في أوبرا الأتان لسامي المطيري .. الخيال كولاج مبتكر

في أوبرا الأتان لسامي المطيري

الخيال كولاج مبتكر

محمد يونس

كيف تقنعنا قصة تبتكر من واقع واقعا بديلا لايخطر على البال العام، ، وهي كولاج مبتكر داخل اطار قصصي، وتقدم ما هو قبح في البعد العام، لكنه قيم مؤثرة خارجية، وبوجهها الاخر هي بعدا جماليا، وتقوم سياقات السرد عدم الاتجاه بالمسار الواحد، كي تتتجه الى النتيجة وتضمن للحكاية نهاية حتمية، بل تعددت مسارات السرد عبر جمل رشيقة، ذات ايقاع سريع، فكان ذلك الايقاع يهز كيان المضامين الثانوية فتستجيب له، فتجد البعد العام للقصة هنا قد تشعب، وايها يكون اعمق دلالة واكثر تأثيرا حتى في الكاتب نفسه، يكون بالتالي، والقص هو قيمته في العمق الدلالي، كون البعد العام يحيد هنا عن معنى ثابت ومار على الخاطر، وطبعا هنا مؤكد بعد الشخوص يتحيد ايضا، حيث نمط الشخوص العاديين سوف يكون بوجهه الاخر، اي يبقي تأكيد أن الشخصية هي من لحم ودم، لكن ستكون بمعنى مختلف، يتيح لها التطور من البعد الافقي الى بعد عامودي، اي تكون الشخوص ورقية، وهنا يعني وجود خيال خلاق فاعل، وتجاوز التصور لحده المفترض في السياقات العامة، ومجموعة القاص سامي المطيري( اوبرا الاتان ) نمط عالي الحساسية من القص، وهي كيان ادبي مجرد من مقومات عدة، ويشتمل ذلك على مقومات كبرى، والاهم في تطور التخييل انفعالا هو العامل الانساني،فما من قصة تجاوزته، بل مؤكد ما قصة الا حملته بين ثناياها، وهناك مقومات حساسة في قصص سامي المطيري، حيث قد طرحنا غير مرة، عن جدوى أن تتيح لكيان القصة التطور من الداخل، ويكون السارد عاملا مساعدا، وهذا التطور لا يلغي البعد الارسطي بل يطوره، وما جدوى قصة تعرف لي معرفا مرات ومرات، وهنا نقطة اختلاف قصص ( اوبرا الاتان)، فهي لعب جمالي على عنصر اللغة، وتطويعه الى تأهيل القبح ليكون معنى جماليا، واي معنى تفطر قلب القصص لاجله، فكانت قصص سامي المطيري كما رغيف الخبز الذي انتجه تنور مسجور، وتوصيف حال القصة يفوق بلاغة عما وصفناه، حيث لامتعة قراءة الا كانت تزداد عمقا، وتؤكد للتلقي العضوي على وجه الخصوص، انه لن يقرا جريدة الاسبوع الماضي، بل تحفز فيه شعور مختلف وربما يكون موقف متضامن مع النص القصصي .

لغة الخلق الادبي

 ان وحدة اللغة في تمييز القص هناك لها مستويات توظيف، ولابد لها من صفة تخليق وليس فقط رسم بياني،ويكون الخلق الادبي هنا في قصص (اوبرا الاتان) ابعد من التخليق، لأن الخلق فني- قيمي – جمالي فيما التخليق نتاج غرض جاد ويحافظ على موضوعيته، والكاتب يسرد ما شاهده ويراه، اي هو ينقل رؤيته للعالم، فيما النص يسعى لأنطباع مرن ويتوسع ابعد من سمته الأساس، والنص الأوسع من قصصي فقط لدا سامي المطيري، يتأمل نفسه كمحتوى داخلي، ثم يهدف لكشف قيمته ومضمون حقيقته، وارى أن الشكل الفني في القصص قد ناور كاتبه او يثيره ليتجاوز شخصيته وامتلاك قدرة فنان في نسج صور لتفاصيل اعلى من الادراك الشخصي العام لديه، ومن طبيعة الحساسية الجديدة في القص الا تخفي سعيها لعملية انتاج الخلق الأدبي ، واعتقد لابد من ان نعزي الدافع الى مهام الوصف المتطورة حد التحايل الساخر والتلغيز لتغيير مضامين باخرى، فيكون النص الروائي مصدر احاجي هي الوجه الاخر للواقع، او بديل مستخلص منه، والغاز معنى هو تعميق للمعنى الباهت، وهذا ما يجعل ان ييبلغ النص القصصي وجدان الكاتب، والذي فيما بعد يقف مبهوتا ازاء فاعلية نصه، وحيث (أن كل نص يفرض أدواتٍ إجرائية تناسبه، وتنبع من داخله، وتستطيع أن تقدم قراءة فنية جمالية تكشف عن خصوصية الكائن والمحتمل) ، وقصص ( اوبرا الاتان) مجملها نصوص خلاقة بحس ادبي، ومنها ما هو اعطته لغة القص تفويضا لكسر حاجز التابو اللغوي، وفي اكثر من نص من المجموعة كانت اللغة الادبية بوعي تزيح مستورات غير موضوعية، ومنطق اللغة يتمثل به العامل الانساني، وهنا يتوافق هذا المنطق مع ازاحة المستورات، وكانت اللغة كخطاب داخلي للنص القصصي تقف كموقف ليس ايدلوجيا، وذلك في رفض موضوعي ضد تابوات وسياقات تكرست لجلد الذات، لكن كان ذلك كخطاب يعكس سرد انتقادي، ويرسم ملامح غير ثابتة لهموم الانسان في اغترابه الداخلي الذي يعيشه المؤلف والخارجي والذي يحس به ويشعر المؤلف.

البنصية

  هكذا نمط من القصص كمجموعة (اوبرا الاتان)، هو ليس قصة بمكان تسلسلي كما في البعد الارسطي، ولاهي قصة بدلالة عميقة فقط، ولاهي قصص بحدث واحد البعد بتقنية فنية، وانما هناك كولاج قصصي مبتكر بمهارة ودراية فنية، وهو ما تطلق عليه جوليا كريستيفا( البنصوصية) وقد حولنا المصطلح الى ما ترسمه القصص من بعد تقني، حيث كل قصة هي كولاجية وهناك ادوات ربط يفرضها الاطار القصصي، وهناك لغة متميزة تدير كل ما قصه المؤلف من المتن التاريخي الى متن القصة، واذكر أن بورخس في قصته ( مكتبة بابل) على وجه الخصوص، قد كان يوازي سامي المطيري موضوعيا، وان سياقات البنصية تعني وجود نصوص جزئية، وتلك النصوص عبر الصياغة تترابط وتصبح نصا متكاملا، وتقنيا ذلك مثال بأطر بناء بفن بلاغي عالي الخصوصية، وفيه دلالة تبدل دلالة اخرى، وكل دلالة هي من نص جزئي، وتلك هي قيمة النص القصصي في مجموعة (اوبرا الاتان)، حيث فيه سخرية غير مباشرة من جهة، وهي تعبير بوجه قبح وبوجه اخر جمالية البعد، ومن جهة اخرى يكون هناك تقابل دلالي بين الاجزاء، ووظيفيا تكون هناك مستويات للدلالة، فالدلالة الاخبارية في النص في مستوى، والدلالة الايحائية ايضا تقوم بوظيفتها، والدلالة، اظافة الى الى الدلالة اللغوية، والتي هي اساس النص، وتنوعها في ايقاعات عدة، جعل منها بعد استاطيقي اضافة الى وظيفتها في التمييز الحدثي، وقد تمثل عنصر التمييز الحدثي في قصة ( فوبيا الارتياب) حيث هناك مركز ثابت لافكار قص متعددة، وما كان المضمون الديني الا مؤطر بحس ادبي وتميز تقني كما في قصة (اهتمامات عراقية) لجمعة اللامي في البناء الغير الافقي والتجاوز او تقنين البعد الارسطي، لكن هذه القصة  ليست فقط قيمة ابداعية، ولا تقنيا في حدود تطوير التصور الى الخيال المرتبط بتعدد ازمنة، فالصيغة التي تمثل بها التخييل السردي، وتماهي الخيال حتى بلوغ اقصى مراحل الفن الابداعي، كانت فيها القصص ليست بوحدات تجريب، بل صياغة فنية ماهرة وظيفة ومضمونا .

الحبكة الفنية

أن الحبكة هي بنية لكن كامنة وبلا نشاط، وانما النشاط تقوم به جهات اخرى بعد بثها في هذا الهيكل العظمي ملامح  ليكون بعد الفعل السردي كيانا متحركا وليس كما كان في حالة من السكون التي هي مجرد تمثل بنية كامنة، والحبكة حالة مرتبطة بتاريخ السرد، وصراحة لاتتوافق مع طروحات الاطر الحداثية للخطاب السردي، الا في اطارها التاريخي،اما جانبها القيمي فغائب تماما، ولولا فعل السرد فهي ليست الا هيكلا عظميا او وعاء لما تبثه الذاكرة، وربما دورها ينحصر في عدم ضياع او تشتت ما تبثه الذاكرة وحفظه تاهيله للفعل السردي، وهذا طبعا ليس دورا وظيفيا، بل هو تاهيل وظيفة للفعل السردي، لكن للحبكة الفنية او الوظيفية دور مختلف، فهي تتصل مباشرة بوظيفتها، وعلائقا تتجاوز السرد ايضا، فهي تشكل علائق وظيفية مع الوصف، وتشكل جميع قصص (اوبرا الاتان) قيم سردية نصيا متطورة الاداء التقني، وبذلك تتوافق مع الحبكة الفنية، كونها وظيفيا يمكنها التوافق مع نصية متطورة في جنس قصصي، فقصة ( اوبرا الاتان) هي بيئة قصصية نصية باصوات وخارجية وداخلية، وازمنة عدة غير متوالية الوحدة، وبذلك هي تكسر ذلك الهيكل العظمي، أي ما يطلقه احد النقاد على الحبكة التقليدية  .

في عصر صار السرد ضد السرد وتطور مقطع الوصف الى مستويات فاعلة ظاهراتيا بل ابعد من ذلك- ويرى روائي ان الحبكة كهيكل عظمي- فاي جدوى منه، واليوم دور الوصف افعل – والرواية تصنع كاتبها وتحقق ما يعجز عنه- وهذا يلائم حبكة من نمط اخر وليست بهيكل عظمي – بل هي ورقية اي فنية يمكن عبرها بلوغ ما يقف الكاتب باهتا امامه- والفن السردي في تجنيسه فيما عدا اطاره هو لا يخضع لاشتراطات تلزمه،  وان الدور لحيوية النص تقنيا في قصص (اوبرا الاتان)، فتعدد تقنيات الصياغة القصصية والتداخل الكولاجي المتناغم الايقاع والمتميز التعبير الجمالي، والنفس الساخر بأنفعال ليس على بال، وتلك الوحدات في البعد التقني والتوظيف تميزت بتفرد وجد وجودة ومهارة .

تبئير ظاهر

 تواجهنا القصص عادة بتبئير لا تتيحه لنا زاوية السرد، لكن قصص (اوبرا الاتان) تعاكس ذلك التوجه بصيغة فنية، حيث البؤرة تتوضح ووتتجلى وتختفي مرة اخرى وهكذا دوالي، و تقنيا لا تتيح لك اللغة الوقوف على زاوية السرد، الا اذا بلغ انفعال السارد-  المؤلف التعريف بها، والصيغ التي استخدمها المؤلف في قصصه ليست بتقليدية الاطار، حيث تباين اظهار البؤرة في الضرورات السردية على وجه الخصوصن قمثلا حالات السرد الانتقادي التي تواجهنا بنسب متفاوتة في القصص، يكون المؤلف موجودا كموقف داخل كيان النص القصصي، ويتيح له النص التعبير عن موقفه بحرية، وهذا ما انعكس بصيغة الشجاعة الاخلاقية المجردة من رد فعل، وقام بنقد ظواهر عدة، وهذا الاظهار للبؤرة في مواطن وليس اجماليا، وما قصة قد خلت من وجود خطاب نقدي يوازي الخطاب القصصي، وحتى القصص الرمزية مثل ( قيامة) تجد التعبير الماركسي للتاريخ الشخصي، كون المؤلف مجموعة علائق، فنجد شهوده الاموات هم احياء في النص،؟ وهم امثلة لتعدداته الوجودية، وعبر ذكرهم ( الشاعر صاحب الشاهر-  الشاعر كمال سبتي-  القاص حمد صالح-  القاص عبد الستار ناصر ) وحتى كياني الجدل الانساني من جهة ومن اخرى الايدلوجي الصارم، وفؤاد ميرزا وفؤاد الكبيسي تشاركا بنويا، لكن ذات وشخص المؤلف استغل البؤرة لصالح كيانه الجمعي عبر تلك الشخوص، وقبلها في قصة ( الايائل ) ايضا انعكس البعد الماركسي في البؤرة المستغلة من المؤلف، لكن الاستغلال من الداخل، أي النص اتاح للمؤلف جزء من سلطته، والا لكان للمؤلف سلطة ايدلوجية لو كانت من الخارج، ولكان البعد شخصي السمة ويكون استغلال البؤرة السردية وزاوية النظر هو ايدلوجي الطابع، وهنا كانت المتعة عندما يشارك المؤلف الشخوص ويكون بذات الخط الزمني .