الذكرى الثانية لرحيل الملحن محمد جواد أموري
الأغنية العراقية في قمة إزدهارها
فائز جواد
قبل عامين وفي مثل هذا الوقت من شهر تموز اعلنت دائرة الفنون الموسيقية عن رحيل آخر احد اعمدة الفن العراقي،الملحن الفنان محمد جواد اموري، عن عمر ناهز التاسعة والسبعين، والذي ودع الدنيا بمنزله في بغداد بعد معاناة طويلة من امراض الشيخوخة ادخلته المستشفى عدة مرات في السنوات الاخيرة من حياته ،
واكد الموسيقار حسن الشكرجي على ان رحيل العملاق محمد جواد اموري يعد خسارة كبيرة للمشهد الموسيقي والغنائي بعد رحيل الفنان الكبير طالب القره غولي وعشرات من الملحنين والمطربين العراقيين ووصفه بانه الملحن الذي له الفضل على اكتشاف اصوات غنائية كبيرة ووضع ورسم لهم الطريق للنجومية المحلية والعربية عندما قدم لهما عشرات الالحان الخالدة التي كانت و ستبقى خالدة في ذاكرة العراقيين والعرب ، اضافة الى ماكان يتمتع به الراحل من طيبة ووفاء لزملائه ولاتفارقه الابتسامة والطرفة بين اهله ومحبيه واصدقائه ، ودعى الشكرجي الى ضرورة تكريم رواد الفن والثقافة من قبل الحكومة والبرلمان في حياتهم وقبل رحيلهم الى العالم الاخر وهذا سيعطي دافعا قويا للمبدعين من الشباب في الاستمرار بنهجهم ومسيرتهم الفنية وعدم التفكير بالسفر وهجرة العراق لتقديم ابداعاتهم وعطائهم خارج العراق ، وتمنى الصحة والعافية لجيل الرواد من الملحنين الذين يعانون المرض والعوز المادي مشيرا الى الملحن الكبير محسن فرحان الذي ادخل مؤخرا المستشفى بعد تدهور حالته الصحية قبل شفائه واستماره في تقديم الالحان لجيل الرواد والشباب من المطربين . ودعا الشكرجي الجهات المعنية الى ضرورة استذكار الرواد من الراحلين في مجال الموسيقى والغناء تكريما ووفاء لما قدموه من جهد وابداع خلال مسيرتهم الطويلة .
لقد كانت لمحمد جواد أموري بصمات واضحة جدا على الاغنية العراقية في اوج ازدهارها في سبعينيات القرن الماضي، وكانت اسهاماته ملموسة وعميقة في تطوير الأغنية العراقية طوال خمسة عقود
وفي احدى حفلات تكريمه وقبل رحيله اجري لهذا الفنان قيل عنه إنه اختط لنفسه أسلوبا مختلفا ومنجزا تحول فيما بعد الى ارث موسيقي رسم ملامح الجيل السبعيني في الحان لكبار المغنين العراقيين من امثال ياس خضر وحسين نعمة وسعدي الحلي وستار جبار وحميد منصور وأمل خضير وأنوار عبد الوهاب، وهو بذلك اعتبر آخر اعمدة جيل الرواد الذي رحلوا تباعا واحد بعد الآخر، اذ ودع العراقيون طالب القره غولي قبل رحيل اموري بنحو شهرين .
تعرف محمد جواد أموري، المولود في كربلاء عام 1935 على الموسيقى منذ كان طفلا، حيث اجاد العزف على عدة آلات موسيقية، وحقق حلما طالما رواده بالالتحاق بالفرقة السيمفونية العراقية، بعد ثمانية أعوام من الدراسة على آلة الكمان، حيث اصبح لاحقا عازف الكمان الاولى فيها طوال ستة عشر عاما .
لم يقتصر عطاء محمد جواد أموري على التلحين لمغنين عراقيين، بل قدم الحانا للمغني الكويتي المعروف عوض دوخي، وغنت له الفنانة المصرية إلهام بديع، وانتشرت ألحانه في العديد من بلدان العالم العربي على انه من الموروث العراقي، وهو ما دعاه الى تسجيل اغانيه بصوته بمصاحبة العود .
قدم الراحل محمد جواد أموري خلال رحلته الفنية الطويلة لونا غنائيا ضم القديم مع الجديد، وتمكن ايضا من موالفة ذائقتين مختلفين هما ذائقة الريف وذائقة المدينة معا، فخرج باسلوب اختص به عن غيره وتميز في تقديم الحان ذات ميول تنتمي لروحية الجنوب العراقي الممتزجة بقراءات الرثاء الحسيني، وهو ما أكسبه شعبية جعلت منه الاقرب الى وجدان ودموع العراقيين
ملحن كبير
يقف الملحن الكبير محمد جواد اموري على تاريخ زاخراً بالعطاء والابداع اللحني ويحتل مكانة مهمة في عالم الغناء العراقي خلال مدة تمتد لنصف قرن امضاها في اكتشاف الاصوات الغنائية. واكتشاف الالحان التي تنسجم وطبقاتها الصوتية، وبعد رحلة البحث والتنقيب في استخراج الانغام والبحث عن القصائد، التي مازال الناس يرددونها لما تتضمنه من صدق العاطفة وانثيالات المشاعر، وهي تعكس صدى تلك الايام المعطرة بالذكرى والحنين والعاطفة، وتترجم آهات وحزن ولوعة العشاق وهم يكابدون قساوة الواقع والحرمان، المنبعثة من صوت الملحن اموري وكأنه نواح يرثي به موت الاحلام والسعادة المسروقة من واقع الناس.
الملحن الراحل محمد جواد اموري كان قد تعرض الى حادث دهس رقد على اثره على فراش المرض وتسبب هذا الحادث بكسور في انحاء مختلفة من جسده، ومنها بدات رحلته مع المرض والمعاناة التي على اثرها فارق الحياة قبل عام وفي الثاني عشر من تموز عام .2014
وفي اغلب حوارات الفنية والصحفية ومع غالبية اصدقائه الذين كانوا يزورونه الى البيت وهو يرقد على السرير يعاني المرض كان يتحدث عن كيف ينظر الى رفاقه وهم يرحلون عن دنيا الفن، وهل اضفت عليه التحولات الكبيرة التي مر بها المجتمع العراقي، من تحولات جديدة على مستوى الالحان، كيف ينظر الى الساحة الفنية الان وغيرها من الاسئلة التي كان يجيب عليها الراحل فيقول .. لم افكر في شيء سوى الرجوع الى الوسط الفني، وكنت اشعر بألم نفسي اضافة الى الالم الجسدي، كوني عاجزا عن احتضان العود، فقد تكسرت يداي الاثنتان، وعازف العود يحتاج الى يديه، هذه المعاناة استمرت لثلاثة شهور) ويضيف (انا من هواة السفر، وجواز سفري، آلة العود، التي احملها معي في كل رحلة، فالناس تريد من محمد جواد اموري ان تسمع غناءه وقد جاءني الناس من مختلف انحاء العالم من السويد والدنمارك والخليج وايران , وهذا دليل على الصدق المتبادل بيني وبين الناس . ويؤكد فيقول لم يكتشفني احد، درست الموسيقى وعبرت سلم الفن خطوة بعد خطوة، الذي شجعني ابن عمتي الموسيقي الراحل لطيف المعملجي. دخلت دار المعلمين في الاعظمية وكنت الاول على دفعتي خلال ثلاث سنوات، وكان الاستاذ المرحوم اكرم رؤوف مسؤولاً عن درس الموسيقى، الذي تعلمت على يديه اصول الموسيقى ونظرياتها على الطريقة التركية، خلال ثلاثة شهور واصبحت عازف عود ونوطة وعندما يغيب او يكون تعبا كنت اقود الفرقة ، وذات مرة صرح بكلام يخصني هو انه لايرغب بتعليم طالب من الطلاب، لكن محمد جواد اموري تعلم رغما عني . ويذكر الملحن اموري انه عندما كان طالبا في المعهد وعاد الى مدينته طويريج عام 1952 صادف زواج جار له وكان المطرب الريفي عبد الامير الطويرجاوي يحيي الحفلة، ولم يوجد عازف للعود فطلبوا مني ان اعزف له وعندما انتهت الحفلة، ابدى اعجابه بي وتنبأ لي بمستقبل باهر.. وكنت متأثرا، ومأخوذا بشكل كبير بالقراءات الحسينية، وكنت اقول في نفسي لو تحولوا هؤلاء الى مطربين، ترى ماذا سيفعلون كنت معجبا باصوات بعض المغنين، الذين يغنون في الاعراس وحفلات الختان واذكر منهم: عزيز الروح، مهدي القزويني، ورقصة الخناجر التي تظهر في اغنية البرتقالة كان يرقصها مهدي القزويني، منذ ذلك الزمن.
طفولة وصبا
ويستذكر طفولته وصباه فيقول ..الناس عادة في المدن الكبيرة يكونون مشغولين بالاعمال، اما قضاء الهندية فمعظم الشباب ينظمون الشعر والدارمي والابوذية، فهم في مباراة شعرية مستمرة، لذلك تنشأ الافكار الجديدة على مستوى اللحن والشعر، فتركت هذه البيئة صداها في مخيلتي وذاكرتي، وكنت ابحث منذ الصغر عن الالة الموسيقية، التي فيها احاسيسي، كان حينها الناي يصنع من الطين، لكنه لايؤدي عزفا صحيحا، كان والدي نجارا وعندما ذهبت الى بغداد، رأيت الالات الموسيقية،فأخذت لوحة ومسامير واسلاكا، وصنعت بنفسي الة القانون، ثم اشتريت نايا من القصب وكنت اصعد على الكرسي لاعزف في المدرسة .
ومن اعماله الراحل .. اغنيته الشهيرة مالي شغل بالسوگ مريت أشوفك واغنية شضحيلك الأغنتين أداها المطرب المبدع حسين نعمة . نوبه الهوا شمالي ..نوبه الهوا جنوب وغناها المطرب الراحل صباح السهل .ومن الأغاني الرائعة لفترة السبعينات, اغنية أفز بالليل و آنا لحبك ، يا حريمه ، چـلمة حبيب أنتهت. وسجل على عوده الأغنيات اغنيات ياحبيبي. آنا لحبك ، تغير الحال . ولأنه من غناء الفرات الأوسط والمتعارف عليه والقريب من انماط الغناء البغدادي , مثل غناء الراحل سعدي الحلي وكذلك عبد الأمير الطويرجاوي في الثلاثينات،
وتشير المقالات واللقاءات الى ان الراحل محمد جواد اموري دائما كان يردد وهو على فراش الموت عبارة سنكرم بعد ان نموت .
























