حسن النواب في حياة باسلة.. الوقائع اليومية تتخطى سجل الأموات

حسن النواب في حياة باسلة.. الوقائع اليومية تتخطى سجل الأموات

محمد جبير

حسن النواب ، شاعر مميز ، ومشاكس على مستوى الحياة والابداع ، وهو الامر الذي يميز ما يكتبه من نصوص شعرية منذ ان عرف شوارع وازقة بغداد حين جاءها شابا من كربلاء حاملا معه قصاصات قصائد يحتفظ بها ويحافظ عليها اكثر مما يحافظ على محفظته الفارغة من الاوراق النقدية فقد كانت قصائده جواز المرور للدخول الى العالم الجديد. المتلقي الذي تعرف على النواب الصغير شاعرا وعرف مقدار طول قامته الشعرية ، قد يتردد في اقتناء كتاب يحمل عنوان ” حياة باسلة ” للشاعر ذاته وصادر عن دار العين وجنسه ” رواية” وبواقع ” 500″ صفحة.

قد يتردد كثيرا او يندفع بحماسة نحو انتقاء هذا الكتاب من دون الكتب الاخرى لانه تعرف على الكاتب في نصوص نثرية سابقة نشرها في صحف ومجلات  عراقية ، لاسيما تلك اليوميات الخاصة به وما طرزت باسلوب شيق يغري المتلقي على التواصل مع الكاتب  للتعرف على التفاصيل التي ترد في كل قطعة نثرية نشرها هنا وهناك . هذا هو حسن في نثره محب لكل ذكرى ، مثل محبته لبغداد التي ينثرها على الارصفة والحدائق والمقاهي ، لم ولن يتغير حتى وان اراد ان يجمل  ما يكتب ، فانه يكتب عن الحقيقة التي يراها شاخصة امامه ، ويكتب ما يشعر به من احاسيس الحب والامل في حياة انسانية ، بسيط وواضح  في علاقاته  لا يعرف المكر او الخديعة لانه صادق في مشاعره ، طفل عندما يفرح ورجل حين يغضب .

قد اكتب ما اكتب عن هذا الصديق لاني احبه بكل تفاصيله اليومية ولذلك لن اتردد في قراءة “500” صفحة والتي يرى فيها البعض انها مغامرة ومضيعة الوقت لانه لا يريد ان يقرأ اصلا او لانه يخشى القراءة حتى لا يصدم بنص يشير عليه الاعتراف بالكاتب حسن النواب ناثرا من طراز خاص كما هو شاعر متميز بين اقرانه من الشعراء . قبل ان اقرأ سطور هذا النص في صفحاته العديدة ، مسكت بمفاتيح  رسائله التي يريد ان يبثها من خلال هذه السردية التي هي توثيق لجوانب او سنوات من حياة الشاعر في العراق  حتى لحظة المغادرة  في منتصف التسعينات .

تلك الايام الصعبة والمرة ، من ايام الحرب والحياة في جبهات القتال الى ايام الصعلكة في بغداد ، والمطاردة والرصد في كربلاء ، الى البحث عن قارئ مميز للقصائد قبل ان يبعث بها الى الصحف والمجلات او تتناقل بين ايدي الاصدقاء الاحبة ، انها الايام التي عاشها مع نصيف وكزار وجان بحلوها ومرها ، بتفاصيلها من مقالب نكد او فرح ، هي بحق سجل وقائع الحياة اليومية لرحلة الاصدقاء في ازقة البلد وحاناته .

” حياة باسلة” جاءت بغلاف ابيض مميز من تصميم ” سمية صلاح” ، فقد قسم الغلاف الاول الى نصفين العلوي منه حمل اسم عنوان الرواية واسم الكاتب اسفله  ثم جاء شعار الدار ، فيما ذهب كلمة رواية الى جانب صورة القط بين الاذن والعين ، ولن يكون ذلك الترحيل لجنس الكتاب عفويا  من المصمم او الكاتب فيما احتلت خارطة العراق النصف الاسفل من الغلاف ، ولهذه الخارطة حكاية لابد لها من امتداد رسالتها لتصل الى الغلاف الاخير الذي حمل مقطعا من الرواية  ، اقتطع من الصفحة ” 360″  وهو ” كأني امشي في مكان لا يمت الى الانسانية بشيء ولا تربطه  اية علاقة بهذه الارض ، ما هذا الذي اراه يا خالقنا الرحيم ربما الذي اراه الآن ما هو الا قطعة من جحيم  السماء ، هبطت سهوا على الارض ، صحيح اني شهدت الكثير من القتلى في سنوات الحرب ، ولكن الفرق ان الذين ارى اجسادهم المثخنة بالجراح بين حفرة واخرى هذه الساعة كانوا يرتدون الملابس المدنية ، ولا ادري لماذا القتيل بملابس عسكرية لا يثير في اوصالي الخوف مثلما ارى جثة بملابس مدنية”.

هذا المقطع وما يليه في اشارة الى تماثيل القادة العسكريين على ضفة العشار ، تحيل المتلقي الى تفاصيل حياة الحرب العراقية الايرانية ومقدار الاذى الذي لحق بالبصرة واهلها بشكل مباشر من جراء هذه الحرب ، هذه الحال ” الحرب ، الموت ، الدمار” هي الثلاثية التي يرفضها الشاعر ، وهي ذات الثلاثية التي جاءت بارزة على غلاف الكتاب الاول من خلال الخارطة ، اذ لخصت اسماء المدن الثلاث التي برزت في الخارطة المعنى العام للعراق الذي كتب بشكل بارز وهذه المدن هي ” البصرة، بغداد ، النجف” ، فقد مد الشكل الفني خيط الموت من البصرة الى النجف مارا ببغداد عاصمة الموت  التي يبحث فيها الشاعر عن قصيدة يتغنى بها الا انه لم يجد ذلك الا في رفقة محدودة جدا ، لذلك  يقرر ” ما عدت اطيق هذه القذارة ، سأترك البلاد”  ” الرواية-ص430″.

وما بين التجول بين السواتر والخنادق والارض الحرام والمغادرة سنوات احترقت من عمر الشاعر ، الا انه لم يرغب ان تذهب تلك السنوات او تمحى من الذاكرة من دون  ان تترجم الى عمل ابداعي لذلك ذهب النواب الى اعادة صياغة وقائع حياته اليومية بصدق ومن دون رتوش او تزويقات  نثرها امام عين المتلقي ليطلع على جانب من حياة المثقف العراقي ومعاناته  اليومية ، ولم يقم بذلك عبر كتابة يوميات او مذكرات شخصية وانما اعاد تشكيل تلك الحياة وفق وحدات سردية ، كل وحدة من هذه الوحدات تحمل موضوعها ولها عتبتها الخاصة التي تدل على ذلك الموضوع  ، الا ان في بعض المقاطع يندفع الكاتب الى التوثيق  منه الى السرد ، لاسيما عندما اتى على ذكر  ” جماعة كركوك ” الادبية ، حيث قدم كشفا مطولا لهذه الجماعة لا يحمل جديدا سوى انه اراد ان يوثق لعلاقة “الوشق” بهذه الجماعة والتي كان احد افرادها الا ان هذا الكشف التقريري جاء على حساب الفاعلية في سرد الحوادث .

لن اخفي تمتعي  بقراءة هذا النص  ، لانه اعادني الى ذكريات وحوادث  ، جرت للاصدقاء نصيف وكزار وحسن وجان ، ولم اكن بعيدا عنها رأيتها او عشتها او سمعتها ، ورحلت بين سطور النص لاكتشاف كل ذلك ، فوجدت بها ما وجدت من صدق في التفاصيل  ، قد لا يكون له مقارب في نصوص اخرى لانهم قد يخفون الكثير من التفاصيل حفاظا على اشياء  يرون انها من غير اللائق اعلانها في الوقت الحاضر لكن حسن النواب يقول كل شيء  لانه لا يريد ان يعود الى استذكار او استحضار لحظة مرة عاشها في زمن مضى.