القاصة فاتن الجابري.. معايشة القدرة الذاتية في صناعة الموضوعة
وجدان عبدالعزيز
القاصة فاتن الجابري تعيش اوصاب الواقع وتجتر الامه عبر قصصها القصيرة التي تزخر بالكثير من الحضور الانساني ، فالقصة لديها سرد لأحداث الواقع أو أحداث من الخيال مخلوطا بذلك الهم الكبير من الغربة والاغتراب، والقصة تنمّى بامتلاكها عناصر الدراما، وأنّها حديث يدور عن أفعال معيّنة بالإضافة إلى أقوال؛ بحيث تكون مرتّبة ترتيباً تقليديا عندهاً، وتكون القصّة القصيرة في حكايتها تدور حول موضوع عام، وتصوّر شخصيّة معيّنة بالإضافة إلى أنّها تكشف أيضاً صراعها؛ أي صراع شخصيّة ما مع شخصيّات أخرى.وللكتابة أساليب عدّة، تكون لدى الكاتب كالأدوات بين يديه؛ حيث يختار الأداة التي تناسب ما يطمح لإظهاره، والأمثل لإظهار أفكاره وما يجوب في داخله وما يعتريه من شعور، والأسلوب الذي نريد الحديث عنه هو أسلوب السرد. السرد هو أسلوب من الأساليب المتّبعة في القصص والروايات وكتابة المسرحيات، وهو أسلوب ينسجم مع طبع الكثير من الكتّاب وأفكارهم وذلك لمرونته، والسرد يعدّ أداةً للتعبير الإنساني، ويقوم الكاتب بترجمة الأفعال والسلوكيات الإنسانية، والأماكن إلى بنى من المعاني بأسلوب السرد، وبذلك تكون الكاتبة الجابري قد قامت بتحويل المعلومة إلى كلام مع ترتيب الأحداث، كالذي حدث في قصتها (مدن داعرة) ، وهنا نقتطع من المقدمة ما يصف لنا معاناة الانسان في ترحاله الاضطراري من بلده الاصلي الى البلاد الاخرى التي ، قد تبدو غريبة عليه .. (ينتابه أحساس برفض المدينة له…تلك الحسناء العاشقة للجمال وحيوية الشباب وهو الذي أتعبته اعوام عمره الزاحفة نحو الخمسين ، كعاهرة هرمت وذبلت ورحل عنها جمالها وجف ربيعها حين غادرها الرجال وكسد سوقها وتهاوت اسلحتها …كان يردد أحساسه هذا على مسامع أصدقاء غربته بسخرية موجعة …بعد كل مرارة يتلقاها هنا وأخرها تلك المشادة مع الموظف الالماني المسؤول عن شؤون الاجانب الذي صدمه باستحالة ضم زوجته الروسية اليه وقدومها من روسيا لاعتبارات قانونية لم يستوعبها وعندما أحتدم النقاش وقف متحديا صارخا بوجه الموظف ..) ، وهكذا تتصاعد المعاناة وتتصاعد انفعالات النفس ، ومراثون الخبز وطرق المعيشة ومطاولة الصعاب ، والكاتبة الجابري تعيش اجواء الشخصية النفسية وتترجمها للقارئ بطريقة بسيطة لاول وهلة ، غير انها ترسم انفعالات من خلال لغة تحمل هذا الهم بطريقة السرد الموضوعي ، والتساؤل لماذا لجأت الجابري للسرد الموضوعي ، قد يكون الجواب علّها تروم الابتعاد عن الذات ، علة ذلك كونها تعيش الغربة في المانيا ، نفس المكان الذي تدور فيه احداث القصة ، ونجحت في هذا وظهرت قدرتها في التعبير الصادق عن احوال بطل قصة (مدن داعرة) ، (فالإبداع هو القدرة على ابتكار شيء لم يوجد سابقا ويعتمد على مواهب الشخص المبتكر ومعلوماته وخبراته دون ان نهمل محيطه الخارجي الذي يخلق المنبهات والإيحاءات التي تربط بين قدراته الداخلية “الذاتية” والبيئة المنشطة لتنمية ما فكر به أو حاول خلقه .. عند ذاك يخلق النص ان كان المبدع كاتبا او شاعرا) ، فالجابري نقلت لنا تقلبات البطل وانفعالاته ، وهو يبيت مضطرا في بيت صديقه ، والذي حدث ماحدث في ذلك البيت ، وهو عبارة عن غرفة ، تُقسم بستارة شفافة ، النصف الاول صديقه وعشيقته التي تحضر فجأة وفي شوق لعشيقها ، والنصف ينام فيه بطل القصة الممزق بين معاناة الحياة ومعاناة الحرمان الاخر .. متنصتا لهمسات وهسهسات العشيقين .. يقول الناقد داود الشويلي (في شهادة ادبية له) : (الادب ، والفن القصصي ( القصة والرواية ) خاصة ، هو محاولة تفكيك ذلك الواقع ومن ثم اعادة بنائه من خلال نبذ بعض عناصره غير الفاعلة واستثمار عناصره الفاعلة ،وادخال عناصر اخرى جديدة ذات فعالية ابداعية مثمرة ، اذ تقوم عناصر النص بهاتين العمليتين ( التفكيك واعادة البناء) بالتضافر مع عناصر الواقع المجتلبة اليه ( كالشخصيات ، والزمان ، والمكان …الخ ) ، لان للواقع ازمانه غير ازمان النص ، ويمكن القول نفسه على بقية عناصر النص والواقع … وكل ذلك ( التفكيك واعادة البناء) يتم داخل اللغة ومن خلالها ، اذ يصبح النص بعد ذلك مدونة لغوية ، كما يقول البنيويين .) ، وكل هذا يدلنا ان الكاتبة الجابري تحاول رسم معالم الانسان واصراره على مواصلة الحياة ، ففي طريق الحياة قبح وجمال ، وهاجس الانسان الاساسي هو البحث عن معالم الجمال والاستقرار ونشدان السعادة ، فـ(عالم الخيال عالم تحكمه قواعد الممكن والمحتمل “على رأي ارسطو” وليس قواعد العالم الموضوعي المعيشي . واي تشابه بين العالمين يدل على مهارة الكاتب وليس على علاقة موثقة يدعمها السند التاريخي او الدليل الملموس ، لان للنتاج الادبي قواعده الخاصة التي يخلقها عالمه الفريد ، وهناك من يعتبر النتاج الادبي هروبا من العالم الموضوعي وصولا الى عالم اكثر جمالا واقل ظلما واكثر عدالة من عالمنا المعيشي)ص65ـ66 النقد التطبيقي ، وهكذا نجد ان عالم القصة يسخر بالبحث الدائم عن عالم جمالي متخيل ، يقف الى جانب العالم الموضوعي ، وبالتالي تكوين رؤية للكاتب عن محاولة مزج العالمين برؤية وموقف جرت العادة ان يسير عليه الكتاب والمبدعين في السمو عن القبح الى عالم الجمال والروعة .. وهكذا رسمت الكاتبة فاتن الجابري عوالم تجربتها القصصية من خلال ما طرحته من افكار ومعالجات ، تركت الباب مفتوحا امام المتلقي في المشاركة في قصتها (حدود مفخخة) وقصة (وطن رقمي) وغيرها من القصص ..
ـ القصص من ضمن مجموعة (جناح عنقاء)
























