ما تعسر من شجرة البحر.. المعنى الشعري يتدفق من الذات إلى القصيدة
محمد يونس
تتشكَّلُ قصيدة النثر عند الشاعر سعد ياسين يوسف بملامح متفردة كونها لا تهتم باليومي بوصفه الإيقوني وحدوده الشكلية ، بل أنَّ الشاعر وعبر ما عناه من معنى مضاف للمعنى الشعري ، وعبر توهجه وحساسيته وتوغله إلى العمق بشكل مستمر، قدم أنموذجا متفوقا إستاطيقيا وقيميا ، وأنَّ الاستهلال عبر الفاعلية الرمزية التي يبدأ مشيرا لها وينتهي مؤكدا لها في الصورة الشعرية تتيح له إنْ يكون نصا منفردا واستهلالا شعريا متميزا ويعكس مدى الذائقة الجمالية.
تحيل قصيدة سعد ياسين يوسف (( ما تعسرَ من شجرةِ البحر)) الى نمط كتابة للقصائد النثرية بمركب الاغتراب الروحي الوجداني، والشعور الايقوني عبركيان النص، والمضمون الفلسفي أيضا، أي أنه مركز معاني وليس أفكار بزمن إجتماعي الصفة، وسعد ياسين يوسف لايحكي بل يتأمل ما أوحى لنا به ، وهو لايصف لنا إلا عالم أحاسيسه المتعدية لذاته ، والتي هي مرتبطة بأناه الإبداعية، وكأن نصه عبارة عن لوحة انطباعية لكن للون فلسفته ومغزاه فيها، وتمثل الصورة البليغة لمضمون نصه الشعري، المعادل الموضوعي لتأمله الروحي من جهة، و لما يتصف به انفعاله الشعري من جهة ٍ أخرى .
نص الأستهلال والنص الأجمالي :
ثمة ُ أمثلة تؤكد أهمية الاستهلال وتفوقه في البناء التسلسلي الفاعل فنيا وجماليا ونجد الاستهلال أكثر إقناعا في قصيدة النثر, حيث التسلسل واضح ومتناغم ومتضامن رغم أنَّه منفصل عن النص ومتصل به, وذلك المثال يفرض علينا ميزة مهمة قلما خلت منها قصيدة النثر وهذه الميزة تتمثل بالاستهلال الشعري حيث أن َّ أغلب القصائد تكون فيها كثافة منحازة للبناء العمودي لشكل القصيدة والذي يدعم وضوح الاستهلال كون البناء الأفقي يشتت وضوح مركز قيمة الاستهلال الشعري والاستهلال في قصائد النثر، بينما البناء العمودي يجعل الاستهلال متماسك وممتلىء بالصور المتوالية والمتراتبة وضامن للصفات الثلاث أنْ تتصل مثله أو تنفصل ، وتلك الميزة الفنية ليست ذات تأثير سلبي على كيان النص ، بل إن هناك مستوى جمالي غير تقليدي تستهل به قصيدة (ما تعسرَ من شجرةِ البحر)، حيث يتمثل في الجملة الأولى والثانية نصا تاما ، ويكون هناك تقابل متعاليات نصية، بوحات ثلاثة تتوالى هي : – العنونة – المدخل أو الاستهلال – وكيان النص الإجمالي .
إنَّ هكذا نص شعري تعتبره جوليا كريستيفا بمثابة مجموعة نصوص في نص، وهناك منطق موضوعي يعكسه استهلال القصيدة، ومقاطع أخرى، فالمدخل والذي هو نص جزئي في توصيف قيمي، يمثل أبعاداً استهلالية عدة، وإنْ كان قد بدأ الشاعر فيه ب – لا – الناهية نحواً وقولاً شعرياً .
(( لاترتدِ البحرَ ثانيةً
قالتْ لهُ الاشجارُ
وهيَ تلفُّ بخضرتِها
جسداً غريقاً ..أسكتَ الموجُ
رفرفةَ الفراشة ِ في شريانهِ
والمدى بنفسجةٌ هنا .. وثانيةً هناكَ
وثالثةً …
تطفو على موجِ السكون ِ ))
كان الاستهلال لافتاً عبر الصورة والإيقاع، وأنَّ الشاعر تجاوز ما يستهل بأساليب الإنشاء التسلسلي والمنطقي والوضوح , فالصورة قد تمركز حولها النص الشعري منذ وهلة تنفسها الفلسفي البعد ، وبان واتضح المستوى الفني للبناء والقيمة الجمالية لصورة شعرية عميقة ، وفاعلية الاستهلال في قصيدته والتي تتسم بعنونة فيها حساسية شعرية عالية ، وتراتب في المعنى وفي الاستهلال الشعري توضح في مستويات ثلاثة متناغمة إيقاعيا ومشتركة إيقونياً وهي (الصيغة النحوية- الصيغة الفنية – الصيغة الشكلية ) ،حيث تمكن الشاعر من استغلال تلك الصيغ بصورة فنية مكنته من الإبتكار، فكان مدخل النص الشعري نصا قائما بذاته ، هو لوحة هايكو تامة من جميع جوانبها ، وتدل تركيبا ولغة وصورا على الهايكو، لكن في سياق اتصال ذلك المدخل الشعري المتصل/ المنفصل ، يشكل سياق النمو التقني في المدخل ، واتصاله بكيان النص الاجمالي تميزا بلاغيا للخطاب الشعري، وإشارة للقدرة الواعية ، وتعبيراً عن الإنتاج التفاعلي بين وحدات النص الشعري، وبين الذات الشعرية ، ومن وجهة نظر جانبية هو ترسيم لملامح روح العصر، وتأكيد اللحظة الشعرية الجمالية المنحى .
المعنى .. والمعني :
إنَّ الشعر الحديث يهتم عبر اللغة والايقاع الشعري، بتوظيف المعنى الملائم وغير الجامد الذي يمكنه أنْ يدعم تطور النشاط الإيقاعي .
إنَّ كيان قصيدة (ما تعسرَ من شجرةِ البحر) التي قدمها الشاعر في مهرجان المربد الثاني عشر في مطلع عام 2016 لم يكنْ بحاجة إلى المغامرة ، كونه قد أكدها ، وبها ضمن سمة المعاصرة لغة وإيقاعا ليسمو فينا الحس الادبي نحو مديات اللغة الحية ، وصراحة هذا يشكل أهمية كبرى يجب أنْ تؤخذ في الحسبان أذ لابد أن يهتم الشاعر بالانطلاق من روح عصره نحو حاضره ويأخذ مداه في هذا الحاضر، والتمثل للبيئة الشعرية شكلا ومضمونا .
لقد ضمن الشاعر سعد ياسين يوسف في السياق النثري لمضمون شعره روح المعاصرة، واستثمر التطورات في البنية الشعرية ، ليقدم أنموذجه الحداثي، ومن خلاله يكون ما يعنيه من المقومات النصية ، سيان أكان ذلك مرتبطا بوعيه الشعري، أو بحسه بالوجود وعلاقته بذلك الوجود ، وطبيعي أن يكون هنا تراتب شعري تحتمله القصيدة بين المعنى الشعري القائم وبين ما يعنيه الشاعر .
(( تمدُ يداً لتصافحه
ببابِ أحتفالٍ صغيرٍ ستقيمهُ الملائكةُ
على شرفِ القادمِ الجديدِ وهي تشربُ
نخبَ خلاصِهِ
حين َ ولِدَ من فمِ تنورِها
كرغيفٍ شهيٍ تلاقفتهُ اصابعُ
الفصولِ المتشنجةِ ))
الشاعر هنا ذاتٌ شعرية تسعى للتعبير عن وعيها، فكان يتلاعب إجرائيا بالشكل الشعري لكيان قصيدته ، ويرسم صورة للمعنى الشعري من جهة ومن جهة أخرى يبث من خلال تلك الصورة ما يعنيه ، فهناك في المقطع السابق ، صورة شعرية تتيح للمعنى بلوغ معنى آخر، وهو ما يعنيه الشاعر، وطبعا ما يحتمله المعنى مؤهل لما يعنيه الشاعر، وتكون الأنساق الوظائفية في القصيدة بمستويين :
الأول : منهما مرتبط بالمعنى الشعري، وتعدداته الأفقية والعمودية .
والمستوى الثاني : يرتبط بالذات الشعرية ومواقفها إزاء الوجود والشعر على السواء ، والشاعر هنا حالم ينلقنا الى حلمه ، ففي المقطع التالي ، يشير المعنى بوحدته الدلالية ، وكذلك الدال النحوي إلى – الهو – ، فكأن ما يعنيه الشاعر هذه المرة كان عبر قرين ، لا هو مشهود ولا هو بمرموز، وطبيعة سياق الجملة الشعرية ، هو عميق الحس الشعري، ويمكن تحقيق وحدات دلالية بهذا المستوى خلاله ، وهناك بعد جانبي من الضروري الإشارة إليه ، ليتوضح موقع الشاعر في كيان قصيدته ، فالشاعر ذات – الشاعر موضوعة – الشاعر معنى – الشاعر معني – الشاعر ملتبس قرين ، وتلك الوحدات تتأهل في كيان النص عبر جمل شعرية تلائمها ، ويتقابل خلالها المعنى وما يعنيه الشاعر بتعددات، فهو قد يعني ما يحيل إليه المعنى ، إو ما تحيل إليه الصورة الشعرية، أو ما يعنيه هو في الجملة الشعرية، ولوجود ميزة عمق موضوعي، وعدم استرسال النص الشعري ذاتيا، وهما ميزتان إيجابيتان في نص الشاعر سعد ياسين يوسف ، ويحسبان لحسه الشعري البليغ التجرد ، الذي جعل المحسوسات وليس ذاته سبيلها ، وهذا مهم في عملية الإبداع الشعري، والشعر عبر قيمته الجمالية وتاريخه مثّل مفارقة غير سهلة في أبعاد توافق المعنى وما يعنيه الشاعر، من خلال آفاق الحسي والقرائي والبصري المتعدِّدة، وكذلك الفطرة الداخلية للشاعر، وقراءة نصه من خلالها بالمتعة ومستوياتها ومناطقها المرتبطة بالثقافة والعمق ، أو تلك المرتبطة بالقراءة التقليدية، وكذلك العلاقة بين الحس الاجتماعي والعاطفة العفوية المرتبطة بالمعنى المتحرك والثابت على السواء دون قصد مسبق ، وأيضاً من جهة التمثيل الإجتماعي للشعر.
إنَّ الشاعر في كيان قصيدته هو وحدة وجودية واسعة ، أي حياة من نمط آخر، فهو قد يحاكي الفن كحياة مختلفة ، وقد يماثلها في الندرة والتجرد، ويجعلها تحاكي الحياة الفن الشعري وتماثله ، والبراعة في كون الشاعر وحدة وجودية لاشخصية السمة ، هي براعة من نمط خاص، يتميز فيها الشعر إبداعا وقيمة.
(( الى ضفافٍ لا متناهية ِالامتدادِ
تخطتْ اسوارَ حُلمهِ الذي
رسمَ وجهَهُ على قصاصة ٍ
من ورقِ الفصلِ الاخيرِ ))
في هذا المقطع هناك ثمة استعارة إيهام، يؤكد فيها الشاعر (قدرته على الاستعارة إلى حدّ إحلال الوهم بدل حقيقة الإكتشاف المستمر، حيث نظام الاستعارة يجعل الصورة الشعرية لا محدودة إلى المستوى الذي يتطلَّبه إحساس الشاعر. وثمة أيضاً صفات ومعانٍ لا يمكن لغير الشعر البرهنة عليها لافتقار تلك الصفات إلى برهان في الحيِّز الاجتماعي. ومن الطبيعي هنا أن يُقصي الشعر كل ما لا يرتبط به ويُجرِّده من شكله ويُلغي دوره . وهاهنا تكمن صفة الإزاحة في الشعر ودورها في الشكل العضوي للقصيدة وكيانيَّته) ، هنا الشاعريحيل المعنى إلى المعنى اللانهائي، وكما عند المدرسة الرومانسية، حيث يكون الأهم لديه هو التلميح للسمة الإستاطيقية في المعنى الشعري، وليس المعنى ذاته ، أي يبدل ما يعنيه بما يدل عليه المعنى الشعري ، لكن دون ازاحة لدال المعنى .
وفي سياق نحو الجملة الشعرية آنفا يبدأ الشاعر في المقطع بحرف الجر- إلى – ، وتتخلل الجمل الاربعة فعلان ، كلاهما بصيغة الماضي، وفي هكذا نمط من النحو تتقابل فيه الجمل الاسمية في المقطع الشعري بالجمل الفعلية، أي هنا سيكون النحو توليدي، وسيتخلل اللغة مستويان الأول : عضوي وهو نحوي، والثاني : أيقوني وهو شعري ، ويكون متعديا ، فالتوليد النحوي غير مقرن بالتوليد الشعري، وبنية اللغة هنا تتجاوز الشد الذي تعرف به في شكلها الإجتماعي، والتراكيب النحوية فيه إنْ هي ليست قواعد ثابتة كما في النحو، وهي هنا ليست كما في خصائصها العامة ، بل هي لغة داخل لغة أخرى ، وتلك هي من الميزات المهمة في الشعر، وهنا قد استفاد الشاعر من وعيه النحوي إضافة لوعيه الشعري لتحقيق ذلك .
(( فآثرَ أنْ يطلَّ من جسد ٍ
تكفنهُ النجومُ وتتركُ
على حدقتي عينيهِ المفتوحتين
بريقَ قلبِها الوامضِ بالاسى
وبالذهولِ ..
فظلامُ الوحشةِ الأولى شرسٌ
على الغريب ِ
بلا صلاةٍ
بلا شموع ٍ ))
من المؤكد أنَّ الشاعر( سعد ياسين يوسف ) في قصيدته يسعى إلى مالا نهاية في تغيير ملامح الوجود داخل إطار المعنى ، أو فيما يعنيبه هو من خلال ذلك المعنى ، ولكن داخل أفق واقع مركب من حلمي – وجداني – واقعي ، وهذا نجده في سياق الذات الشعرية بما تعنيه خصوصا ، وذلك عبر دمج الأزمنة في كيان القصيدة ، فكان زمن الماضي متداخلا بالمستقبل وقام بتكوين صورة شعرية حاضرة من خلالهما ، تلمسناها في عدة جمل شعرية في قصيدته ، وبلغ بذلك ما يمكن تسميته بالحتمية الشعرية ، والتي تفرض نفسها على الزمن لتتيح للشعر أن يكون مطلقا أدبيا , حيث في سياق الأداء الشعري، يمكن للقدرة الداخلية للقصيدة إن تزيح التسلسل المنطقي ، ويكون المطلق الشعري هو بديل زمني ، وهنا في السياق الزمني المستحدث كبديل للآلية الزمنية، فأن اللغة الشعرية تمنحه بدورها ثبوتا ورسوخا ، لكن ليس عبر تلك اللغة الأرسطية الزمن المعروفة في السياق النثري وقصيدة التفعيلة ، ولكن في السياق النثري بقصيدة ( ما تعسرَ من شجرةِ البحر ) لسعد ياسين يوسف ، يكون للمعنى الشعري وما يعنيه الشاعر تأثيرهما ، فكلما إزادت رمزية المعنى زاد عمقه وأمتنع عن الثبات في صورة شعرية يتسلسل المعنى فيها، وتلك الميزة لا تجعل من الشعر موصوفا بتلك الصورة التي تعطيه معنى واحدا، هو محدد القيمة ، ويكون كما هو شائع ، بل هنا هو مثال نوعي ، تشترك فيه عدة مقومات، فمن البعد الفلسفي ، والذي قدم أفكاراً ماهرة عبره الشاعر، إلى تبدلات المعنى واحالاته المتعددة، ووجوهه الدلالية التي تتجاوز رمية مألوفة ، إلى أخرى هي أكثر حيوية، وليست بوجه دلالي واحد، بل هي بعدة وجوه، وهذا ما ميز القيمة الجمالية للنص الشعري .ما ميز هذه القصيدة أيضا تلك اللعبة أو الحلم الحاضر بشكل مستمر في كيانها بما ما أتاح للشاعر أن يعني عبر تركيزه على تأمل مفردته الشعرية ، وأتاحت لها أن تتجاوز ما عنى ، لتعني بعداً دلالياً مضافاً ، فكان هناك معنى ملازم للجملة، وحدة أساس للصورة الشعرية ، وهناك معنى مناوب فيما عناه الشاعر، والذي يتجاوز به معرفتنا العلمية ، ويتيح لنا التأمل من داخل نصه الشعري، ثم يقوم المعنى الذي يحيل إلى اللامعنى، فيتيح لنا أن نتقدم تجاه عنصر التأويل .
(( لاترتدِ البحرَ ثانية ً ،
همستْ له الرمالُ
وهي ترطبُ خشونتَها
بموجِ البحرِ كلما امتدَّ إلى أطرافه ِ
وحركَ من بقايا قميصِ السكونِ
كاشفاً صدرَهُ عن وشمِ النخيل
عن نصفِ أغنيةٍ صُلبت ْ
على استحياءٍ على شَفَة النبضِ
المتوقفِ ..
يا أيّها المسكونُ بالصلوات ِ
بالدمعِ بالتهجدِ ،
بابتهالاتِ العيونِ وهي
ترسمُكَ الموجةَ الاعلى
أمنية ًهدهدها البحر ُ
على لمعانِ موجتةِ البعيدةِ
وما كنتَ سوى زجاجةٍ
مختومةٍ بسرِ انطلاقتِها ))
قدم لنا سعد ياسين يوسف بقصيدته ( ما تعسرَ من شجرةِ البحرِ ) عدة تجارب متنوعة في البناء النصي النثري والإداء الشعري، فكانت قصيدته أنموذجا شعريا حيويا وغنيا بمضمونه الشعري، ويتيح الإيقاع فيه للاإزاحة الفنية ، وكذلك عنصر الإيحاء الشعري أن يقللان من التمثل العضوي للمفردة الشعرية ، أي يخففان إلى حد ما ثقلها الوجودي كي تتوافق مع روح ومضمون الإيقاعات الجديدة، وقد تميزت القصيدة بقدرة شعرية في تاكيد تلك الروح ، وكذلك كان الاستهلال المتصل والمنفصل والمعنى الراسم والماحي، وأيضا ما عناه الشاعر وما لم يعنيه، والتجزء الإيقاعي وإضافة إلى تلك المقومات والامتيازات هي ذات إستاطيقية عالية تتنوع وتتناغم ذائقتها بشكل هارموني متفرد .
























