إنتهازيون ولكن.. الخطاب المباشر لكشف زيف الواقع

إنتهازيون ولكن.. الخطاب المباشر لكشف زيف الواقع

محمد جبير

” بفاصل أمده ثلاثة أشهر عن الانتخابات البرلمانية لاح شهر رمضان ، وقد عقدت الجلسة الأولى بعد أن ترأسها  أكبرهم سنا ،ورفعت الجلسة لحين أتفاق الكتل على تشكيل الحكومة من خلال  إنتخاب رئيس لمجلس الوزراء، ولما كانت العقدة بالمنشار ، وكل جهة أو كيان أو كتلة أو فئة ،أو مكون يحاول قدر الإمكان الاستحواذ على أكبر كمية من الكعكة العراقية ، فكان الاتفاق صعبا جدا الإ بتدخل دول الجوار ،وأمريكا ،ولكن على ما يبدو ، أن الجهات الخارجية جعلت الجهات الداخلية تدور في ساقية ،ونعلم أن الدائرة هي من الأشكال التي ليس لها بداية وليس لها نهاية ولذلك طفق الجميع يدور في هذه الساقية ” “الرواية – ص173”.

 

هذا المقطع هو مفتتح القسم السادس والاخير من الرواية الذي حمل مسمى “رمضان ليس الأخير”  وسبقه خمسة رمضانات هي ” رمضان أصفر، رمضان أخضر، رمضان بلون صدر الحمام ،رمضان يشبه الآخرين ،رمضان بلون العراق الجديد” بمعنى أن هذه الرمضانات تمتد على السنوات الستة من الزمن الروائي الذي تحركت فيه الاحداث السردية لهذا النص الذي كتب في صيغة المباشرة من حيث الوضوح في الخطاب للكشف عن حجم الزيف في خطاب الاخر الذي تبنى ستراتيجية الخداع وطمس الحقائق وزرع التناقضات في الخطاب وسائل لتحقيق الاهداف الكبرى للغازي او المحتل .فقد ساد هذا النمط الكتابي في نتاجات الكتاب العراقيين بعد نيسان 2003 ، وهو التاريخ المفصلي لاحداث الشرخ الفكري والفني في الكتابة الابداعية ولاسيما على مستوى السرد العراقي الجديد ، فقد ظهرت في هذه السنوات المئات من الروايات لكتاب من مراحل مختلفة ، استطاعت أن تعبر عن رؤى وافكار وتصورات لما حدث من متغيرات في المشهد العراقي العام على المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية وما جلبته تلك المتغيرات من كوارث او ويلات او ما رسمت من أهداف على المستوى المستقبلي لبعض الكتاب  الذين تبنوا التغيير والذين اختلفوا مع كتاب رفضوا التغيير أو وقفوا منه موقفا حذرا .

 

وتشير عتبة نص علاء المشذوب الصادر عن دار سطور الى انتماء هذا النص الرافض للمتغير الذي جلب الكوارث وادى الى تسلق الطفح الاجتماعي للمواقع المهمة للإستحواذ على منابع المال وسرقته ، بما أمتكلوه من روح إنتهازية في زمن النظام السابق أو الحالي ، اذ يشكل هذا النص في خطابه العام صرخة في وجه كم الإنتهازية الذي دمر البلد والبشر وحطم الروح الاصيلة لدى الإنسان العراقي المؤمن في البناء والتغيير . توقف المشذوب عند الكثير من المحطات التي مر بها التغيير ، وتوقف عند اليوميات او الجزئيات البسيطة ليوميات الانسان العراقي ، ليكشف عن حجم التدمير والخراب الذي أصاب الروح العراقية البسيطة ، التي أستغلت جسرا لعبور انتهازية الوضع القائم عبر الممارسات التي سميت زورا بالديمقراطية وهي أشبه بطبخات معدة سلفا وهو ما أشار له الكاتب في ترشيح إحدى الشخصيات الى مجلس المحافظة  مقابل ثمن ؟!.

 

واذا أردنا الابتعاد عن عتبة النص الى مقتبس الغلاف الاخير فأننا نقرأ الآتي ”  في أحدى المرات وعلى غير العادة ،حدث انفجار سيارة مفخخة عند مفترق الطرق ، في مركز المدينة القديمة ، وراح ضحيتها كثير من السابلة ،والمارة بهدي الصدفة ، والسكينة دون حساب لمثل هذا الموت . لكن مع بشاعة الموقف وقد تقاذف الناس في كل الاتجاهات بعد أن تقطعت أجسادهم الى أشلاء ، ومنظر الدم ، ورائحته التي تثير الاشمئزاز ،راح آخرون مع سبق الأصرار والترصد على السلب والنهب لتلك الأشلاء ، وبالخصوص أعضاء النساء اللاتي كن يرتدين بعض الحلي الذهبية في أيديهن ،وكذلك عند الرقبة والأذنين ، وقد أصر أحدهم على نزع الخاتم من أصبع كان جزءا من يد وجسد”.

 

هذان المقطعان المختاران من نص الرواية لا يحتاجان الى تعليق ،فأنهما يكشفان عن طبيعة الخطاب الذي يؤطر الصورة المشهدية للحياة اليومية بما تحمله من بشاعة الوصف ، اذ لا يلجأ الكاتب الى تشذيب الصورة من بعض التفاصيل الدامية والتي لا تقل بشاعة عن جريمة التفجير والقتل العشوائي للناس الابرياء ، وأنما يصورها أو ينقل الصورة بما تحملها من بشاعة الدم وبشاعة الأخلاق التي سادت عند الآخرين بعد التغيير التي تتاجر بأرواح الناس وتسلبهم حياتهم وموجوداتهم وقيمهم وأخلاقهم ، وكأن الكاتب يرمي من وراء ذلك الاشارة الى أن القتلة واللصوص  لا يختلفون  من حيث الوظيفة والدور بل أنهما يكملان بعضهما في دورة الحياة النشاز .

 

ان السوداوية التي أتسمت بها رمضانات هذا النص منذ العام 2003 وحتى العام 2009 وهو زمن الرواية ، لاتختلف ايضا في طبيعتها وأحداثه عن رمضانات السنوات الاخرى التي تلت الزمن الروائي ، وبذلك يرسم الكاتب صورة واقعية بمجمل تفاصيلها القبيحة والوحشية من دون أن يضع لنفسه خطوطاً حمر لا يتجاوزها وأنما قام بالغاء هذه الخطوط وأعتمد الصيغة التقريرية في الوصف بغية إختزال الكثير من التفاصيل التي كان لابد لها أن تدخل في جوهر عملية البناء السردي للحكاية ، حتى أن هذه الصيغة التقريرية انتقلت الى المعمار الفني في النص السردي لتختزل الإنتقالات السردية للأحداث  ، كما هو الحال في المقطع الآتي ” هكذا تحول خالد الى بيته الجديد ،ولم يكن بعد فيه من الأبواب أو زجاج الشابيك شيء يذكر ، ولكنه أمتلك أخيرا بيتا يأويه ، ويمنع عنه الآخرين . قبل أن نغادر قصة خالد لا بد أن نتهي ما بدأناه لأننا احتمال لن نعود اليه مرة أخرى ” “الرواية-ص80”.

 

هذا النص السردي أراد له كاتبه أن يكون وثيقة تأريخية تشهد على تحولات مرحلة مهمة في تأريخ العراق الحديث ، فذهب الى توثيق حالات الشخصيات الأنتهازية التي أستطاعت أن تلعب بكل الأوراق المتاحة لديها لتؤكد حضورها وتؤدي دورها الذي ترغب في القيام به على الرغم من أعتراض الأخرين وتشخيصهم لسلبية تلك الشخصيات لكنها لاتسمع أو لاتعير للأخر أهتماما  ، كما هو الحال في شأنه الواقعي ، حيث السراق يمارسون حياتهم على اجمل وأكمل وجه فيما يذهب الشرفاء والكفاءات الى حافة اليأس من عدم قدرتهم على الاصلاح ، لذلك تهمش تلك الكفاءات وتطفو على سطح المشهد السياسي والاداري أسنات المجتمع الأخطبوطية لتلتهم كل شئ وتترك البلاد خرابا تذروه رياح التخلف في كل الاتجاهات.