الحلي يعوم بالعمق ولا يخاف غدر الأمواج

الحلي يعوم بالعمق ولا يخاف غدر الأمواج

حمدي العطار

حينما كنت في ليبيا حيث اعمل،وفي ليبيا ومدينة سرت بالذات هناك ساحل يمتد على طول خارطة ليبيا والمدن المهمة مثل طرابلس (العاصمة الرسمية) وبنغازي العاصمة (الثورية) ومصراته (العاصمة الاقتصادية) وسرت (العاصمة السياسية والإدارية ومسقط رأس القذافي) حيث كنت اقيم ،كنا نذهب انا واحد الاصدقاء الفلسطينيين لشراء السمك – في ليبيا يطلقون على السمك “الحوت” مهما كان حجمه ، كان هناك سمك الوانه قوس قزح كأنها للزينة ولكنها من ارخص الاسماك وتحمل بالرغم من جمال الشكل طعمها رديء لم اكن اعرف السبب ، لا ان حدثني صديقي الفلسطيني المقيم المخضرم في سرت وقرب البحر ،كان يقول لي هناك اسماك (حجرية) قلت مع نفسي انا من البصرة ام السمك يريد صاحبي ان يتفلسف علي بأنواع السمك ! قلت له بلسان الخبير “الاسماك ثلاثة انواع من حيث وجودها في الماء- سمك نهري-سمك بحري- سمك احواض” من اين جاءت تسمية – سمك حجري- يبتسم وهو يحصر ضحكته قائلا:- السمك الحجري هو ايضا من اسماك البحر لكنه يعوم ويتواجد بين الحجر وعلى الجرف ولا يذهب ليعوم بالعميق ، فترى الوانه يكتسبها من ضحالة المياه البحرية الملوثة وبالتالي هذا النوع ليس نادراً بل كثيراً لأنه غير مرغوب لمتذوق السمك ! تذكرت هذه الجزئية وانا أبدأ بقراءة كتاب “في الصحافة والثقافة والفنون والحياة ” للكاتب الصحفي والإعلامي والأديب “زيد الحلي” في فقرة “ركام الكتب.. افكار هزيلة وتجارب رثة – اصدارات للوجاهة واخرى للظهور في الأعلام  والذي يتناول فيه استسهال اصدار الكتب في ظل الفوضى وغياب الرقيب الايجابي على الاصدارات !

كنت اتابع ما ينشره زيد الحلي في الصحف ولكن ان تقرأ في كتاب غير ما تقرأه في الجريدة ، قراءة الجريدة تكون احيانا سريعة وبدون تركيز لأننا بسبب ضيق الوقت لا نختار المكان المناسب لقراءة الجريدة، اما الكتاب فهو يفرض عليك ان تحتضنه وتركز على ما جاء فيه ،وطالما اختار الكاتب ان ينزل مقالاته في كتاب منشور فهو متأكد بأنها كتابات تستحق الديمومة والقراءة المتأنية وان تكون مرجعا لمن يريد يسترشد ببوصلة الكتابة الصحيحة والرصينة،وبالوقت الذي يتأنى فيه كاتبنا ولا يجمع ما يكتبه وينشره في الصحافة ليكون بين دفتي الكتاب ويعبر عن مخاوفه في السطور الاولى قائلا(فيما الكثرة من الموضوعات والمقالات ،فقد تبعثرت أو فقدت مع الايام في غياهب الضياع، لذلك استعجلت قبل أن تفقد البقية ، فقررت حفظها في هذا الكتاب ) ولنرى من يقدم كاتب مبدع مثل زيد الحلي غير مفكر كبير مثل “عبد الحسين شعبان” والذي يعطي توصيفاً دقيقاً لسجايا الكاتب وهي (الاخلاص لمهنة الصحافة) و (الاخلاص للأصدقاء) و(الرغبة في التعلم) و(الرغبة في مساعدة الاخرين) هذه السجايا جعلت زيد الحلي لا يرغب الا بالمغامرة الصحفية والخوض في اعماق المعاني والأفكار التي تنير عقول المثقفين والقراء ، فكانت مواضيعه التي تناولها اما من خلال الحديث عن شخصية عامة في مجال الشعر او الصحافة او الفن او عن ظواهر ثقافية خطيرة !ولا يكون حديثا او حوارا شخصيا بل هو استلهام لتجارب هؤلاء المتميزين مع ربط اوضاعهم الاجتماعية ومشاكلهم في مجال العمل وصعوبات التكيف مع المجتمع المحيط بهم ، يسحب زيد الحلي تلك الشخصيات معه الى وسط البحر ليكتشف مكامن القوة عندهم وقدرتهم على النجاة ! من اجل كل هذا قررت أن  تكون قراءتي لكتابة كدراسة نقدية بعد ان اتمتع بما جاء به من معلومات وأفكار ممتعة ،وكما يقول الكاتب (المفلس وحده يجتاز السوق سريعا) لأن ليس لديه ما يجعله يتأمل السلع والبضائع وهو لا يستطع اقتناءها! سوف نسير بتأني وتأمل في ما كتبه زيد الحلي عن الشخصيات والظواهر التي تمربنا وقد لا ننتبه لها لكن الكاتب يجعلها موضوع الاهتمام والبحث.

لميعة عباس

يحرص الكاتب الحلي على أختيار عناوين تعبر عن جوهر مقالاته بشكل جميل،فحينما يريد ان يتكلم عن تنحي الشاعرة العراقية المغتربة لميعة عباس عن منصة الشعر يختار كلمة الطلاق ،وقد يكون هذا لافتراق بالتراضي “طلقت الشعر ، وطلقها الشعر بعد زواج جمعهما دام سبعة عقود ونيف”وحتى يقول الحلي رأيه بشاعرية لميعة يعطيها هذا الوصف “فأنني أجد في شعرها روح المتنبي ، وموسيقى البحتري،وتصوير أبن الرومي، وصوفية المعري” وبعد ان يثني على قرار تقاعد الشاعرة وهي في اوج عطائها يعرج على المقارنة وما اكثر ما يقارن الكاتب بين المتناقضات في مجال الثقافة والشعر”فأذا كان اللاعبون الحقيقيون شعروا بتوقف مدادهم الابداعي فآثروا الانسحاب،فيكون من الاولى من الهواة الاسراع الى المغادرة قبل أن يجبروا على ذلك،وبوادر الاجبار آتية، وهي بوادر لا تسر” ويذهب الكاتب في الحديث عن مصطلح (شاعر رائد) وعلاقة الريادة في الماضي والحاضر ،كما يسوق لنا مصطلح (مبدعو الانترنت) –ان ثقافة الدماغ والاستيعاب قلت ،فيما ،أتسعت ثقافة العيون – وعن كثرة الشعراء وغياب الموهبة الشعرية “زاد عدد الاشخاص الذين يكتبون ما يدعوه شعرا على عدد بائعي الايس كريم في بلادي” وينصح الشعراء بكثرة القراءة”فالصور والمعاني في الشعر تتكاثر بالقراءة ،وتتزاحم بالمطالعة،وتزيدها التجارب في الحياة والاختلاط بالناس، والاندماج في البيئات والأوساط المتباينة ، فأين ذلك من الواقع؟” ونحن نتابع قراءة هذا المقال نتساءل اين (لميعة عباس) لقد اختفت حول ظواهر ثقافية كبيرة تكلم عنها الكاتب وعد استقالتها من كتابة الشعر مدخل لتشريح الواقع الشعري البائس في العراق ، ابو الشعراء الكبار (الجواهري- السياب – البياتي- حميد سعيد- سامي مهدي- لميعة عباس- عبد الرزاق عبد الواحد- الحصيري- حسب الشيخ جعفر- وموفق محمد) وقد يستنتج القارئ بأن الحلي  ( متشائم)  لذلك يدحض هذا الاستنتاج في نهاية المقال “لست متشائما ،واظن ان في المصباح ما زال يوجد فيه زيت ، فالساحر مجرد انسان مهرج حزين يخدع الآخرين ،لكنه لا يخدع نفسه ،وضوء المصباح يستطيع كشف سحرة هواة كتابة الشعر ،فمن بيده عود الكبريت كي يضيء هذا المصباح ؟ من ؟”

ركام الكتب

يرى الحلي في هذا المقال بان ظاهرة الكم “المريب”من الاصدارات البائسة من الكتب ، هي ظاهرة خطيرة ، ويدعو الى تشكيل “لجنة مشهود بكفاءة من يمثلها منبثقة عن الاتحاد العام للأدباء في العرق، لها صلاحية قرار نشر الكتب من عدمها.. فإصدار كتاب ليس مجرد رغبة شخصية ، بل هو شأن عام يدخل في باب الذائقة الثقافية للعراق ” ويؤشر الحلي الى مفارقة تدعو الى السخرية (قد اصبحت ظاهرة الطبع للعراقيين محل تندر في الوسط الطباعي في سوريا ، وأظن أن الأمر نفسه في بيروت او في القاهرة)- ان المؤلف العراقي يدفع ثمن الطبع ولا يهمه توزيع وكمية ما يطبع ،والذي يهمه هو حصوله على مئة او مئتي نسخة من كتابه بهدف التباهي به من خلال الاهداءات وتوكيد الذات امام من يريد- ويدعو الحلي هواة الكتاب الى الاستفادة من تجارب المبدعين ويوصي بكثرة القراءة قبل الكتابة والنشر (الثقافة لا تنمو ملكتها في النفس ، الا بكثرة مطالعة الجيد والمفيد في المجالات المعرفية بمختلف صنوفها ، وبعد حصول هذه الملكة ، لا بد من الدربة الطويلة على الكتابة ) ويعطي الحلي توصيفا قاسيا على هذه الاصدارات على انها (لا تتعدى خواطر بسيطة وأراء بلا تجارب ) ويؤكد ان (اللغة هي مجرد وسيلة للإفصاح عما يختلج في النفس من فكر ، ومن المفيد توضيح ذلك الفكر حد المستطاع ) وعن نزار قباني يستشهد به الحلي في نهاية المقال حينما يسأل لماذا تكتب  فيجيب “اكتب كي أفجر الأشياء،والكتابة انفجار.. أكتب كي ينتصر الضوء على العتمة، اكتب كي تفهمني الوردة والنجمة والعصفور، والقطة والأسماك والأصداف والمحار.. ” فهل تساءل هواة الاصدارات ، عن ماذا يكتبون ولمن يكتبون؟

ملامح الهوية

يقدم لنا الحلي في كتابه خليط غير متجانس من الاجناس ،منها المقال،والمذكرات والمقابلات ،فهو ينتقل من لميعة عباس الى الحصيري الشاعر اللغز ومن ثم سيرة غير مروية عن الشعر البياتي – وكثرة هي الاخبار الجديدة التي ترتقي الى مستوى الإسرار يكشفها هذا الكتاب ،ومن المبدعين الذين توقف في بعض محطات من مراحل حياتهم (جمعة اللامي- جواد سليم- زكي الجابر بلقيس ملهمة نزار قباني- قيس لفته- عبد الله البردوني- حميد سعيد -عزيز علي-نازك الملائكة –السياب -جواد الحطاب – يحيى السماوي –حسين مردان-صقر عليشي- صباح الربيعي- عدنان الصائغ) وله مقالات متفرقة يناقش فيها امور الصحافة وحرفيتها كما انه يلوم ويقسو على بعض الادعياء في مجال الشعر او اصدار الكتب، وانا ارى في ظاهرة الرغبة في تقليد وادعاء البعض بانهم من الكتاب او الشعراء ويسارعون بإصدار الكتب لانضمامهم الى قافلة الكتاب علينا ان ننظر اليه من وجهة مختلفة عما شخصه الحلي ، نحن نرى بأن مهنة الصحفي او سمعة الكاتب لو كانت غير ذات اهمية لما سارع الكثيرون على انتحالها والسعي اليها ! وهذا يعني من جانب آخر ان مهنة الصحافة والكتابة مهنة محترمة في المجتمع العراق، ثم اقتراح الحلي ان يكون الاتحاد العام للكتاب والأدباء  الجهة التي تشكل لجنة لفحص الكتب قبل اصدارها لا اجده مناسبا وانا ارى ان المسؤولية يجب ان تقع على (الناشر) سابقا كانت لدى دور النشر خبراء يراجعون الكتب المقدمة للطبع وقبولها او رفض طباعتها ،فرواية “هاري بوتر” الاكثر شهرة كانت مرفوضة من قبل دور النشر وتم رميها في سلة (المهملات) ويصادف ان تتصل بالمؤلفة احدى دور النشر (المغامرة) لتبلغها موافقتها على نشر الرواية وكلنا نعرف ماذا حققت “هاري بوتر” من ارقام قياسية والتوزيع والمبيعات وتم تحويله الى افلام سينمائية حصدت جوائز الاوسكار.

 نصب الحرية

في مقال مهم يذكر الحلي ان الطفلة (خلود عبد الرحمن) ذات السبعة اعوام كادت ان تفقد  حياتها ،حينما سقطت قطعة المرمر  من نصب الحرية بالقرب منها! ” نصب تماثيل الحرية التي ابتدعتها انامل الفنان المرحوم “جواد سليم” ،لتسقط واحدة بعد أخري وسط ذهول المارة ،وصدمتهم ” ويعد الحلي هذا السقوط (نذير شؤم ،يلحق بالعراق وأهله) ويضيف الحلي بأن “نصب الحرية عبارة عن سجل مصور صاغه الفنان جواد سليم عن طريق الرموز اراد من خلالها سرد أحداث  رافقت تاريخ العراق مزج خلالها بين القديم والحداثة

خصوصية والمبدعون

يرى الحلي ان المبدع لا يملك خصوصية كما يدعي الكثير من المبدعين (ان المبدع ايا كان صفة ابداعه يستمد حاضره من حزمة قراءات ومشاهدات ممن سبقوه او من جايلوه فيصبح تكوينه بالضرورة،امتدادا لغيره شاء ام ابى) ويرى الحلي بأن الخصوصية ليست ميزة بل هي ادعاء “ان المبدعين ،اعطوا ثمار ابداعهم بشمولية ،فاستحقوا المحبة والإعجاب … والخلود فادعاء الخصوصية وهم كبير وخطير مثل وهم الصفاء في العراق والنسب في عالم لم يعرف التدوين الا قبل قرون عدة ..مضت.

اسئلة وجواب

يضع الحلي في هذه الفقرة سؤال رئيسي واسئلة وتساؤلات ثانوية تصلح الاجابة عليها بعمق لتكون كتاباً آخر استطاع الحلي تكثيفها بأسلوبه الصحفي ليعبر عنها بعمود صحفي مضغوط وهي ميزة الكتابة الصحفية ،يسأل الحلي (العلم والإنسان … من غلب من ؟ اليس الانسان ،هو قائد العلم وصانعه … فكيف يتصارع معه أذا؟ )وهذه الاسئلة الفلسفية تفتح افاقاً من التفكير في في حقيقة مدى تأثر (التقدم العلمي) على الانسان ،اذ يؤكد الحلي ان (الانسان اضطر الى التنازل عن كثير من الحريات الشخصية في سبيل تحقيق الأمن ولقمة العيش! ) وحول العولمة وعبارة تحول العالم الى قرية صغيرة ،الحلي يرى بأن الانسان في ظل العولمة برغم فضل تطور وسائل الاتصال الا ان الانسان (يشعر بوحدة قاتله في قرارة نفسه ..ومن العجيب حقا ان هذا الشعور يزداد بين الناس ،كلما زاد عددهم ..وتشير الدراسات الى ان اكثر المدن ازدحاما مثل (نيويورك) أو (القاهرة) اعظمها اثرا في الشعور بالوحدة ..والفراغ) واتفق مع الحلي في ان الانسان في المدن الكبرى المزدحمة بالناس تضيع ملامح هويته، وتهمل العلاقات الانسانية والاجتماعية ،لا احد يسألك عن انتمائك وهويتك العائلية او الاجتماعية الانسانية، يتعاملون معك بصفتك المهنية وانجازاتك في مجال العمل والوظيفة وتضعف علاقات الصداقة فلا يوجد وقت لمثل هذه العلاقات الحميمية ! ومن هنا يشعر الانسان في مثل هذه الاماكن بالغربة والوحدة .انتهيت محاولتنا المتواضعة في تصفح كتاب (زيد الحلي) – في الصحافة والثقافة والفنون والحياة – وبالتأكيد لا يمكن الاكتفاء بما جاء من عرض لبعض المقالات الكتاب بل على كل من يريد معرفة الكثير من اسرار ما تم تندوله في الكتاب وهم من الشعراء والكتاب والمفكرين الكبار ما عليه الا ان يرحل مع الحلي في تحليله ومذكراته ولقاءته الممتعة مع هذه القامات التي اثارات في حياتنا الادبية والفنية الكثير من الجدل الثقافي.