قصتان قصيرتان .. قبضة ملح

قصتان  قصيرتان ..  قبضة ملح

 موسى الهاشمي

دخل الضحى وارتفعت الشمس ومازالا نائمين. انتصف الليل ودقت الساعة الثانية عشر عندما نضيا ملابسهما وأزالا ورقة التوت عن جسديهما واندسا تحت اللحاف ليلتصق احدهما بالآخر. خرقت الشمس النوافذ الزجاجية والستائر ولسعت جسديهما، فاستيقظت الزوجة أولاً .

   تململت في محاولة للنهوض، بعد أن فكرت بمهام البيت العديدة المؤجلة والآنية. لكن في كل مرة تعمد فيها إلى التململ،على أمل النهوض، كان يلف ذراعيه الصلبتين، القويتين، حول جسدها البض ويحتضنها برغبة وود فتستكين وتستسلم وتتأوه معبرة عن لذة استثنائية، مؤخراً.. إحدى ذراعيه استهدفت النهدين فأغمضت عينيها مسرورة مثل حمل وديع حالم ومسالم. أمطرها بوابل من القبل وأسمعها كلمات جميلة ، همساً: أحبكِ..أحبكِ.. أحبك.

   اختلجت عيناها فجأة وانشغل فكرها يستعرض أعمال البيت المكدسة منذ الأمس، والوقت قد أزفَ وما فضل منه غير كاف: أمامها الاستحمام وتهيئة الإفطار وأعداد ما يلزم لوجبة الغداء…

   حالما انتظم إيقاع  أنفاسه عرفت إنه قد أستسلم للرقاد فتملصت من بين ذراعيه بصعوبة.. مثل تفاحة يانعة، منسابة بسلاسة ونعومة. تسللت إلى الحمام بهدوء، عارية من كل شيء،. تحمــل المناشف اللازمة. ثم خرجت لتنهمك في إعداد مائدة الإفطار، وهي لم تزل تلف جسدها بروب الحمام ومنشفة الرأس.

   أنقلب إلى جانبه ومد إحدى ذراعيه ليحتضنها فوجد مكانها إلى جانبه خالياً. استيقظ  وتثاءب، ونهض يدق على صدره، معبراً عن كسل جسده. قرر أن يسرع بالنهوض إذ لم تعد هناك جدوى من بقائه في الفراش فهي قد غادرت السرير وليست بين أحضانه.

   استحم هو الآخر وتحلّقَ حول مائدة الإفطار. ملأت قدحه شاياً ساخناً وجلست قبالته بسكينة. شعر بفيض من السعادة وهو يطالع ساقيها العاريتين من بين ثنايا الروب. وابتسم وداعبها ببضع كلمات غزل. ثم نهض لارتداء بذلته، ففكرت بوجبة الغداء التي ستعدها قبل عودته من العمل، قائلة:

ـ نفد ملح الطعام منذ أول أمس مما اضطرني إلى الاقتراض من جارتيّ ، الأولى والثانية، ليومين متتالين، فأرجو أن تجلب لي كيلو ملح من الدكان القريب من بيتنا قبل توجهك إلى العمل.

    اعتبر الزوج إنها تضع ستراتيجية جديدة تسبغ علاقتهما، فهو لم يسبق أن اشترى ملحاً ولا أي من مستلزمات البيت. فقال:

ـ اذهبي بنفسك أو اقترضي قبضة ملح فالوقت المتبقي ضيق وغير كاف لجلب الملح.

    اعتقدت أن حجتها دامغة ومبررة وقوية. فمضت تقول:

ـ الساعة شعري مبلل ويجب أن يبقى ملفوفا هكذا لساعة أخرى وإلا أصبت بالزكام. أما إذا كررت الطلب على جارتيّ يصبح الأمر غير مستساغ وستلعنني كل منهما في السر.

كرر القول بانفعال أشد:

ـ قلت.. اذهبي إلى الدكان بنفسك. لن اذهب لشراء الملح اللعين.

فقالت باستغراب:-

ـ وماذا في ذلك ؟ لتكن المرة الأولى، فما هي إلا دقائق معدودة.

فقال بعصيبة وانزعاج ملوحاً قبضته في الهواء:

ـ إذا لم تكف عن الثرثرة سأحطم أسنانك بقبضتي هذه. دعيني وشاني تصرفي كيفما تشائين.. هذا من صميم عملك.

تصاعد الخلاف. قطبت. تجهمت. انقلبت سحنها. اتجهت إلى المطبخ وهي تولول:-

ـ لو كان الملح لغيري ممن اعرفهن لتركت حتى العمل ولبيت الطلب.

 جحظت عيناه فصرخ:

ـ حقيقة، أنت قليلة الأدب. ألا تنظرين كيف ارتدي ملابســـــــي بيديّ وقدمـــــــيّ استثمـــاراً للوقت ؟

ـ قد تكون غير ذاهب للعمل. لم أرك في عجالة كما أراك اليوم.

ـ أنتِ حقيرة وسخيفة لا تنتبهي إلى ألفاظك كم هي قذرة.

ـ أنت رجل غير محترم.عيناك زائغتان. لم يحسن والداك تربيتك. تكذب وأنت تقول ذاهب إلى العمل .الم تعترف بعدد مغامراتك العاطفية ، ومن بينهن نساء متزوجات!

خرج عن طوره وزمجر.

ـ أبي وأمي خير من أبيك وأمكِ، لو كنتِ شقيقتي وأبي حياً لقطع لسانك.

ـ يا لكَ من سخيف، أبي وأمي  أفضل من أبيك وأمك. الم تفض بكارتي بنفسك يا شريف .

   فقد أعصابه ولم يعد يحتمل. جاء ولطمها على فمها بكفه الغليظة فسال الدم على جانب ذقنها وفقدت أحد أسنانها الأمامية، وأرتفع صراخها وأزداد ألمها، وسقطت على الأرض. وصادف أن فردة قبقاب البيت قرب كفها فتناولته وقذفته نحوه بما تملك من قوة. ولما كان القبقاب مصنوعاً من خشب الصندل المتين وذا كعب مدبب يعلم خطورته. وهو يراه يتقلب في الهواء متجها نحوه، بذل ما بوسعه للزوغان أو تلقيه بكفيه بيد أن محاولته جاءت متأخرة فأصابه كعب القبقاب وانغرس في إحدى عينيه وأطفئها إلى الأبد. انبثقت الدماء بغزارة وسقط يتلوى من شدة الألم وهول الصدمة؛ انتزعه غير مبال. وفي لحظة يأس نهض مغمض العينين يتخبط  ويضرب القبقاب في الهواء يميناً وشمالاً ويتعثر بأثاث البيت، على أمل أن يصيبها إصابة قوية وينتقم لنفسه. ولما كانت ضرباته عشوائية  تذهب سداً. إذ كانت قد اختبأت في أحدى زوايا المطبخ، وتنظر إليه من زاويتها برعب وخوف. وتراه مثل وحش كاسر. وكلما أزداد خوفها كلما أزداد التصاقها بالجدار . تضاعف خفقان قلبها حتى امتلأت رعباً، غير مصدقة ما حدث. وفي لحظة يأس وجنون، بذل جهدا عظيما وتماسك فاتحاً عينه اليمنى وأبصرها في زاوية الغرفة بجوار السرير فاتجه إليها مباشرة. علمت إنه حدد مكانها فنهضت وأسرعت محاولة الإفلات من قبضته والنجاة، متوجهة نحو الباب الخارجي، لكنه كان قد أسرع  فلحق بها وامسك شعرها من الخلف وطرحها أرضاً وأحكم قبضته على رقبتهــا وراح يضغط ويضغط ويصرخ ( أنتِ طالق طالق طالق) لكنها لم تسمع  فقد فارقت الحياة دون أن ينتبه لأن قبضته كانت شديدة، قضت عليها بسرعة.

نقلت هي إلى المشرحة لتحديد سبب الوفاة ودخل هو المستشفى . أما البيت فقد بقي مشرعاً، تعوي به الريح ويصفق الأبواب ويلفه الغبار.

   فتح المحقق ملف التحقيق وهو يبتسم ساخراً. ووضع للملف عنــواناً  (جريمة بشعة من أجل قبضة ملح).