناي حزين ، وصوت امرأة مفعمة بالجراحات ، وتدعو إلى أن يكون الحب قانون يحمي الجميع من الهلاك …!