فعل السرد يخرج المرأة من دائرة المحافظة

كسر الانساق الثقافية ومرجعياتها في مجموعة لحنون مجيد

فعل السرد يخرج المرأة من دائرة المحافظة

سمير الخليل

يغامر الأديب، لإثبات وجوده الابداعي حين يكتب في نوع أدبي يسعى إلى تثبيت نفسه، كما في القصة القصيرة جداً التي تسعى لتخصيص مساحة لها في عالم السرد، ولكن مبدعا مثل حنون مجيد خبر السرد وكتب في أنواعه الأدبية من رواية ومسرح وقصة قصيرة وقصيرة جداً، لا يغادر الكتابة من دون أن يترك أثراً واضحاً على متلقيه وبصمة فنية فيما يكتب.

في مجموعته الجديدة (السُّلّم) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية –  بغداد 2015 يطالعنا القاص حنون مجيد، بعدد من القصص بلغ مجموعها (121) قصة قصيرة جداً، تميزت عناصرها البنيوية بكثافة اللغة، وجزالة المعنى، واختزال السرد، واعتماد الرمزية، وخلق المفارقة، تناول فيها همّه وهموم المجتمع العراقي باسلوب يدعو إلى التأمل، وبشعرية توحي بحس أدبي عال.

يسعى القاص في معظم قصص المجموعة إلى كسر النسق الثقافي المتجذر بطريقة الومضة التي تدهش القارئ وتجذبه إلى إعادة التفكير في ما رسخ!

وليس من السهل بمكان كسر تلك الانساق التي مدت جذورها بخفاء في المجتمع فشكلت مرجعية ثقافية لا يتخطاها فضلاً عن أنْ يحاول كسر أنساقها فالفرد قد برمج فعلاً على أداء مهامه داخل محيطه الذي ينتمي إليه، دون أي اعتراض، وهذا ما يجعل (غيرتس) يشبه عمل النسق الثقافي بقواعد (DNA) وبرامج الحاسوب، من حيث أن القواعد والبرامج عبارة عن مجموعة من التعليمات والوصفات التي تهيئ حدوث العمل العضوي أو الحاسوبي، فالانساق الثقافية هي مجموعة من الأدوات الرمزية التي تتحكم في سلوك افرادها، أو هي ((مجموعة من ميكانزمات الضبط والتحكم، مثل الخطط، والوصفات {الغذائية أو الطبية}، والتعليمات (وهو ما يسميه مهندسو الحاسوب بـ (البرامج) للتحكم في السلوك، ولتنظيم العمليات الاجتماعية والنفسية، وبالقدر الذي تزودنا الانساق الوراثية بقوالب لتنظيم العمليات العضوية))( ).

وهذا الجانب الثاني هو الذي اهتم به في النقد العربي الحديث عبد الله الغذامي لتأسيس مفهومه عن ((الانساق الثقافية))، من حيث هي ((آليات الهيمنة، من خطط وقوانين وتعليمات، كالطبخة الجاهزة، التي تشبه ما يسمى بالبرامج في علم الحاسوب، ومهمتها هي التحكم بالسلوك))( ).

ولكن الادب الذي يلعب دور الجمالي ليخفي كل تلك الانساق المضمرة في منظومته القيمية والثقافية التي نشأ فيها الأديب وتغذى عليها ونمت معه علم بذلك أم لم يعلم، هذا الادب ذاته يستطيع خرق تلك الحجب وعبور كل تلك الحواجز؛ ليقدم كسراً لتلك الانساق المهيمنة.

في قصة (بلدي) يحاول السارد أن يتخلص من عطشه الذي لا يستطيع أن يهجره مع أن بلاده ذات أنهر وماء: “لا اغلى من بلدي، فثمة نهر عظيم يجري فيه، واخر على بعد منه كذلك، ثم يتعاشقان في نهر اعظم ثم في بحر، بلدي ذو النهرين اكثر البلدان ماء، وانا اكثر الناس عطشاً” (ص8). في هذا النص يسعى إلى كسر النسق الذي تماهى مع ثقافة الجيل منذ عام 2003 الداعي إلى الهجرة وترك الوطن وتصوير الآخر الاوربي بأنه ارض الجنة الموعودة. يروي نص قصة (أويلي) محبة العراقي لتفصيلات بلده ونكهته: “عندما اتصلتُ بها ولم تجب، اعتذرت أخيراً وقالت لقد سافرت إلى استكهولم لمشاهدة مسرحية لدورنيمات، أبدد ضجري. رددتُ عليها وكنت تبددين ضجرك في بغداد، إذ تغادرين دارك في الصدرية إلى الشورجة تتسوقين، الفلفل والكركم والهيل ومبروش جوز الهند وورد لسان الثور والعلك المر والبابونك، حتى صرخت بأذني(أويلي) (ص6) ولا يخفى كيف أفصح عن وجهة نظر الشخصية في النص فأورد كلامها بموضوعية، لتعبر عن مشاعرها في فراق بغداد بألم ولهجة شعبية فلفظة (أويلي) تقال للعجب في التداولية العراقية. نستمع إلى حوار الفراشات: “قالت الفراشة لأختها، صيف بغداد لاهب، ردت الأخت، وشتاؤها قارس. سألت، أتفكرين بالهجرة؟. أجابت، كلا. كررت، لماذا؟ تابعت ذلك أنه وطن” (ص30)، هذا هو السبب بكل بساطة كما أفصحت عنه الفراشة لأنه الوطن موطن الحب على الرغم من آلامها، أما في الزمن الحالي فنرى في نص (الدمية) إدانة واضحة للهيمنة الغربية التي تسعى لفرض سلطتها وتهميش الآخر، في فعل كولونيالي بامتياز: “قبل أن يلتقف الأب دمية ابنته التي افلتت من اصابعها إلى الشارع العام، كانت الدبابة الامريكية أسرع إليها..” (ص14)، في اشارة إلى سحق طفولة ابناء هذا الوطن، إنه الرفض للعنف الممنهج، حيثما كان وكيفما كان، ومنه رفض لغة العنف، وتنميط صورة الآخر في خانة الطائفية والتكفير، من قبل الجهلة والمتعصبين كما يتضح ذلك في نص (آخر ما وردهم): “آخر ما ورده منهم مظروف فيه رصاصة ورسالة بحروف ركيكة، غادر بيتك…، داري لن ابرحها. هي موتي وهي حياتي، وكل ما عداها باطل” (ص18)، إذ تحيل لغة النص إلى الواقع العراقي، الذي زرع فيه الجهال (من يكتبون رسائل التهديد بخطٍ ركيك) الرعب في نفوس الآمنين في بيوتهم تحت ذرائع واهية، وهو بالمقابل يرسم صورة التحدي في دعوة للتصدي لهذا النسق العنيف في البلد والوقوف ضد من يتبناه فيكون آخر كلامه أمام تهديدهم (داري لن أبرحها).

رفض العنف

إن النصوص اعلاه تفصح بوضوح عن رفض العنف الذي غذته الأنساق الثقافية، المتماهية مع أخلاقيات المجتمع بعد عام 2003 .

يستمر السرد في كسر الانساق المتجذرة في المجتمع العراقي ومنها السلطة الذكورية أو الأبوية التي تعامل المرأة أو الأبناء على أنهم مواطنون تابعون لهذه السلطة، ليس لهم حق الاعتراض أو أبداء الرأي، فالسلطة الحكيمة في رأيهم هي التي تدير حياتهم وتتخذ القرارات بدلاً عنهم.

ولكن فعل السرد في مجموعة السلم يخرج المرأة من دائرة المعانقة الفحولية للذكر التي يسعى فيها الرجل الى الهيمنة مــــــــــــــن دون أن يكون لها الحق في التعبير عن رغبتها المدفونة بفعل النســـــــــــق المتحكم الذي ينمي رهاب التابو (الدين، السلطة، الجنس) في النفوس فلا يملكون حق النقاش أو السؤال، فضلاً عن الممانعة!

في النص التالي، نلحظ أن العنوان (مقاربة) يشير إلى تمكن المرأة من نفسها: “عندما أراد أن يحتويها بذراعيه منعته قائلة: كلا هذا خط أحمر، …”(ص17)، متبنياً وجهة نظرها.

وبهذا يتلاشى المركز بين الذكر والأنثى، يقول في نصه (لا مركز): “كلمتها وهي البعيدة وانا القريب، كلمتني هي القريبة وأنا البعيد. ولما سألتها من القريب ومن البعيد، أجابت: كلانا قريب وكلانا بعيد” (ص6).

ويبدو من حق المرأة أن تتغزل بمن تحب!: “أغلق الباب لئلا تراهن نادته: افتح الباب وتعال، رد: ليس قبل أن اغسل وأمسح آثار النوم. ردّت: الحلو لو نهض من منامه حلو”ص20، يسعى القاص إلى بيان وجهة نظره من بعض الممارسات الاجتماعية الدينية المفتعلة ضمن نصوصه السردية مشيراً أحياناً برمزية مقصودة إلى موقفه من الدين، يروي في نصه (المؤذن): “ارتفع صوت المؤذن ينادي على صلاة الظهر في المطار.. الطائرات العملاقة تطير وتحط، والمسافرون غادون ورائحون، والرجل لا يكف يؤذن للصلاة!” (ص58).

في النص إشارة واضحة إلى المقارنة بين عالمين، عالم الطائرات المتقدم اللامبالي وعالم المؤذن الملتزم بتقاليد راسخة لا يفكر بما حوله فلا ينفك يؤذن غير آبهٍ بالطائرات العملاقة ومسافريها، كما أن إشارات أخرى تحمل وجهة نظر السارد.

وفي نطاق هذا الكسر النسقي يلامس بعض الممارسات الدينية في أحد الأشهر في نصه: “بعنوان (شهر عجيب) (ص12).

في إشارة واضحة إلى مناسبة دينية سنوية تبذل فيها الاطعمة، وتؤدى بشعيرة معينة، وطرق معينة.