صراع العادات وتحقيق الذات

صراع العادات وتحقيق الذات

احمد ابو ماجن

قال الفلاسفة وعلماء الاجتماع سابقا إن الإنسان كائن إجتماعي بالفطرة فهو لا يستطيع أن يعيش مُنفردًا أو يحيا مُنعزلاً، وإنما يجدُّ نفسهُ مُضطراً للحياة مع غيره من الأفراد في مُجتمع تقليدي مُحافظ تلعب فيهِ العادات والتقاليد والأعراف دوراً بارزاً ومؤثراً في حياتهم عبرّ العصور والثقافات المختلفة والخاضعة للبيئة والأخلاقيات والمثاليات والمحسوبيات. وهذه الأعراف والتقاليد هي بحدُّ ذاتها قيم لها دلالتها وترابطها ومعانيها وتأثيرها في نفس الفرد والجماعة، وهي تستمر وتتعمق وتأخذ مكانها ودورها الإيجابي في وجدان الفرد، فقط عندما تكون قادرة على أن ترقىَّ بالأنا الذاتية والجماعية، بحيث لا تبعد الواحد عن الآخر أو تختزلهُ في فعل دون الآخر أو تفرضهُ على جماعة دون أخرى وإنما تكون مرجع القوة للجميع.  هذه العادات والتقاليد هي حياة المُجتمعات وتاريخها وتراثها عبرّ مسيرتها الطويلة، تنشأ عليها وتُحدد معالمها وسلوك أفرادها وأحيانا تُعد قانونًا يصعب تجاوزهُ وخاصة في المُجتمعات المُنغلقة (الأنطوائية) وكل من يخترقها يتم وصمهُ بالعار وبالفضيحة! لهذا فبعض هذه العادات والتقاليد قد تكون سببًا في أصالة مُجتمعات وقد تكون سببًا في ركودها وتهميشها، كما قد تكون سببًا في تقييد الحريات المكفولة للرجال والنساء بالأخص، من خلال ما تفرضهُ على الفرد من قيود تجعلهُ أسير كلام أو همسات أو تصرفات آخرين ، فأن للمجتمعات العربية عادات وتقاليد فلكل مجتمع خاصة مغايرة عن المجتمع الآخر، وإن كانت كلاهما تستسقي من معين واحد فمنها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، إلا أن الكثير من هذه المجتمعات قد درست بعناية فائقة مع مرور الزمن مدى تأثير هذه العادات والتقاليد على مجتمعها وتخلصت من الكثير من الشوائب التي ألصقت بالقيم والعادات والتقاليد، التي أضرت بالمجتمع بتقهقره وتخلفه عن مواكبة حضارة تنموية، والسبب الرئيس في تخلفنا وتأخرنا، والأداة المتأصلة بطبائعنا وغرائزنا الممتطية لذرائع كثيرة، أريد بالبعض منها عمل باطل بغير وجه حق وهذا ماورثناه بطبيعة الحال. ولكن نحن لسنْا ضد كل ما ورثناه من أجدادنا، ولكن لأنها تُفهم من قبل البعض بشكل خاطئ وتُمارس على البعض الآخر بصورة أخطئ! لهذا نقاشنْا سيكون كالأتي: ذاتي هل أعيشها كما أريدها أنا أم كما يريدها غيري؟ هل أكون أنا أم أكون كما يريد غيري؟كل إنسان لهُ شخصيتهِ المُميزة والمُتمايزة، المُختلفة والمُخالفة للآخر، شخصية يتشكلها بإرادتهِ ومن إستعداداتهِ  وأقتناعاتهِ وبكامل حريتهِ دون قيود. حريةٌ داخليةٌ تكمنْ في دواخلهِ وفي أعماقهِ من شعورهِ وإحساسهِ وغرائزهِ وتفكيرهِ وتصوراتهِ وإدراكهِ وخواطرهِ وتصرفاتهِ وتقييمهِ لذاتهِ وللآخرين، وبالتالي تعكس على خارجهِ. أي تجولُ في نفسك وتعرف طبيعتها وبذلك تتعرف عليها وتعرفها وتفهمها وعندها تعرف كيف تتأقلم مع مُحيطك ومع غيرك ومن خلالها أيضًا تعرف غيرك ومدّى مُلائمتهِ. وهذا ما يعنينا من الحرية أن نكون أحراراً من الداخل دون قيود نصنعها بأنفسنْا لأنفسنْا من خلال تقييد فكرنا وأختزالهِ ومُحاسبتهِ من خلال أفعال غيرنا، نعم نتعلم من تجاربهم ولكن لا نسجن ذاتنا من خلالها. فعندما نتحرر داخليًا نكون أحرارًا خارجيًا وعندها نكون أحراراً أمام أي تقليد أو مُغريات مُعاكسة تقف ضدّ الإنسانية وفرضتْ فرضًا وبدون إرادتنا أو وجدنْا أنفسنا تلقائيًا نُمارسها.  ومُجتمعنا المُعاصر المُكون من العديد من الأشخاص المُختلفين في التكوين الفكري والثقافي والإجتماعي والسلوكي، يعجُّ بالسلبيات والكثير من المُتناقضات والمفاهيم المشوهة في ذات الوقت. ونلاحظ أن البشر عندما يلاحظون مدّى أنتشار سلوك من السلوكيات لا يلبثْ أن تمارسهُ الجماعة ومن ثم يصبح عادة جماعية وبمرور الوقت تصبح تلك العادة أسلوبًا يتمسّك به جميع أفراد المُجتمع ككُل ويمارسونهُ دون أن يفكروا به بعقولهم مثل: الإشاعات والوقوف على نواقص الآخرين وزلاتهم، وثقافة العيب والثرثرة الفارغة، النميمة، الشتائم، الإدانة، العنف، أستغلال الآخرين، التجني، الانتقاص، الإقصاء، التعميم، تشويه السمعة، الإساءة لمُجرد الإساءة……الخ. فمثلاً بدل أن نتهم الآخرين وندينهم في أفعالهم لمْا لا ننظر إلى أنفسنْا وأفعالها، لمْا نُتعبُ أنفسنْا ونفتش عن نواقص الآخرين وننسّى أننا نحن أيضًا واحد من هؤلاء الذين ربما قد تطالنا عاداتهم ونعاني منها. وأي واحد إذا بحث في نفسهِ وضميرهِ لوجدَ فيها الكثير من النواقص الخفية فيها والتي يراها في الآخرين ويُحاسبهم عليها! فأعلم أنك أنتَ مسؤول عن أفعالك فقط وليس أفعال غيرك، ويا ليتكَ تنظر لنفسك أولاً لئلا يُقال لك:” أيها المعلم علم نفسك”.  فبسبب هذه وبسبب الحقد والغل المُعشش في قلوب البعض للبعض الآخر يحاولون بشتّى الطرق أن يشوهُ من صورة الإنسان وينشروا هذه المفاهيم المشوهة والمغلوطة بين فئات المجتمع. وهؤلاء الذين يجدون كل هذه المُمارسات عادات مذمومة وممنوعات مفروضة عليهم وتحدُّ من حركتهم يجدون أنفسهم مع الوقت يمارسونها! بسبب عدم أمتلاكهم القناعة التامة بإقتلاعها من ذواتهم. فكيف أنتقد هذا وذاك لأن لديه عادة لا تعجبني، وأنا في نفس الوقت أذمُ هذا وذاك؟! كيف أنتقد سلوك الآخرين وأتصور أن سلوكي جيد، إذن لا يوجد إنسان حرٌّ أمام ما يفرضهُ عليه المُجتمع من عادات وتقاليد، بسبب عدم أمتلاكهِ الحرية من داخلهِ، ومادام هناك رفض لها في داخلهِ ومُمارسة لها من قبلهِ في ذات الوقت بجميع السلبيات المُمارسة! إذن نسأل أنفسنا ونسأل الآخرين: إلى أي حدٍّ نحن حقيقيون ونعيش ذواتنا؟! الفرد أبن بيئتهِ الجماعية يعيش كما يعيشون ويتصرف كما يتصرفون. لذا كل إنسان لابدَّ وأن يكون لهُ مبدأ ونظرة تحكم قناعاتهِ من داخلهِ وترفض كل ما من شأنهُ أن يحطّ من قيمتهِ كإنسان. فكنْ إنسان مع نفسك قبل تكون إنسان مع غيرك، وأعرف ذاتك لكي تعرف الآخرين. ويجب على كل واحد أن يكون هو ذاتهِ وليس غيرهُ، يقول أكون (أنا) بشخصي وإيماني وقناعاتي وإرادتي وليس بشخص الآخر. ويجب أن لا نجعل من هذه السلبيات الموجودة في بعض المجتمعات سببًا في أن أبقىّ مكاني، أسمع لقول هذا فأقول مثلهُ، أنظر لفعل ذاك وأفعل مثلهُ بدون تحكيم العقل، فهذا الخطأ بعينهِ! فالإنسان يجب أن يكون حُراً من كل شيءٍ، حُراً من كل ما يسلبُّ إرادتهِ ومن كل ما يمنعهُ أن يكون إنسانًا. لأننا نحن البشر خُلقنا أحرارًا بدون قيود وأغلال، فلمْا نقيد أنفسنْا وغيرنا بقيود لا يقوّى الزمان على كسرها؟! ولتعلموا أن بعض عادات وتقاليد المجتمع السلبية أحيانًا هي من تأتينا بالايجابيات ونتعلم منها، فقط عندما ننظر إليها بعين العقل والصواب ونرفضها بكامل إرادتنا ونقتنع بأنها ليست في مصلحتنْا ومسيرتنْا.  اما في ما نسميه بالتطور المجتمعي المعاكس لسلبية بعض التقاليد التي يشرطها العرف القبلي ، يقول الفيلسوف (هيجل) صاحب الخبرة والتجربة الكبيرة : (ان التطور هو تدريجي وشمولي .. ) بمعني انه يتم بالتدريج ، وهو شمولي في مختلف المناحي بما فيها المفاهيم الإجتماعية ، والقصد هنا ان التطور العلمي يؤدي الي تطور في المفاهيم الإجتماعية الموروثة عن الاْباء والاْجداد  تتطور المفاهيم الإجتماعية لدي الناس بشكل عام مع تطور الحياة وانتشار التعليم ، فما قد يكون مرفوضا في السابق قد لا يكون كذلك اليوم

مثال علي ذلك : هنا في العراق  قبل سبعين الى ثمانين عاما كان كثير من الناس يعتبرون تعليم البنات عيب ” بل ومنهم من يقول حرام” اما اليوم فالاْمر اختلف ويمكننا ان نجد نسبة الإناث في الجامعات أكثر من الذكور … وهذا يدل علي تطور المفاهيم الإجتماعية لدي الناس  كما ان هناك قضية هامة علينا نأخذها بالإعتبار وهي محاولة الكثيرين أسلمة بعض العادات والتقاليد وقد يذهل المراقب إذا عاد في التاريخ إلى الوراء ليرى أن عامة الناس في بعض الدول العربية والإسلامية كانت تعتبر في وقت سابق أن تعليم الإناث حرام، بينما لا يعتبرونه كذلك الآن، بينما لا تزال عامة الناس في بعض الدول مترددة حول الأمر أو تظنه حراماً. فما كان في دولة حرام شرعاً في وقت ما هو الآن حلال شرعاً.

 فماذا جرى؟ هل تغيّر الإسلام أم تغير فهم الناس له؟ وربما يكون هذا السؤال هو الحجر الأساس في التفريق بين التقليد الذي يحاول أصحابه أن يؤسلموه وبين الإسلام الذي لا يقبل التقليد فينتصر أصحابه له على حساب الإسلام وباسم الإسلام.

 انا هنا لا أدعو الي الإنفلات من كل العادات والتقاليد بل كلنا يعرف ان هناك عادات جيدة ووجودها ضروي للمجتمع ، لكن هناك بعض العادات والتقاليد الغير سليمة والمخالفة اصلاً لقواعد الشرع والدين ، فديننا الإسلامي ينطلق من موقف شمولي واضح حيال مختلف القضايا التي تواجه الحياة الإنسانية ويقدم للإنسان النموذج الأفضل لضمان حياة دنيوية أفضل وأكرم للإنسان ويكفل له كذلك الفوز العظيم في الأخرة  كما ان الإسلام عند ظهوره الغي الكثير من العادات والتقاليد وهذب البعض الاْخر  هناك اثراً سلبياً للكثير من تقاليدنا وعلينا ان نعمل علي التخلص منها وعلينا ان نعمل علي تهذيب بعض العادات الأخري بحيث تنسجم مع ديننا ويجب ان يكون المقياس الأول لتصرفاتنا هو مدي توافقها مع قواعد شريعتنا وليس عاداتنا ،  انا هنا اتحدث بشكل عام ولا اْخص حالة معينة مثل قضايا الزواج او اختيار بعض المهن كما ورد في توضيح الأخ سلطان فالضرر السلبي لبعض العادات موجود في الزواج كما في غيره

فكل ماعلينا نحن كأفراد مسؤولين ان نعمله ونساعد الاخرين من خلال تعليمهم هو :

أولاً : أن نعلم بأن محاربة مساوئ العادات الفاسدة مسؤولية كل شخص دون استثناء ، وهي ليس حكراً على طبقة العلماء والمثقفين والأعيان فقط ، فقد أثبت التاريخ بأن هذه الطبقة غير قديرة على فعل شيء بدون وجود أعوان تلتف حولهم ، وبالتالي علينا ترك ثرثرة المجالس وحمل المسؤوليات على كاهل الغير .

ثانياً : الإحساس بضرورة عمل شيء وحث النفس على التحرك من أجل هذا الشيء ، فيجب أن لا نعطي الفرصة للعادات الغير جيدة ببث سمومها علينا ، ولسعها للبعض لا يدل أبداً على تركها لنا .. مثل أولئك الذين لا يعيرون اهتماماً لقضية غلاء المهور وعادات الزواج المكلفة ، ولكنهم يقفون حيرى عندما يقررون توديع حياة العزوبية فيلمسون بإحساسهم هذه العقبة ، وحينها فقط يأخذون بندب الحال والمطالبة بإيجاد الحلول .

ثالثاً : إعمال الفكر بالتفريق بين العادات الرديئة التي تتطلب منا المكافحة وجعلها هدفاً للتبديل والتغيير ، وبين العادات الحسنة التي يجب نشرها والدفاع عنها وجعلها هدفاً للترميم والتجديد .

رابعاً : صنع الإرادة في الذات ، ففي اصطلاح البعض ” الإرادة ترك ما عليه العادة ” ، وعلى العموم لم نرى عملاً تم بدون إرادة ، فالانتصارات والنجاحات تعتمد أول ما تعتمد على الإرادة .

خامساً : التحلي بالصبر والالتزام بالهدوء إزاء ما يمكن أن يطرأ من مواجهات وانتقادات ، وهذا يعتبر وليد الإرادة ودليل على القوة والثبات .