باسم القطراني في متحف منتصف الليل.. فوضى الخارج وإضطراب الداخل
محمد جبير
هل يمكن للنص السردي ان يكون مستقرا في عالم مضطرب ؟. وكيف يمكن للسارد ان يتزن في سرده للحكاية وهويرى المؤلف اكثر اضطرابا وقلقا من مخلوقاته السردية ؟ وهل يمكن لباسم القطراني المؤلف الذي يطمح مغادره منطقة مجنون الى المدينة ويلتقي السارد ” صابر فياض ” ويتشاركان في انتاج نص سردي ؟. وكيف ستكون طبيعة ونوع هذه العلاقة ؟. تفاعلية ام تضادية؟ مسايرة ام اختلاف؟.هذه بعض من الاسئلة التي يثيرها نص ” متحف منتصف الليل ” للكاتب البصري ” باسم القطراني” لكنها لن تكون كل الاسئلة وانما هناك الكثير غيرها ستاتي في سياق القراءة النقدية ، قد يتشكل انطباع من اول لحظة في تصفح هذا الكتاب ان المؤلف سيتعمد خلق الفوضى في حكايته السردية وذلك من خلال ما جاء به الشاهد في الصفحات الاول وعززه الاهداء في الصفحة اللاحقة للشاهد.
جاء في الشاهد الاتي ” من يخلق الأضطراب ؟ انه العالم وليس الكاتب ، اضطراب متأت من قلق العالم ، وما يخلق الكاتب هوحساسيته ازاء هذا العالم .. وفيما يخص القلق ثمة حلان : اما ان نخفي هذا القلق ونكتب نصوصا يقينية حتى يستطيع القارئ ان ينام بهناء ، اوعلى العكس لمواجهة هذا القلق ينبغي الدخول فيه وهذا هوالثمن في تحرر الروح . الادب ليس مصنوعا لكي يجعل الناس ينامون بقدر ما يجعلهم يضطربون ” هذا الشاهد يستله الكاتب من اقوال غريه كما مثبت في اسفله ، اما الاهداء فقد جاء بالنص الاتي ” الى تلك الارواح اللائبة بين وجع الذكريات وذكريات الوجع .. الى تلك الحماقات التي ارتكبها بأسم الكتابة .. الى زوايا الروح التي اطمح ان اضيئها فأزداد خيبة الى كل من يهمه الاضطراب .. اهدي طريقتي الخاصة..”.
الاضطراب والقلق في كتابة النص
بين الحالين النفسي والوجودي تقارب مشروع القلق في انتاج الحكاية السردية التي تسكن ذاكرة اومخيلة المؤلف لخلق نص اقل ما يقال عنه انه نص مقبول، قد يضيف شئا من المتعة للمتلقي ، اما الاضطراب فانه امر وجودي يتجسد في العالم الخارجي والكاتب ليس مسؤولا عن هذا الاضطراب بقدر ما هومعني به واصلاحه باعتباره عنصرا واعيا وفاعلا في المجتمع العام ، وهواول المتضررين واكثرهم خسارة من اضطراب العالم الخارجي ، فالكاتب يكفيه اضطرابه الداخلي الذي ينتجه القلق في التعامل مع الحكاية اوالشخوص المنتمية الى اصل الحكاية ، وتنشيط المخيال السردي في انتاج نص يبتعد عن اضطراب الواقع ليحقق اضطرابه المبدع الذي يزيح القناعات الجاهزة التي تربى عليها المتلقي اوالذائقة الابداعية على مدى عقود من الانتاج السردي السائد ، واسس لنمطية قرائية وذائقة نمطية .
اذا اردنا التناغم مع القطراني ومسايرته مع” الحماقات ” التي ارتكبها بسم الكتابة ، وهي من نوع الحماقات الابداعية التي تسر ولا تضر ، فأننا نذهب الى الغلاف الاخير من هذا الكتاب والذي ادرج فيه حماقاته السابقة ، فقد سبق للقطراني اصدار ” انفلونزا الصمت – مجموعة قصصية” وهي مجموعة مستقلة فضلا عن مجموعتين مشتركتين ” بقعة زيت وذاكرة المقهى “.
والسؤال ، عن اي اضطراب يمكن ان يتحدث القطراني ؟ هل هواضطراب انظمة ام مجتمعات ام قيم اجتماعية واخلاقية ؟ ام انه مجمع اضطرابات كونية في عقل الكاتب ؟. لا اريد ان استبق الحوادث وما تقدم من حكايات في هذا النص السردي من اجل الاجابة على الاسئلة وانما بقدر اثارتها بغية ان نتلمس طرقا للدخول الى متن الحكاية ، التي اراد الكاتب ان يلبسنا لبوس الاضطراب الذهني اوالفكري قبل الدخول الى عالم الحكاية ، فقد نثر ما يساعد على ذلك من خلال النصوص المحيطة بالنص ، واذا انتقلنا الى مدخل النص ، الذي حمل الرقم (1) وهومقطع سردي من مجموع (11) مقطع وملحق اعتذار قصير شكلت جميعها جسد الحكاية السردية . تصارع المؤلف مع السارد ” كاتب المخطوطة ” الذي شكل وجوده مؤلفا ثانيا فضلا عن الشخصيات التي تمردت على المؤلف الاول والثاني لترسم حكاياتها بنفسها وحسب ما ترتئيه اوتريد ان تعيشه من حياة خارج سلطة المؤلف اوالسارد، من هذه النقطة اتت لحظات الاضطراب في خلق النص ليكون هذا النص معبرا عن الاضطراب الخارجي والداخلي ، فقد خلقت الفوضى نصها في التعبير عن مقطع عرضي لهذا الواقع الذي لم يكن وليد صدفة وانما يمتد بجذوره الى الازمنة الماضية وبطش السلطات في تدمير ذات الانسان الحر الذي يبحث عن الحياة الحرة .في هذا النص يقف باسم القطراني مؤلف ” متحف منتصف الليل ” وجها لوجه مع ” صابر فياض” مؤلف ” مجنون * مجنون” ، والمخلوقات التي تمردت على كليهما لتعيد انتاج الحكاية من جديد ، هذا الانتاج للنص لا يمكن ان يسير وفق نسق منطقي لان ما في الخارج هوخارج سياقات المنطق وما هوداخل الذات اوحبيس المخطوطة من مخلوقات تريد ان تتمرد على منطق السارد لأنه يريد ان يسيرها وفق ما يراه فيما ترى هذه المخلوقات ان المصائر لا تدار بالطريقة المنطقية التي يفكر بها السارد ، اذ لا يمكن ان يكون هناك تفكير متزن في عالم مضطرب ، وهوالامر الذي يجعل المؤلف يرى خلاف ما يراه السارد في صناعة مخلوقاته ، فقد ” كان يعشق ذلك البرزخ الممتد بين الوهم والحقيقة” ” ص13″.
بين الوهم والحقيقة
” قبل ان يترك الغرفة تذكر امرا هاما ، كيف نسى ذلك؟.. مخطوطة روايته التي انجزها بعد عام 2003 وقد ركنها في احد الرفوف ولم يجرؤ على دفعها للطبع ، كان دائما يعتقد ان العمل الروائي مغامرة كبيرة، ربما خلفت مخلوقا مشوها. عاد الى المكتبة مرة اخرى ، بحث عنها وبعد جهد وجدها ، وبخيبة تصفحها فكانت هي الاخرى نهبا لقسوة التمرد في الليلة الماضية ، فراغات قاتلة خلفها هروب شخصياتها الرئيسة الثلاث ، فرهاد محمد خان ، حردان زاجي، وسميرة هارون.”. “ص14”.قد نعيش اوهاما وقد نكتب هذه الاوهام من اجل ان نخلق نصنا الذي لا ينتمي شكل اوموضوعا الى العالم المحيط بنا ، وكيف يمكن ان ينتمي له وهوعالم غير منطقي ، لذلك حمل القطراني معوله في تلك الليلة المظلمة ليخلق عاصفته الخاصة التي اطاحت بكل اوراقه وقزمت مخلوقاته لكنه لم يتمكن من تحقيق الغلبة في النهاية ، لان السارد وقف في وجهه حين منح الشخصيات حرية الحركة والكلام والحياة خارج سياقات النص .
” – اذن يروق لك ان تهدم ما بنيته في سنين ..؟
– تسمي الحرية هدما ؟
– الحرية…؟
– نعم الحرية، انتم تكتبون قصصا وروايات كما تشاؤون غير ابهين بمشاعر كائناتكم ونفاياتكم الورقية والنتيجة هي ما تراه انت بعينك….” “ص21”.
لم يرضخ الكاتب لمناورات السارد في انتاج حكايته السردية من خلال اتاحة فسحة من فضاء الحرية في التلاعب بمصائرها من خلال المخطوطة السردية ، وتماهى الكاتب مع السارد في مواقع حين يجد ان التماهي اوالمسايرة مع اوهام السارد في بناء مخلوقات متمردة على الكاتب هوجوهر اللعبة السردية لأغراض انتاج حكاية انية بأمكانها تفصيل الواقع وكشف ابعاده ، بما يؤكد الاضطراب العام الذي تجسد في اضطراب المخطوطة كنص وتفصيل حياة ، وهوالاضطراب الذي اراد ان يعيد اليه التوازن من خلال سردية الليلة العاصفة التي اراد ان يوثقها الكاتب ، اودفع ارادته الى الانتصار على ارادة السارد ، ان الصراع بين الارادتين الفوضى والاستقرار بين الاضطراب والانسجام وهما ارادتان مختلفتان ومتناقضتان ، وخلقتا فوضاهما داخل الحكاية السردية. هذه الفوضى وجدت حياتها في داخل النص الحكائي اووجدت اتزانها في التلاعب بالمصائر اوتغيير تلك المصائر بين زمنيين مختلفين وهوما اراد ان يبثه الكاتب من خطاب داخل هذا المتن والذي اتخذ من السارد جسرا لتمرير تلك الخطابات التي رفضت ما كان وما هومتشكل الان من حوادث ووقائع دامية . مارس الكاتب لعبة اعادة تشكيل حيوات مخلوقاته في مواقف وحوادث متداخلة زمنيا اومتباعدة احيانا ، حين يؤدي التداخل الزمني في الاحداث وظيفة تردي الاوضاع في مناخ الحرية والخيانات المتوالية من اقرب الناس مثل اختطاف ” ابن سميرة” فيما يشكل التباعد الاختلاف بين واقعين مناخ استبدادي ومناخ حرية ، الا ان جذور الاضطراب والقلق ممتدة من الاستبداد الى الحرية ، التي تكاد تكون مرادفا للفوضى والاضطراب في العالم الخارجي ، لذلك حين حمل معول الهدم لنص المخطوطة انما اراد ان يعيد بناء هذا العالم وفق رؤية منسجمة مع ما يعيشه من اوهام ليعيد ترتيب الاضطراب ، حيث تكون في بعض الاحيان افضل وسيلة للبناء هي الهدم ، وهوما ذهب اليه القطراني في كتابة نصه الروائي ، اذ انه ذهب الى تهديم البناءات السردية الجاهزة ليغوص في جوهر بنية السرد ليبني نصا مغايرا على اقل تقدير ولا اقول متفردا ، لان هناك الكثير من النصوص العراقية والعربية والعالمية استخدمت المخطوطة كمادة سردية اساسية في انتاج حكايات النص ، كما انه هناك الكثير من اللنصوص التي تتمرد فيها الشخصيات على مؤلفها ، الا ان ما يميز تجربة القطراني انه جمع بين الاثنين لينتج نصه الخاص ، وهوليس نصا افتراضيا ذهنيا كما نراه في الكثير من الاعمال الروائية التي كتبت في الفترة الاخيرة التي اعتمدت هذه البنية السردية لتمرير ثقافات وافكار اواثقال النص بالاقتباسات من مدونات التاريخ لتعكس رائحة وجوالمخطوطات وكان كل المخطوطات هي التي تأتي من كهف التاريخ وليس تلك المخطوطات السردية التي نام في ادراج الكتاب تنتظر اطلاق سراحها في لحظة القناعة بالنص السردي . لذلك تعامل القطراني بذكاء سردي مع نصه للتعبير عن واقعه المضطرب وامتداده في الزمن الماضي الذي شكل ولازال جذر الاضطراب.
بين الاهداء والاعتذار
في الاهداء ذكر الكاتب ” الى كل من يهمه الاضطراب .. اهدي طريقتي الخاصة”. تبدوهذه الجملة تأكيد الواثق من نصه وطريقته في الكتابة السردية وهذا شئ يبعث الاعتزاز لدى المتلقي وهويتنقل بين شخوص الحكاية على امتداد الصفحات التي لم تتجاوز المئة صفحة من القطع الصغير والتي انتقلت في بيئات متنقلة من بيئات البصرة وتنفست مناخات مختلفة بين قروية ومدينية لترسم ابعاد هذه الحكاية ، وهومن هذي المنطلقات يبدوواعيا بدقة لمجريات النص ومدركا ومتقنا لحرفيات القص ، لذلك جاء الاعتذار في الصفحتين الاخيرتين من هذه الحكاية مؤكدا على هذه الحقائق وان جاء اشبه بأعتراف ليلي للمؤلف الثاني داخل النص اوالسارد للمخطوطة ” في ساعة متأخرة من الليل، اقبع أنا صابر الفياض وبكامل قواي الروائية في غرفة صغيرة ، هذه المرة ليست في _مجنون_ قريتي التي لن احن اليها ،بل في حي من احياء مدينتي الحلم اتوسط كتبا ومسودات لا تبعدني عن سحنتي الاولى ، اعود لأمارس الهوس ذاته ، ؟أفكار عن كائنات ببعد واحد ، تتحرك قليلا ببعدين ثم ما تلبث ان تنزلق من المسافة الحرجة بين شفرة الكتابة والورق حين ارتكب خطأ رسمها بالبعد الثالث ، ارنوبعينين ثاقبتين الى صنائعي ، فرهاد محمد خان ، حردان زاجي ، وسميرة هارون ، واشعر بفداحة الخسارة عندما تحين لعنة الورق وتتمادى لتحاصر اخر رمق للحياة. نعم ذلك ليس مدعاة لأن يدير كل منا ظهره للأخر لأننا حتما سنلتقي في عمل اخر ، وأعلم جيدا أن أحلامهم الخطرة تجرفهم دائما لكي لا يكونوا مجرد نفايات ورقية وتلك هي المحنة حين يطمحون بجرأة لبلوغ البعد الثالث” ” الرواية-ص98″.
ما دفع الى تأسيس الفوضى السردية ، اشبه بالمغامرة الكتابية لأنتاج حكاية ،بتواطؤ اطراف متعددة من عناصر الحكاية بما فيها من شخوص وسارد ومؤلف ومتلقي ايجابي تفاعل مع البنية السردية المغايرة لما هوسائد من نصوص تعرض الان على رفوف المكتبات ، فقد تعامل هذا النص مع واقع ما بعد التغيير الذي حصل في العراق بعد التاسع من نيسان 2003 وما جرى بعد ذلك من حوادث اقل ما يقال انها مخيبة للأمال في ان تعيش حياة افضل وامنة ومستقرة وانما امتد فيه الشر ليؤسس بؤرا له في وسط الكيانات الاجتماعية ويتحرك تحت انظار الجميع من دون تأشير تجاوزه لحق الحياة . ما اراد ان يبوح به الكاتب ” باسم القطراني” من خلال ” متحف منتصف الليل” الكثير من الرسائل التي انتجت الفوضى وعاشتها اواعتاشت عليها لتجد لها ملاذات امنة تحميها من تمادي مخاطر هذه الفوضى التي قد تنقلب عليها ، وهومخالف لما اراد ان يجسده الكاتب من أعادة انتاج الكمال من خلال تجاوز هذه الفوضى ، وهوالامر الذي اكد على العودة اليه مرة اخرى في مشروع سردي جديد ، حيث ان الكاتب اصر من خلال هذا النص عدم ادارة ضهرة لشخوصه وانما سوف يلتقي مرة اخرى ، وهوالامر الذي يدلل على وعي الكاتب في اهمية الكتابة الابداعية التي تدفع نحوالتغيير وترسم افاق المستقبل متجاوزة ظلمة الواقع الاني وعدم التباكي على الماضي كما ساد في الكثير من الروايات التي ادانت اوانتقدت الحياة ما بعد التغيير وتباكت على الماضي وانما خط القطراني في تجربته السردية الاولى هذه افق جديد مغاير لما هوسائد الا وهوانتظار افق المستقبل الذي سيكون مغايرا للحاضر والماضي، واذ نبقى كمتلقين النص الجديد الذي يكتب فيه القطراني سيكون لنا حديث اخر عن شكل وطريقة القطراني في الكتابة السردية الروائية ، وهي الكتابة التي لابد ان تتوفر فيها اشتراطات تختلف كثيرا عن اشتراطات الكتابة القصصية .























