قصتان قصيرتان.. حكاية زهرة

قصتان قصيرتان.. حكاية زهرة

تمام عدنان حسين

تبدأ القصة حين انتهيت من غسل وجهي بغير ابطاء .. تلبية لنداء اصدقائي في ذهابنا للمكان المعتاد (“الحديقة” متنفسنا الوحيد ) عسى ان نجدها جافة اليوم بعد اغراقهم اياها بالماء الزائد و الاهمال يوم البارحة !

لم أتأخر يومها كعادتي ،، لان لي لقاء اخر قبلها مع صديقي وصديقهم حارث على الرغم من عدم تحديد موعد مسبق للقاء ، وهو امر ليس بالمهم اذ انني تعودت الذهاب اليه في المكتب التابع لحزب من الاحزاب دون اذن او جس نبض !

كان يعمل وقتها حارسا في ذلك المكان على الرغم من كونه شريكا لي في المكتبة صباحا اذ ان الدوام الرسمي لدائرة الجنسية و الجواز هو مانعتمد عليه في عملنا حصرا وبشكل اساس ، فينتهي عملنا وقت انتهاء الدوام الرسمي ، ولا اعلم الى الان كيف كان يوفق بين العملين و دوامه في كلية الحقوق

كان شريكي رغم كونه صاحب المكتبة ، فطبيعة علاقتنا و طبيعة حارث لم يكونا يسمحان له بان يكون لي ربا في العمل !

شاءت الصدفة ان اصل الى مقر عمله متأخرا ببضع دقائق ، لانه ذهب الى السوق ليوفي قسطاً من دين كان يدين به لاحدهم ، فلم استطع البقاء لانتظاره فذهبت الى اصدقائي الاخرين الموجودين في محل حلاقة قريب من موقع عودة حارث المرتقب !

بعد دخولي بالسلام ،، وثبت غمزة من هنا وضحكة من هناك كعادة اصدقائي الطيبين حتى نسيت امر حارث وامر اللقاء معه … خرجت وصديقي حمزة لتدخين سيجارة غير مسموح بها في المحل فلحق بنا عمار واثناء الحديث غير المجدي حول الصفة المزعجة لصديقنا محمد في تأخره كل يوم عن موعد الخط كل صباح،، دوى صوت قوي هو صوت ليس بالغريب عن منطقتنا وايامنا .

ذهبنا انا وحمزة لالقاء نظرة على الحادث بغير ابطاء حتى لقانا حسين (زميل في العمل الصباحي) لقانا وعلى وجهه اثار صدمة والم وخوف … سالناه مضطربين ما الامر

فأجابنا وبصوت رجيف ومختنق كأنه يخاف الجواب _ لقد مات حارث!!!!!!!

لم نصدقه ،، كأنه لم يقل شيئا ، هرعنا الى السوق المدهون بالاسود و الاحمر … المعطر بريح البارود والدم و اللحم المحترق .. لم اعرف لم ذكرتني تلك الرائحة بتجاربي العلمية في حرق النمل بواسطة العدسة المكبرة وضوء الشمس .!!

شق كل منا طريقه وسط الاشلاء الانسانية المتناثرة و الصراخ المهيج لكل انواع الهلع ومما زاد التوتر اكثر صوت الرصاص المستمر من كل الجهات و حالة النفور العنيفة للناس في البحث عن ملجأ او ذوي من ذويهم ونحن مثلهم في بحثنا عن حارث او احد من الاصدقاء والاهل للتأكد من سلامة اي منهم .. لاح في الافق القريب لطم عنيف لوجه وصدر قامت به امرأة سمراء وهي تطالع اشلاء ابنها ، وفي اقرب منها محل للقصابة وشوي الكباب الذي صار يمازج لحمه الني لحم البشر فلم يكن احدهم ليميز بين اللحمين الا بالامعاء واعضاء معينة من اعضاء البشر!

هرعت عائدا ابحث عن حمزة اثر انفجار اكثر دويا وصدمة مضيعا اثره حمزة والطريق وعقلي …وهو حالي وحال كل من كان في السوق ، عدت مسرعا الى الحلاق فلم اجد الا صديقي سامر ، لم احدثه ولم يحدثني الا بالعبرات و لهاث الخوف ،، توصلنا الى حل الركض و الاحتماء باحد الدرابين الضيقة !

هي تقنية اتقناها جيدا بحكم الخبرة المسبقة و بعد معرفتنا لما سيحدث بات الامر ليس غريبا .. ان يفقد اي منا حياته

بعد احتمائنا بقيصرية لمحال بيع الموبايلات والحلاقة لاحظنا رجالا تحمل العدة الثقيلة من السلاح وتجري نحو .. لا نعرف

فعرفنا ان امامنا خيارين اما البيت واما الموت … الموت بالاشتباه بالخطأ او الموت ” بهاون” اخر لاسمح الله!

في تلك اللحظات لم يكن اي انسان ليفكر بوضوح فتارة كنا نجري نحو الشارع العام الفاصل لبيت سامر و الدربونة فيسبقنا اليها هاون .. وتارة نقف مسمرين من هول الالم الذي الحق بام فقدت ابنها او بنتها او زوجها او اختها وراحت تستغيث ! وتارة اخيرة .. حالفتنا الصدفة المذهلة في ايجاد الطريق الامن نحو بيتهم و الاحتماء

وهو ماكان اهون مما جرى لصديقي الاخرين احمد و حمزة في الذهاب بحثا عن جثة حارث او بدنه (حسب ماكنا نأمل )

واثناء الارتقاب و الذعر و الخوف على اخي زيدون الذي لا اعرف اين يمكث الان ومماسيجري لحمزة واحمد وماجرى لحارث

بانت امامي زهرة بيضاء صغيرة … كانت بين الاعشاب المحيطة بحديقة بيت سامر…. رأيت فيها ملاذا ككهف امن لذ لي الاختباء فيه … او انني في الحقيقة حسدتها … كيف لها ان تكون بذلك الجمال ؟!!! كيف لايعكر صفو رائحتها ونظارتها الم او خوف او بؤس؟!!

اتذكر اني تساءلت مسهبا في الهروب من الالم .. هل يعرف من اطلق تلك الصواريخ ومن لف الحزام الناسف حول خصر تلك الأمرأة التي تسببت في وفاة حارث حجم الألم الذي تسببه؟! ايعقل ان يكونوا بشرا؟! حقيقة اني كنت لأعتنق الفكرة التي تقول اني اكرههم … اكرههم لانهم وحوش ولكن… كيف لزهرة ان تكون اقوى مني؟؟!! أجلت حكمي عليهم بفضل تلك الفكرة ،، اجلتها لأني كنت اضعف من ان احكم على احد …. بعد مضي الايام حللت كل لحظة مما جرى وفكرت فيها مستطرقا كل باب للعقل و المنطق و الانسانية …. أاكون مثلهم ان اعتبرتهم وحوشاً فيلوذوا بما كانوا يريدون ؟؟ أاكون كذلك فينجحوا في قتل الزهرة التي في داخلي ويحولوني الى الة كره وحقد ؟؟ ام ابحث عن الحقيقة؟؟! الحقيقة التي لاتحولني الى وحش باي حال .. تلك الحقيقة التي قادتني الى مزيد من الالم …. تألمت حين عرفت بانهم بشر … هم مثلي ومثلك .. هم فقط ظلوا الطريق هم لايعرفون بانهم اغبياء … بانهم اضعف مخلوقات الارض .. اسوأ مافي الارض.. اقبح مافي الارض لكنهم بشر… هم فقط ضحايا ضعفهم و جهلهم والظروف التي جعلت منهم يفعلون فعل الوحوش … قررت اني لن اكسبهم كراهيتي وان يبقى داخلي جميلا وقويا … كتلك الزهرة