متسولو قرطبة لخليل محمد إبراهيم .. حكايات قديمة في رواية حديثة

متسولو قرطبة لخليل محمد إبراهيم .. حكايات قديمة في رواية حديثة

اسماعيل ابراهيم عبد

قريبا بعض الشيء عن الواقع , بعيدا الى حد ” ما ” من الواقع الافتراضي , يتخلق لنا تركيب دلالي ورمزي في (قرطبة) الدولة التي تتسول تأريخها من دجالين وسقطة محتالين ..

  الدكتور خليل محمد ابراهيم , وبعد عدة تجارب قصصية , يعمد الى ان يضع لنفسة إصبعا يؤشر وقائع زمن تآكل فهدم أرصفة الوجود الحقيقي لصالح الوجود الفرضي …  روايته ” دولة المتسولين ”  , كأنها رواية للمتسللين , في كل العصور , نحو سدة الحكم لسببين , التفريط بالمال العام للدولة , وتسخير كل القوى الظلامية لخدمة هدف الإثراء الفاحش من خلال تدمير البنية الاجتماعية الاخلاقية للاقليم المدعو ” دولة ..

ولان الرواية تأخذ بالمنحى المؤسطر للحكايا فقد التزمت التفخيم والتهويل والمبالغة التراثية كي يتصور القارئ انها حكاية قديمة جيء بها للتسلية , ولأجل ان تتصنع منها مقولات مختلفة المصادر قابلة لإستيعاب التنصيص القرآني والنبوي والشعري والحِكَم . وقائع الروي متلاحقة ومتغايرة وملتبسة تدور حول محاور نظمية , منها ما هو قدري , ومنها ما هو مخطط له .. كما أن لغة الحكي كلها مستلة من طاقة التعبير التراثي المخادع.          لنضع لنا موجهات أساسية ننهض , من خلالها , بالمشاهد جهة دراسية متساوقة, الى حــــــــــــد ما , مع فلسفة الأهداف المرســـــــومة لها سلفاً

يشير الناقد عباس عبد جاسم الى الآتي /

” يحيل النص … الى شيء آخر : كإشارة / كعلامة / كواقعة / كمدونة / كشاهدة/ كمروية / كشفرة / كدلالة …. ينسج النص جدله  الخارجي في بنيته الفضائية , ينسج القص جدله الداخلي في بنيته السردية بالتداخل النصي “( 2).

ما يهمنا هنا ثلاث زوايا / الاولى , أن النص حمّال للإشارة والعلامة والواقعة..                                      الثانية , أن النص ـ وليس المشهد ـ ما يشكل نسيج القص .

الثالثة , أن النص كفضاء له بنية خارجية , وكسرد له جدل داخلي .

ولأجل تطوير الفهم يمكننا العبور نحو التشكل المادي واللامادي للموجودات الثابتة في المروية .. قد يكون من المفيد معرفة الرؤية الجامعة بين الموجودات وكائنات العلائق المشهدية (مشدات الصوغ) .    تابع بعض مشاهد الرواية بحسب التدرج الآتي /                                أ ـ النص العلائمي الإشاري للوجود المستقل  النصوص في عمومها تتقبل العلامة والاشارة كمحمولات لها , ولكنها ما ان تخرج من هذا النظام حتى تتخصص بخطاب ما ..

لنا ان نضع أيدينا على مشهد لا يبتعد عن العلاقات العلائمية والاشارية .

 [ إعتادوا أن يلتقوا مساء كل يوم بعد العشاء , يتحدثون , يتندرون بما جرى لكل منهم هذا اليوم ؛ أحلى صدقة ؛ أغرب صدقة ؛ ألطف صدقة …الخ ..  ولكي يعرّف أول من يحضر الاجتماع بحضوره , أن يقول :ـ ( الله كريم ؛ خبزة ولحمة) ؛ يقولها غناء مع التصفيق “( 3).

العلائمية :

تتمثل هذه الكثافة في المقدار الكمي للعلامات النافعة , ومن بين العلامات النافعة, (أن يلتقوا , يتحدثون , يتندرون , أحلى صدقة , اغرب , ألطف) .

هذه العلامات نافعة من جهتين هما , مساهمتها في الصوغ , وإنفتاحها على ممسكات القول المشهدية كجزء من مشدات ومشادات الجملة السردية. ولكونها مفضوحة المعنى , وبسيطة المبنى فهي ليست إشارات إنما علامات تقع في المرتبة الثانية من حيث ” تشكيل المعنى”  وهي الأكثر في النصوص الإنشائية منها  في النصوص ” الإعتبارية ” للنوع السردي .. قد يتبادر الى الذهن أنها غير مهمة ولسوف تقلل من شأن المقول الروائي , لكن شأنها هو العكس تماما , إذ هي جزء من بيان شامل ومحتوى يتكامل بالغور بعيداً نحو هدف السرد فيما بعد .       أشرتُ الى منافع العلامات وحددتها بإثنتين , لكنني أرى لها ـ كذلك ـ منفعة خاصة بالشكل الكتابي , أي الوجود الحروفي فهي المكوّن لكل كلمة كحالة من حالات تأثيث الوجود المشهدي على حيز المساحة الورقية , وهذا يهمنا من جانب التفرد الوجودي لكائنات الحيز النصي للمقول .                              ولعل العلامات لاتعدم ان تؤلف دلالتها التوزيعية في نشر الطبيعة الاريحية للمتسولين .                     ثم هي زخرفة تزينية تؤثر على البصر وتريح النفس من بعض توترها مثلـــــــــها مثل أية لوحة فنية !..

الكثافة الإشارية :

تتمثل الإشارات النافعة في خصوصية الإستعمال أعلاه في (مساء , يوم , عشاء, حضور الاجتماع , الله كريم , خبزة ولحمة , غناء مع التصفيق) ..

وسبب التميز عن العلامات هو كونها قابلة للتأويل , مسهمة في الترميز , وصائغة أولية للشفرات .                   فالمساء ليس وقتاً واحداً وليس وقتاً مؤقتاً انما هو كل مساء وعلى مدى دهور. وينطبق هذا على اليوم والعشاء وحضور والاجتماع ..          منها إشارات مرمزة إذ أن خبزة ولحمة ترمز الى الرزق الوفير وليس للأكل , وهي مع الغناء والتصفيق يؤلفان الشفرة الخاصة بالتسول والتي تأويلها , أن الطرافة والفرح هما حصة المتسولين , فهم سيحدثون تغيراً كبيراً في المجتمع لو توصلوا الى سدة الحكم ..                                           هل ثمة نفع آخر للإشارات النافعة !؟ .    أرى أنها محتوى لجميع ماخص العلامات مضافاً إليها الآتي /

أـ هي الأصلح من غيرها في توجيه القارئ نحو الدلالات المضمرة .  ب ـ وكونها كذلك فهي ستطور قدرة القاريء على التمييز بين الاستعارات المختلفة مما يزيد في مساهمته بتشكيل نصه الأثير . ج ـ هي الأكثر إجتهاداً في تحديد الكفاءة الإنتاجية للكاتب .

د ـ الإشارات النافعة هي الأكثر دفعاً للتقصي النقدي المتخصص الذي من خلاله تتقوم العـــــملية الابداعية للروي .

  هـ ـ الإشارات النافعة هي المسهمات اللغوية الأهم في إشاعة جو الحكي والوصف والمتعة لما تتضمنه  من ألغاز حجاجية .

ب ـ تركيب الوقائع

المشهد الصغير ـ على الارجح ـ يحتوي على وقائع قليلة , ولو أن ذلك ليس حُكماً , لذلك سوف أوسع مساحة المنصص المشهدي لأُبين طبيعة التركيب المقــــــــصودة هنا , على هامش التركيب الكلي لرواية الدكتور خليل محمد ابراهيم , ” دولة المتسولين ” …

 [ حين شاعت في ( قرطبة ) ؛ قصة خطوبة الأمير على ( فتنة بنت الفتان ) ؛ تطاول المتسولون على السلطان الذي ما كان متسول يحلم به ؛ إنتظروا يوما ؛ يومين ؛ ثلاثة أيام , لا إنطلق المتسولون الذين في السجون , ولا إنفتحت لهم أبواب الجامع الكبير , ولا صار منهم كاتب أو شاعر أو وزير  فلا قيمة أن تكون ( فتنة بنت الفتّان ) ؛ أميرة لـ ( قرطبة )؟ !

أحس النابهون من المتسولين , باستراتيجية ( فتنة ) في إيصال أصدقائها وخدمها الى السلطة , أما هم , فعليهم السلام , في السلطة؛ هناك مَن خاف على مكانه ؛ فراح يتقرب الى الأميرة الجديدة ؛ عَبْرَ المتسولين ؛ يحقق أهدافهم ؛ ينجز طلباتهم التي لا تنتهي خصوصاً وأن وسيلتهم الى الناس ؛ آيات القرآن الكريم , ودعوات الله سبحانه وتعالى بمساعدة مَن يساعدهم , ومَن يدري ماذا يحصل بعد ذلك؟!                        ما يحصل بعد ذلك غير مهم بالنسبة للوصوليين ؛ المهم أن مكانتهم ترتفع , وليذهب كل ما سواهم الى الجحيم ؛ هنا إستغل المتسولون ؛ تراخي القانون ؛ إنفتح أمامهم باب جامع (قرطبة ) الذي كان مغلقاً , بل إنفتحت لهم أبوابه , والأهم من ذلك ؛ إنفتاح أبواب خزائن خيراته ] (4 ).              يحتوي المشهد على 28  فعلاً , لكن الأحداث تعادل 39  حدثاً لأن 11  حدثاً كان بصيغة مصادر .. ومثل هذا يعيد علينا قولنا بصورة متسائلة , هل أن الوقائع هي حاصل جمع الأحداث؟

  الإجابة المتسرعة تقول نعم , والرأي الذي نرشحه للفهم يقول نعم . لكن ثمة مشكلة ناتجة عن الإجابتين , تقــــــــــــــول , لا يُشترط ذلك /

كيف نرتب أهمية الوقائع ! بمعنى أين البؤرة الحدثية ؟

أي الأحداث أساسية وأيها التابعة ؟  ولماذا؟

الترتيب المتسلسل يأخذ تركيب الحدث (الفعل + المصدر) بشكل خطي مع التسطير الكتابي .

وترتيب  الأهمية يأخذ بنظامين ـ في المشهد أعلاه فقط ـ..  الأول أن الحدث البؤري هو خطوبة الأمير لفتنة بنت الفتان , المتسولة .

النظام الثاني , يأخذ بالأهم ثم المهم ثم المكملات , وتترتب كالآتي /                حدث الخطوبة ” الأهم “.

ـ ” الحدث المهم ” إنفتاح أبواب خزائن خيرات خزائن جامع قرطبة .

ـ ثم تأتي بعدها ـ بالتساوي الأفعال والمصادر ” كأحداث مكملة ” .

ما الجدوى من هذا التصنيف ؟          نجد لهذه الفعّالية (التصنيف) ثلاثة مسوغات نفعية , هي /

1ـ أنها تركب الوقائع بحسب مساهمتها في خلق أرضية التأويل .      2ـ في تكثيف لفعل التصيير الروائي حين نقل الحدث من زمنه التأريخي الى ماديته اللغوية .              3ـ التصنيف واحد من بواعث فهم الرؤية التي تحكمت بالمؤلف سواء وعى ذلك أم لم يعِه .  وبقدر تعلق الأمر بالمحور أعلاه , نرى الوقائع هنا واقعتين فقط , من حيث الإسهام الشرطي في منطق التطور الحدثي الموضعي , إنهما

” الخطوبة .. الســـــــيطرة على الخزائن ” .

إما من الناحية الثانية الخاصة بالتأثيث الروائي , فهما واقعتان منفتحتان على مئات الأحداث اللاحقة كمهيئات للتطورات اللاحقة , وبدون هاتين الواقعتين

لايمكن السير قُدماً نحو الأحداث والمغامرات اللاحقة .

ج : النسج  للمشهد اللانصي

عند الشروع بالكتابة ينصب الاهتمام بركيزة واحدة هي الفكرة الصالحة للقص.

   هي من حيث الشكل لا تحتاج الى تصنيف , واحيانا يتسلل هذا اللاتصنيف الى النوع على هيأة تعبير مستقل يخرج من سلطة النص , ويتقيد بنموذج المشهد..                                    السؤال , هل هذا خلل إبداعي , له ما يبرره . لنتحقق من هذا /

 [ لم يكن المتسولون  الشباب ؛ يحلمون أحلام آبائهم وأجدادهم الصغيرة في الجامع الكبير , فكل منهم يحلم بجامع لنفسه ؛ يكبر على يديه , فقبل أيام ؛ حلم زيد بأن طارق بن زياد قائد الفتح الأندلسي طرقه وطاف عليه في المنام , وأخبره أن قبره موجود في سوق العطارين , وطارق بن زياد شيخ من شيوخ الله ؛ ينبغي أن يُبنى حول قبره جامعاً , وأن تشاد له منارة بل منائر مذهبة , وأن يكون زيد هو القيم على الجامع والضريح , وهو أمر على (الـفـتــان ) , أن يحققه ] ( 5).                   في هذا النسيج تحظى شروط الكتابة بمنزلة واضحة , كتابة دونما نصوص فاعلة , دونما شخوص معلمة , دونما إشارات نافعة متخصصة بالسرد , دونما مصاغات مبرمجة للسرد النوعي التخصصي , فهي إذاً , كتابة لامجنسة … لكنها تؤدي منجزات فعائلية مهمة , لها مواصفات مضافة .. لنجمل الصفات الأساسية للكتابة المشهدية اللانصية :

اولا- لا تحتوي نصوصاً فاعلة على مستوى سرد أحداث التدوين .

ثانيا-  لا شخوص تقوم بالأفعال , بل لاهيأة للفواعل .

ثالثا- لا تتخصص ببث روائي من أي نوع عدا الوصف المضلل .

رابعا- يطغي عليها تنظيم التتالي القولي اللامجنس .

خامسا- لغتها تقع بين مقولات شيئية هلامية لامادية .

سادسا- تديم ديناميك الوصف لما قبل السرد .

سابعا- لغتها تبرر التعبير ولاتغير في الوقائع , لازمانيا , ولاموضعيا .

لمثل هذا الاستثمار عدة مهام , منها /     ـ الـعـمـل على تهيأة المتجه الفلسفي للفعل الروائي على المستوى الجمالي والثقافي .                                         ـ توزيع الوحدات الميكانكية للحيز الفضائي للروي على مفاصل الجسد الكتابي.                                             ـ التغلب على فجوات السرد قبل وقوعها بالإشارة الى موحياتها أولاً , ثم تسطيح رقعة العرض لها ثانياً .       ـ التبني للغة الحدث بتجربة مجسات الأفعال النحوية الشبيهة بمنجزات الفعل الروائي .                     ـ إفساح المجال للكاتب لإحداث شعرية خاصة بالوصف القولي اللامجنس للإيفاء بمتطلبات التسويق الآيدلوجي المضمر .

د : جدل البنى

اسلوب التعبير عن البنى يأخذ شكله من طبيعة التوافق بين البنى السطحية والبنى العمقية على وفق متخذات جدالية توسم العلاقة بين المظهور التعبيري والمضمور من ورائه ..

بهذه الجدالية يتألف المنظور التعبيري ذاك /

” إكتشف اللغوي السويسري بايي اسلوب التعبير غير المباشر الحر الذي يجمع بين خصائص التعبير المباشر وغير المباشر ويعطي الكاتب حرية أكبر في نسج كلام الشخصية داخل كلام الراوي , عـرف فـيـمـا بـعـد بالمنلوج الداخلي ” ( 6)..

يرى فلوبير أهمية هذا الاسلوب في كونه يسبب /

“إختفاء الكاتب من عمله , والموقف الموضوعي في صياغة العمل الفني”(7).

عندما نعتدُّ بالمهاد أعلاه لسيزا قاسم سنتقدم نحو خطوة بنى ثالثة , بمعنى أن البنى الأولى تنبعث من المظهر الكتابي المباشر , والبنى الثانية تنبعث من العمق الدلالي , أما البنى الثالثة فهي مضمــــــَّنة في العلاقة الاسلوبية بين البنيتين الإثنــــــتين المؤشرتين أعلاه ..

كأننا نريد وضع مشرط يقسم بنى العمل الفني ـ بمعناه الـتـدويـنـي الجمالي الروائي ـ الى ثلاثة مستويات من التفاعل , الاولى ماتبثهُ المدونة مباشرة والثانية ماتبثه المدونة عبر مضمورها الدلالي , ومن ثم , ثالثة , ما يتألف عبرهما من اسلوب المنولوج الداخلي غير المباشر الحر , الذي تعتدّه الروايات الجادة المجيدة , عموما , …    لنتابع مشهدا جديدا يؤهل فعل الخطاب الروائي للمفترضات التي تتلوه /                                          المشهد  الآتي مروى على لسان جاسوس لمملكة طامعة بإمارة قرطبة ”   [ (يامولاي … قد سمعت أن أمير (قرطبة) يريد الأمر بتبييض السجون , فأوحيتُ له بأن تبييض السجون ؛ يكون بقتل المعارضين , وإطلاق سراح المجرمين بمناسبة عيد زفاف سموه الميمون , ففرح بهذا الإيحاء …فكانت تلك هي الضربة القاصمة …

يستطيع شقاة (قرطبة) ومجرموها المطلق سراحهم أن يستقطبوا شقاة المملكة ومجرميها , فتتخلص المملكة منهم , وتبتلى بهم (قرطبة) .

إما المعارضون من سياسيي المملكة , فيستطيعون اللجوء الى (قرطبة) , فتتخلص المملكة منهم ويكون لها يد تتدخل بها في (قرطبة) .. فـ (قرطبة) ملجأ لأعداء المملكة ] ( ).

بالنسبة لعملنا هنا نجتهد الآتي /

أ ـ الجملة السردية العامة كبنية أولية   تتقابل الجمل وتتلاحق مع بعضها في حالة من التضافر (النحوي ـ التركيبي) لتصنع لنفسها بناء متكاملا قادرا على إيصال فهم (ما) الى متلقين مفترضين , أولهم الكاتب .     وعند تخصص الجملة بالسرد فعليها بناء جمل فنية تقوم على أساس بناء خطاب يقص واقعة كجزء من حكاية , تسترعي وتستوعب حادثة مسليّة نافعة , وزمنا خاصا مؤطرا , تحدث داخله تغيرات الزمن والواقعة.. وبعكس ذلك , فهي جملة غير متخصصة بخطاب سردي ..

على جملة السرد أن تكون جزء من خطاب , والخطاب له مساحة عرض والعرض له ممسكات عدة , جمل وأدوات , وتلك متضمنة مشدات وفواصل ذاتية تؤلف بنية أولية تهيء للفهم وجوده الإبتدائي , شبه البدهي .. نسمّي هذه المحصلة البنائية “جملة سردية بنائية  ” عامة , تأخذ عمومها من كونها متجمعة وطامحة لإيجاد فهم أساسي يكون مركز إتجاه متكرر نحو بنى ومراكز جديدة مشادة فوقه وبسببه …                                      عند تفحصنا للمشهد الفائت , على وفق هذا , سنرى /

ـ يامولاي قد سمعتُ / هي جملة مقابلة لجملة / يريد الأمير , ومتممة مسبقة لجملة / تبييض السجون , بمعنى أنها الأساس في تكوين فهم عام عن قضية ستطرح لاحقا .              ـ جملة / أوحيت بأن تبييض السجون , تقابل وتتمم وتؤسس لجملة /  يكون بقتل المعارضين . بمعنى أن مهمة لاحقة للعمل التجسسي لابد منها .

ـ جملة / المعارضون من سياسيي المملكة يستطيعون اللجوء الى قرطبة / تقابل وتتمم / وتعارض جملة /  تتخلص المملكة منهم .

بمعنى أن المملكة عليها واجب أمني مضاف هو تصدير المعارضين منها ومن غيرها الى قرطبة .                       تلك هي أمثلة تعطينا فكرة على أن الجملة البنائية العامة تتصف بما يأتي/

اولا ـ تسهم في صنع مشدات حكائية  .   ثانيا-  تشيع إجوائية خاصة بالقص المتتابع دون شرط التصاعد الخطي .

ثالثا- يتفاقم تراكم الجمل ليحتوي مهمة تسريب قضية ما نحو فهم خاص ومحدد بمركز حكي موحد .         رابعا- لها القدرة على تكرار البناء وتقابله وتخالفه لأجل ترصيف جملي معقول لا يخالف القواعد ولا يتصلد عندها .

  خامسا- يُتِم التصنيع الجملي تصنيع القول الروائي الأساس لما سيلحق من مشاهد وقضايا بموجب إشتراطات الشخوص والرواة والقائلين والكتاب المتوالفين في قص الرؤى لعموم الرواية.

هـ ـ الجملة الدلالية بنية عمقية ثانية .   اذا كان النص المقتطع مؤلف من معالم وشواهد ” يدفــــــن تحته أسرار ” ( 8) .

فأنه مشد مشهدي يحتاز على عمق بنائي يماثل دلالياً بين تلك الأسرار , فهو إذاً مصاغة لجملة من الدلالات التي تخصب المعنى بالدلالات العمقية للمشهد .

بهذه الكيفية فأن جملة الدلالات كبنية عمقية ثانية  تبرر المعنى الباطني لما وراء المدونة الذي سيحتاز على التأثير بالقاريء المنتج “حصرا”.  لننظر /          تقول المعلمة لأمير (قرطبة) عند زيارته لها /

 [ قبل أن تقوم أحب أن أنبهكَ الى شيء ؛ هل إنتبهتَ الى أنكَ تصف (قرطبة) بالعظيمة ؟!                                           وهل إنتبهتَ الى أنني أصفها بالحـــبيبة ؟!

ما لنا نسينا (قرطبة) الجميلة؟!

أين بساتينها؟!    أين رياضها ؟!

أين عشاقها ؟!  أين قمر ليلها الزاهر؟!…   هل تعلم أن القاضي الكريم , لا يكتفي برزق الأمير ؟! …

أتدري أنه يغسل أموال الغشاشين , بحجة الزكاة ؟!…

أين عشاق (قرطبة) الحبيبة وعاشقاتها؟!

لماذا إختفوا وإختفين , وبقيت بنات الهوى في الليل والنهار؟! ] ( 9). لنحدد مستويات العمق الأول ومن ثم الثاني وبعدها سنرى أسرار المشهد المنصص .

  – العمق الأول يتضمن الدلالات الآتية (احترام الامير لمعلمته وطاعة المعلمة لأميرها الحاكم , الأمير يرى العظمة لا الجمال , المعلمة ترى الحب مقروناً بالصبر الأُمومي , الخراب وصل مداه عند القضاة والسلطات , نزوح المواطنين الكفوئين).

العمق الثاني / قرطبة مدينة مباحة , الحاكم سبب البلاء , النساء سبب ضياع الحكام , نهب المال العام هدف المنحرفين , هجرة الكفاءات بسبب الظلم والفقر وفقدان الأمن .                 العلائق الدلالية : تتضمن التعاشق بين العمق الأول والثاني , ثم التجاور بينهما , خاصة في /                         – فقدان الجمال / يجاور / تقصير الأمير بإزاء الطبقات العريضة للشعب .  – فقدان العدل / بجوار/ جشع المنافقين. – فقدان الحنان الإنساني / يجاور / انهدام التعليم والقضاء .

– توسع دائرة الفقر/ يجاور / تدني الانتاج في الصناعات والمهارات .          -غياب العاشـــــقين والعاشقات لقرطبة / يجاور / سيـــــــطرة بنات الهوى والقوادين والقـــــــضاة الفاسدين .

  -لأسرار هي ثلاثة / فقدان الأمير لزمام الأمور , إنغماس الجميع بذاتهم الفردية وفقدانهم لمعنى المواطنة , التطاول على الكرامة الإنسانية مظهر الطغاة جميعا وعلى مدى تأريخ السلطات البشرية .

    النتائج / إنها في غاية البساطة والعمق فهي ثلاث أيضا :

 1-  القص يهدف في مضمونه الدلالي عمق الهوة بين الحاكم والمحكومين .         2ـ يوزع علاقات الجوهر الدلالي على نمطين من المتجهات هما نمط التحرر من السلطة ومستلزماتها البروتوكولية بالنسبة للأمير والمعلمة , والثاني تحديد الخلل بدءا بالرأس ووصولا الى فئات الشعب كلها .

3ـ تتعادل قوى التنوير مع قوى التضليل مشهديا وثقافيا .

ج ـ جدل البنى بنية ثالثة .

في التعاون والتفاهم البنائي لكل من مصاغات البنى الأُولى والثانية يتحقق جدل إشكالي مفاده أن التراكم الصوري والدلالي يوجبان طرح قضايا فلسفية فنية تجعل من أي عنصر وسيلة وغاية في آن واحد كما أنهما سيؤالفان بين الموجودات الروائية كونها لامّة لأكثر البنى تشعباً وتوازياً وترابطاً , وهو ما يعني وجود فرز فكري فني ونفعي يحيل ـ على أكثر احتمالات حسن القصد ـ الى حالة من التسويق , بصيغة جدل , وتسويق بالتبادل السلعي ..

هذا من شأنه أن يعيد النظر بنظريات ودراسات البنية بشكلها التقليدي لتصبح محفزا ثقافيا إقتصاديا يدخل ضمن الصناعة الاعلامية والتواصلية الجديدة .

هذا الجدل قد نجده موضحا , كهدف عام في الرواية المدروسة , عبر وسائد البث المتحضر للمشاهد , وقد إختط , جدلا وتصميما , كاتبها , له عدة مسارب منها /                                  أ ـ إختيار مؤسسة الشؤون الثقافية العامة كناشر , ليتفادى منغصات التسويق .

ب ـ إختار لغتها لغة أسطورية تراثية مضللة ليحافظ على القرّاء بشتى صنوفهم , فالقاريء المنتج سيتفاعل مع اللغة الاسطورية المستحدثة بتلذذ ومتابعة نقدية , منجذبة الى هذه اللغة وذاك الجو المشحون بلقى التحديث .   ج ـ ضمّن الرواية شعراً وأقاصيص ونصوصاً قرآنية كريمة وأقوال نبوية شريفة لها هيبة وسلطة إحترام .

د ـ إخترام الذائقة العامة بالتلغيز والتبكيت والوصف الحر لأجل زيادة متعة التنويع والتشبه بالحكاية لقارئها.

هـ ـ أحال الاسلوب بتراكيبه المعقودة البُنى ليكون منارة للجدل (تكوين مستويات متعددة للفهم) ليظل الحيز الروائي مشحوناً بجميع محمولات الوجود من روائــــــح واصوات وحركات وحتى أوهام وما شابه , ليؤكد أن للروية سطوحا متعددة من بينها أن الســــــنوغرافيا تشتغل كمنوال مهم من ” إبلاغات وبلاغة ” الروي .

الهوامش

 1- ابراهيم , خليل محمد , دولة المتسولين ,2014, الشؤون الثقافية العامة , العراق .

  2-  جاسم , عباس عبد , سرد ما بعد الحداثة , 2013 , ص12 , الشؤون الثقافية العامة , العراق

  3-  ابراهيم , خليل محمد , رواية دولة المتسولين , مصدر سابق , ص5

   4-ابراهيم , خليل محمد , رواية دولة المتسولين , مصدر سابق , ص44

 5-  ابراهيم , خليل محمد , رواية دولة المتســــــــولين , مصدر سابق , ص 29 , ص30

   6- قاسم , سيزا , بناء الرواية ,2004, ص223, مكتبة الإسرة , مــصر

  7-  قاسم , سيزا , بناء الرواية , المصدر السابق نفسه , ص224, ص225

 8-  ابراهيم , خليل محمد , رواية مملكة المتسولين , مصدر سابق , ص55

 صبرة , أحمد , معجب العدواني ,      التشكل والمعنى في الخطاب السردي , تحرير , ص223, 2013دار الإنتشار العربي , الرياض ـ السعودي , بيروت ـ لبنان .

   9-ابراهيم , خليل محمد , رواية دولة المتسولين , مصدر سابق , ص83,ص.84