رواية سلالم الصحو.. بين تقنيات السرد وفنية الحبكة

رواية سلالم الصحو.. بين تقنيات السرد وفنية الحبكة

مهند طالب الدراجي

العنوان : سلالم الصحو

عنوان رواية المبدع جابر محمد جابر ، هو عنوان اقل ما في معانيه هي تلك

الرمزية التي تتضمن في متنها معاني عديدة ، تلك التي تعني صعودا او نزولا قد لا ندرك ذلك ابتداء فالسلالم هنا صعودا او نزولا في كلا الحالين هنالك فعل يحدد وجود هذه السلالم ، باعتبار ان العنوان ثيمة مهمة في الرواية واعتبار ان العنوان مدخل الرواية وعتبته الاولية فان اكتشاف الصعود او النزول لهذه السلالم مرهون بقراءة الرواية التي تضمنت عنوانا مميزا يبحث عن تفسير واجابة فالصحو ايضا هو الاخر يحتاج الى تأويل وغير محدد لما تحمله الكلمة من معانٍ اخرى كصحو الضمير او صحو العقل او صحو الجسد او صحو العلم اذاً نحن امام كلمتان تضمنتا ابعادا ورؤى تُدرك من خلال الاسباب الموجودة في متن الرواية وهذا يُعتبر من طلاسم الرواية ومن كنائزها المخبوءة لقد اعتمد الأدب الحديث بكل ما حبلت به الحداثة فنونا وتقنيات للعنوان الذي قدم له الكثير من الباحثين والدراسين والنقاد مساحة كبيرة اذ يُعتبر العنوان نصاً بحكم ذاته .

التحليل والتفكيك البنيوي للرواية

لقد ابتدات الرواية سردها من خلال الضمير الذي وظفه الروائي باعتباره سردية تنوعية تعتمد ضميرا مركباً أنا.. أو هو .. بداية الانتقال التي تعد من اهم مميزات الرواية الحديثة ومن الوظائف التي يلعبها الراوي لادخال القارئ مباشرة في عمق الرواية وابعاده عن التفكير من هذا ؟ وكيف جاء ومتى حدث او البحث عن الشخصية التي يريد الراوي ان يجعل معرفتها تباعاً وليس ابتداء

جاء فيها:

“في البدء مارس الكتابة بيده اليمنى وعندما فاجئه ولده علاء بالسؤال عن هذا التغيير اجابه بان يده اليسرى اصابها خمول مفاجئ وينبغي عليه ان يدعها تستريح “

ندرك من خلال هذه المقطوعة الابتدائية ، العتبة الثانية في النص النقلة من الضمير الى الواقع كانت نقلة ذكية من الراوي ليتجاوز المداخل او فتح الابواب التمهيدية لاستدراك الاحداث بطريقة متوالية قد كانت هذه الانتقالة موفقة ابتداءاً للخروج من الضمير والدخول في صلب الحدث بدون الاسلوب التكتيكي القديم الذي يتطلب على الراوي تهيأ مدخل او باب يلج منه للحدث ان غاية هذا النوع من السرد هي انشاء ابعاد زمنية بين الحكي والزمن الحقيقي للسرد حيث ينطلق السارد من الحاضر الذاتي الى الحاضر الواقعي وهذا بحد ذاته تلاعب من الكاتب في تحديد الدلالة والتحكم بها ليكون السرد متواصلا دون واسطة معينة تفصله وقد جاء النص بصفة غالبة عن طريق الضمير المتكلم وبذلك يسيطر الكاتب على الفواصل النقلية عند تقطيع المشهد من ضمير الشخصية الى واقع الحدث فكان اضماراً للشخصية الثانية الابن” علاء ” لتحديد الخصوصية في المقاطع الحوارية التي يوجدها السارد ويتقن توظيفها ، يتضح لنا ان السرد هنا كان وصفا جسمياً وحالياً يظهر فيه السارد افعالاً وحركاتً قد تسلب الفعل من الشخصية عندما تخضعه للاداء الآني ، عندما ابتدأت الرواية هكذا :

“لم يشأ أن يخبر أحدا من أ فراد أسرته، عن الهاجس الذي

يؤرقه واسقط النوم من حساباته فكر في كل شيء اراد ان يتدبر امره فيما لو حصل له ما يتوقعه فعلا ….”

نحن امام عملية انتاجية متحركة كونها تفاعلية تقاطعية تنقلنا من والى الحدث مرة في داخل السارد ومرة في داخل الشخصية “الذات” ومرة في داخل البيئة العامة التي تحيط بالشخصية من اجل تموقع الكلمات التوصيلية والكشف عنها لدى القارئ وهي بمثابة علامات يضعها الكاتب في المتن فتحدث مجسدات لمستويات عدة تشكل بنية النص وموضوعاته المختلفة وهنا يأتي دور التماسك والانسجام الذي تكون لديه طبيعة دلالية تتصل بالوحدات التعبيرية المتجاورة داخل متتالية النص فيتحقق لدينا البنيات الكبرى التي تكون شاملة في النص بينما تتحقق البنيات الصغرى في المتتاليات ، لقد تناول الكاتب في هذه الرواية اراء أدبية ونقدية تخص القارئ جعلتها حدثا نصياً وليس رؤية خارجية ربما اراد الروائي هنا ان يوضح فكرته ورؤيته الأدبية من خلال ابطال روايته وشخصياتهم ليجعل من افكاره عملا فنيا له علاقة بقناعاته ومعتقداته الادبية فيما يخص النص والقارئ وهذا النوع من الكتابة اعتمده الكثير من الروائيين عندما زجوا افكارهم داخل شخصياتهم فهم يخاطبون القارئ بلغتين الاولى فنية تتضمن مضمون النص والاخرى شخصية تتضمن افكار الكاتب ، سنجد هكذا اسلوب في الرواية موجود في متن الرواية ذاتها التي تتحدث فيها شخصيات الرواية عن الأدب في الصفحة 25 من الرواية كانت خطاب اخر بطريقة دراميتيكة يتم من خلالها تحديد زاوية المتكلم ووضعه ورمزية قوله في علاقته مع الاخر ومن اجل تأويل المعنى يجب ان نخضع النص للايديولوجيا التي غذّته كي يتجاوز النص رئة التأويل الى الفضاء الخارجي الذي هو المتلقي بذاته

تقنيات السرد وفنية الحبكة

تقول الاستاذة يمنى العيد ان ســـــقوط المسافة بين موقع الكتابة وموقع القراءة بما يضع القراءة في موضع الخضوع العاجز هو امر يجعل من النص واحدا فوقيا مقابل جمع تحتيّ

(تقنيات السرد الروائي)

وهنا نجد الحوار في الرواية قد اخذ لغتها الدراجة البسيطة ليجعل الروائي من حوار شخصياته حوارا تقليديا انطباعيا ينطلق من وحدة الخطاب المباشرة التي تعكس للقارئ واقعا ينطلق من بيئته دون الالتزام اللغوي الذي يفترض اللغة الفصحى مع ترقيم اللغة وعلاماتها التقديرية فكان للسارد هنا انتقالاته البنيوية وسرده الفني وفق حبكة الرواية التي تهدف الى التوظيف الواقعي لا التوظيف الفني وقد نجد مفردات شائكة قد لا يفهمها بعض القراء الذين تختلف ثقافتهم اللغوية كون اللغة العربية فيها من اللهجات الكثيرة التي يصعب استدراك معانيها بين منطقة واخرى وهكذا اسلوب تعودناه كثيرا في الأدب المصري الذي غالبا ما يلجأ الكاتب الى ادراج لغة دارجة شعبية في روايته وهي روايات مشهورة حصدت جوائز دولية رغم اختلاف لغة الرواية او تعددها فقد تعهدت الترجمات او المترجمين الى ايجاد بدائل تحقق المعنى الذي يريده الروائي في روايته التي ينتقل فيها اسلوبه من الفضاء الذاتي للشخصية الى الفضاءات الذاتية لشخصياته الاخرى ثم خرج من تلك الفضاءات بدون قطع الفاصل بين الضمير والواقع وبطريقة بديهية ينطلق الحوار ويتعين الخطاب لا اراديا بين الشخصيات رغم ان الاصوات الموجودة في الرواية لم تكن اصواتا مستمرة الا انها جزء من المنظومة السردية الحكائية فلتقنيات الحبكة عدة اجزاء تتطلب وجود اسباب وعلاقات تستثمر الشخصية الرئيسية فيها احداثها وفق دلالات ذات تأثير صوري ذهني يجعل من المشاهد والاحداث مصادر لتعيين الوقائع وتدوير أزمانها وأفعالها ضمن زمكانية محددة وعلامات مثبتة ذات بُعد معرفي

عودة للسرد فان المعنى له دوره المحدد وليس حشوا او زيادة كما يصف ذلك تودوروف الذي يرى ان وظيفة المعاني محددة اذ تدخل وظيفة العنصر في علاقة مع عنصر اخر ضمن البنية الواحدة التي هي بنية النص

كتب الروائي جابر محمد جابر روايته وفق حكائية تتوالى في السياق السردي افعالا واقولا واحداثا تبعا لمنطق خاص بها وهذا دأب كل سارد يعمل على توظيف التقنيات السردية لروايته دون الوقوع في مطب الحكي البسيط الممل التقليدي فكان لفاعلي الافعال علاقات وارتباطات فيما بينهم محفزين بذلك منطق ما يدور في الرواية ولجعل عملية الكشف التي يحتاجها القارئ ، ولتحديد وتنسيق مشاهد الرواية بطريقة صحيحة مترابطة متسقة تجعله امام شريط من الاحداث يتراءى امامه المقروء صورا تجسد المعاني المطلوبة

الشخصية الروائية مهمة الرواية

هنالك ثلاثية معهودة في القصص والروايات وهي الثلاثية الرسالية المرسل الرسالة المرسل اليه فاننا سنجد للشخصية علاقة منها عرضية ومنها جزئية ومنها مصيرية ومنها حدثية وكل علاقة هي في ذاتها جزء من المنظومة السردية التي تبني وتشكل واقع الشخصية حسب الافتراض القائم في بيئتها والا فان الشخصية الروائية البطلة هي المتنفذة وهي وحدها من تريد تحديد الاحداث والاشارة لها حسب اهمية الحدث وعلاقته بالشخصية لكننا نتساءل ايضا هل لوجود بعض الشخصيات الدور الثانوي يجعلها شخصيات مهمشة ووجودها وجودا ظرفيا رغم انها شخصيات ثانوية الا انها متواصلة مستمرة ترافق الاحداث بينما هنالك شخصيات مزاجية تتواجد جزافا واعتباطا وربما تكون شخصية متطفلة اذ لم تكن ذات معنى مؤثر في الرواية قد يعتبره البعض حشو لاطالة زمن الحكي واثراء الاحداث اما في روايتنا هذه فقد اختار الروائي جابر شخصياته وفق ترابط غير متكامل بمعنى اخر انه لم يخبرنا عن زينب بما نريد ان نعرفه او عن زوجة خالد او حوار الطلبة حين تناولوا موضوعا اديبا فقد اختار لنا اسماء وحدد لها وظائف دون الاحاطة بها وقد نجد العذر له عندما نقول انها شخصيات ظرفية مهمشة ووجودها مقرون بوجود الشخصية الاساسية لكن مع ذلك يتوجب عليه ارضاء فضول القارئ ولو بجزء بسيط عن طبيعة هذه الشخصيات التي تداخلت مع الاحداث وتعايشت وفرضت زمنا وحدثا ذا طابع سردي من خلفه المؤلف الضمني الذي يحرك الاحداث ويسوق ترتيبها نحو تدرج زمني حدثي آني عندما يوازي مستوى القول مستوى الوقائع فتجيء الاحداث في توالي يطابق تواليها ويتماهى فيها فما كان دور الاب هنا في الرواية الا بعدا انسانيا رسمه الكاتب محاكاة مع الواقع الاجتماعي الذي كثيرا ما يحدث في البيئات الموبوءة بالخوف والامراض والحوادث بسبب وضعها المتعب المرهق فكانت الشخصية الثانوية شخصية بطلة .. تشارك بطل الرواية اغلب اجزاء وقائعه وبالتالي فان الدور هذا اكثر منه تلاحما من ان يكون ثانويا ملتصقا بالشخصية الرئيسية التصاقا تاما ليس لكونها زوجة الشخصية الرئيسية بقدر ما هي المسؤولية الكبيرة التي تحملها هذه الشخصية ويكبر حجم المسؤولية كلما كبرت معاناة الشخصية الرئيسية الاب وهذا ما ندركه سياقا نظاميا في العائلة قد يترتب عليه ارتباط اخر لبعض الشخصيات الاخرى كالابن البكر مثلا عندما يكون هو الاخر متورطا بمسؤولية قد تنقض على كاهله وترهقه وتتعبه كما حدث لشخصيتنا الثانوية الام

الختام

كنا مع رواية سلالم الصحو وقد ادركت بعض الاجزاء واشرت الى مداخل مهمة في الرواية من حيث التحليل والتفكيك النقدي والاسلوب الفني للقص وتجنبت الاقتصاص المطول والاقتباس المدلول للاحاطة بواقع الكاتب وتقنياته السردية والفنية في البناء الروائي لان المتن وما يتضمنه هو من اختصاص القارئ الذي سيلاحظ الاحداث ويستعين بثقافته لتأويل ما غاب عنها وتحليل ما استصعب فيها وتفكيك ما تشكل فيها وبدوري قمت بتناول الرواية حسب السياق النقدي المألوف مبتعدا عن زج النقد باقول هذا وذاك معتمدا على تحليلي الشخصي وتفكيكي وتاويلي مع ما رجعت فيه لبعض اراء الدارسين والباحثين في مجال الرواية فكان الرواية حسب رأيي رواية ناضجة تستحق القراءة والنقد والاحاطة واستنباط ادواتها والاجتهاد في تعيين اتجاهاتها ومنطلقاتها حسب الثوابت التي نعتمدها لتقرير النضوج الأدبي للروايات والحكم على جانب الحسن والقبيح فيها مع ان القبيح في مفهومنا النقدي هو النقص وليس القبح العيني بذاته ومعناه اللغوي لقد كانت الرواية ذات حوارات متعددة داخلية وخارجية مرة تكون مباشرة ومرة غير مباشرة وايضا تلك المناجاة التي قرأناها في شخصية الرواية او شخصياتها الاخرى وما تضمنته الرواية من توصيفات جعلت من الوعي تيار حركي يهدف الى تفعيل المهمة الثلاثية المرسل الرسالة المرسل اليه فكان لمونتاجها الزمني والمكاني تأسيسات جمالية نعتبرها احدى علامات الرواية الحديثة وهذا ما وصلت اليه بحسب امكانياتي البسيطة لتحليل وتفكيك وتأويل الرواية