احياء يلتقون في ديوان إسراء الأسدي

احياء يلتقون في ديوان إسراء الأسدي

سرب قصائد تبحث عن الحياة

ناظم ناصر القريشي

عندما دونت الأميرة الشاعرة العراقية انخيدوانا كلمات أول قصيدة على الطين تحولت هذه الكلمات الى سرب سنونو تخرج من نافذة الزمن لتبحث عن الحياة ، كذلك الملك كَلكَامش عندما رفض الموت وذهب يبحث عن الحياة ، هذا هو ديدن العراقي دائما يبحث عن الحياة من خلال الموت ؛ وهذا ما سعت اليه الشاعرة أسراء الأسدي بديوانها (أحياء في مقبرة ) فالمقبرة هنا ليست للذكرى و أنما للبحث عن الحياة ؛ ولذا فهي تبدأ ديوانها بومضات بغدادية ..والشاعرة بذكرها بغداد تسعى للحياة من خلال الجمال

أن حضور بغداد بما تعنيه في الشعر لم يبتعد عن توقعنا أن حبها يسكن ثنايا روح الشاعرة، بغداد القصيدة والحلم ؛ وعندما تقول بغداد يكتمل الحلم وتكتمل القصيدة بدلالتها ورمزيتها بمعانيها وبتأويلها :

( قُلْتُ…

بَغْدَاد…

فَاِكْتَمَلْتُ القَصِيدَةُ

ان الشاعرة ترسم جمال بغداد من خلال جمال عيون ورقّة المرأة البغدادية في ربيعها الجميل . وما تعانيه العيون يصل حد الشعور بالافتتان وتجسيد هذا الشعور في الكلمات بقصديه .ان هذا الشعور يساهم في رسم أفق لشاعرية الشاعرة وبراعتها بالعودة الى الطبيعة التي انطلق منها الشعر بغنائيته الرائعة :

( بمرودِ كَحَلِ عُيُونَيَ

كَتَبْتُ اِسْمِي

كَتَبْتَ اِسْمَكَ

فَطَارَتْ نوارسُ ضَوْءٍ

مِنْ مكحلة حُزْنِي

نَحْوَ دِجْلَة )

فهي تدون كلماتها لتوقف تدفق الموت الى الحياة ، و هذا خلق لديها الشغف في البحث عن مفردات تمكنها في خلق وابتكار نصها الشعري ،وجعله على شكل دفقات كالموجات وهي تقبل الضفاف ، فكان متميزاً و متفرداً بجمالها كتميز الأفكار والرؤى المتعددة .

وقد حاولت الشاعرة المزج بين أصوات الكلمات كإيقاعات شعرية ، وبين رسم الصوركلوحات تجسد الفكرة بقصديه التكامل أو التوحد الذي ينشأ بينها، بفعل التناغم والتآلف، وصولاً الى ما يستنفر الأعماق ويهزها لدى المتلقي :

( قَرَأَ الكرخ مَقَاماً

فَأُصْغِى الرصافي…

وَأَلَمَّهَا بَغْدَادُ…

سَيِّدَةُ الخُدْرِ…

وَالهَوَى…

أَدْرِي…

وَتدري …

او نرى الغبار يهمس للجنود

همس الغبار

فوق أكتاف الجند

أن النصر..

سيطرق أبواب المدينة )

وفي قصيدة( حرب ) نجد التفرد،والتضاد، والاختراق المدهش ، والمفاجأة. و ابتكار لغة خاصة بها تعبّر تماما عن طبيعة القصيدة وجعلها أكثر تجسيداً وعمقاً واستيعاباً لقصيدة النثر ، ذلك لأنها تأسر معاني عديدة من كلمة تعني الموت في أحسن الأحوال :

(بعدحائها

رب..

يحمي العراق

ويرفع الراء

فيبقى..

حـ … ب العراق )

وفي قصيدة (أحياء في مقبرة)أتكأت الشاعرة على الأمل ؛ وبكلماتها المتمردة تحيلنا الى الحياة وهي التي تقول في مقدمة ديونها ” فتلك الحروف شويهاتي التي أهش عليها بقلم روحي وأعزف لها بنايات مواجدي وأصوغ لها من قوارب حزني ألحان النشوة؛ فتخضر الدروب وترتل المساءات سيمفونية الضوء و النوارس تحت جسور بغداد وتزهو ضفاف دجلة الخالد ببساتين أمل” :

 الحياة بين الأحياء الأموات

لا معنى لها

كالعيش في زنزانة

معنا :

الصراصير

الحشرات

الدود

والأيام شبيهةٌ ببعضها

أن وعي الشاعرة بقيمة تجربتها الجمالية وإدراكها للقيمة العالية للشعر وما يعبر عنه ، على اعتباره طريقة للحياة ، ومدى تأثيره على المتلقي وعمق المساحة التي سيغيرها في داخله جعل من الشاعرة تعبر عن رؤاها وتجربتها الثقافية بلغة عالية متحضرة مترفة مترعة بالخيال وجمال التشبيهات والاستعارة ، و سمو العاطفة ففي قصيدة (همس ) تقول :

( همــس لي :

أين مكاني من الأعراب ؟

قلتُ :

أنت مبتدأ مرفوعٌ

بالقلـب

وعلامة رفعه الروح الطاهرة

وأنـــــتَ ضميرٌ

ولكن ليس منفصلاً !

أنما متصل

بالقلب … )

أن تكثيف الأحساس بالكلمات وقيمتها في التعبير عما نشعر به عبر الزمان والمكان وتـــــــــدوين ذلك على الورقة ومنحها الحياة الخــــــــاصة بها وكذلك الزمان يعتمد على تعدد مستويات اللغة التي تتبع او تنبثق من الأفكار والموهبة والخيال الابداعي الملهم والتجـــــــــــربة .