قراءة تاملية في تعليم اللغة العربية.. منهج تفكير ونظام تعبير

قراءة تاملية في تعليم اللغة العربية.. منهج تفكير ونظام تعبير

علوان السلمان

اللغة العربية بصفتها منهج تفكير ونظام تعبير وتواصل  لها ميزتها الجمالية المنحصرة في الفاظها التي استطاعت ان تطرق اذهان الآخر لتتمكن منه موضوعيا عبر غناها ورقيها الجمالي والصوتي وغنى الفاظها بمرونتها وحيوية مكنتها من التكيف ومقتضيات العصر بفاعلية منسجمة والتغيرات الحياتية لتحقيق رسالتها الانسانية..كونها نبع  للتفكير والتوليد الابداعي..الابتكاري الذي خلق اساليب لفظية كالجناس الذي يعني تشابه لفظتين مع اختلاف المعنى كما في قول الشاعر::

خليليّ إن قالـت بثينـة : ما له

أتانا بلا وعدٍ؟ فقولا لها : لها

أتى وهو مشغولٌ لعظـم الذي به

ومن بات يرعى السّها سهـا

بثينة تزري بالغزالة في الضحى

إذا برزت لم تبث يوما بِها بَها

لها مقلة كحـلاء نجـلاء خلقة

كأن أباها الظّبي أو أمّها مهـا

دهتني بودّ قاتـل وهـو متلفي

وكم قتلت بالودّ من ودّها دها

فالشاعر يوظيف اسلوبا بلاغيا توظيفا خلاقا يستفز الذاكرة وينبش خزينها المعرفي باستخدام(لها) الجار والمجرور و(لها) الفعل الماضي من (اللهو) و(السها) كوكب صغير خفي الضوء وهو في بنات نعش و( سها) بمعنى غفل ونسي و(بها) جار ومجرور و( بها) رونق وجمال و(امها) تعني الام  و(مها) بمعنى الغزالة و(ودها) بمعنى حبها الشديد و( دها) حسن الحيلة والمكر..وهذه الفطنة الجمالية التي وظفها الشاعر في بناء نصه من اجل الوقوف على الجمال اللفظي وخصوصيته التي تجعل منه اداة تواصل مؤثر  يحث المتلقي للبحث في الق اللفظة واستنطاقها..وهناك الطباق الذي يعني الجمع بين معنيين متقابلين..متضادين كما في قوله تعالى(وتحسبهم ايقاظا وهم رقود)..وقول الشاعر:

مكر مفر مقبل مدبر معا         كجلمود صخر حطه السيل من عل

هذا يعني ان اللغة العربية تميزت بسمات انتظمت في علم خاص اطلق عليه(علم اللغة) الذي شكلته مستويات انحصرت في(المستوى النحوي)و(المستوى الصرفي)  و(المستوى الصوتي) و(المستوى الدلالي)..

والاستاذ الدكتور نجاح هادي كبة في كتابه(في تعليم اللغة العربية) بفصوله الثلاثة التي تكشف عن الاهداف التربوية والتعليمية بعد الاستهلال الذي كشف عن ان(التربية وسيلة قيادة الجيل الصاعد نحو الافضل..ولا يمكن قيادة الجيل المتطلع للحياة واعداده من دون اللغة التي تمتلك اهمية متفردة في حياة الانسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.. ومن دونها لايمكن بناء المجتمع وتوثيق روابط الاتصال بين افراده.. وبناء على ذلك فان الشعوب المتقدمة تعني بلغتها.. ثم يخوض الكاتب في غمار الاهداف التربوية والتعليمية..بصفتها خلاصة المنتج التعليمي ومحور العملية التعليمية التي يكتسبها الطالب من عملية الاتصال والتواصل مع المدرس او عن طريق الكتاب المدرسي..ثم تتنقل خطاه صوب عوالم الدرس ابتداء من التعبير الذي يعد وسيلة الافهام والتفاهم واداة تقوية الروابط الفكرية والاجتماعية..والذي ينقسم الى قسمين اولهما: التعبير الوظيفي كالمحادثة والمناقشة..وثانيهما التعبير الابداعي المنحصر في التعبير عن الافكار والخواطر النفسية ونقلها الى الاخرين بطريقة شائقة مثيرة.. ثم ينتقل الكاتب الى جودة الاداء التعبيري فيعرج على تعريف الجودة معتمدا مرجعيات متخصصة تبدأ بsallies الذي يرى انها(الحالة المثالية التي يوجد عليها شيء ما بمعنى اعلى احتمال ممكن لمستوى مثالي لا يمكن التقليل منه..) و عرفها آخرون  بانها تعني الامتياز.. ثم ينتقل الى الاداء الذي هو(مقياس لما تم انجازه من عمل  مؤسسة او فريق او شخص..)..فالوقوف  على مفهوم التعبير الادبي الذي يعني(تحويل الجسوم الصوتية الى صور مرئية بالحروف لتحمل في مضامينها الرؤى او الافكار او الحدس او الانفعالات..فضلا عن انها رباط بين الانسان والحياة مجتمعا وتاريخا..ويقسم الى قسمين احدهما يتسم بالسمة الاتصالية الاجتماعية والواقعية..والاخر يتسم بالسمة الفردية او الشخصية والقدرة على التخيل والابداع والابتكار لافكار باسلوب جميل وممتع..بعدها يسبح الكاتب وسط عوالم التعبير الابداعيةالكتابية والذي يعده غائبا عن مدارسنا وجامعاتنا ..وهنا نختلف لان هذه الظاهرة نسبية بين مكان واخر..فيقف على اهميته في اعداد وانماء القدرة الابداعية..كون الامم تقاس في مجال تقدمها وتطورها بمقدار ما تعد من علماء ومخترعين ومبدعين..اما تعريفه للابداع فيتكىء على (البرت) الذي يقول انه(سلوك متعمد مبني على اساس المعرفة والفرص والترابط .. وينمو بنماء الدافعية والخبرات وحاجات الانسان..)..و(الزيات) الذي يعد الابداع (عبارة عن سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير عن طريق احدى الحواس الخمس..)..فالتذوق الادبي الذي يعني القدرة على ادراك ما في النص الادبي من ضعف وقوة وجمال مبنيا على مقومات البلاغة والنقد ما يجعله يستمتع بالنص او ينفر منه..).ثم ينتقل للحديث عن فن الالقاء الذي يعده الكاتب (درسا ويغيبه عن مدارسنا وجامعاتنا)..فيعرفه كما عرفه سليم بانه(فن التعبير عما يختلج في النفس اولا باللسان وبالحركة والاشارة مجتمعة في وقت واحد..ابتغاء الافهام والتاثير ثم الافحام..لان نهاية النهايات من فن الالقاء هو التاثير في السامعين..و(نوري) الذي قال بانه(ايجاد الاصول والطرق التي من شانها جعل الصوت واللفظة بحالة ملائمة للاستجابة للتغييرات بصورة تريح المتكلم والمستمع في الوقت نفسه..ثم ينتقل الى باب آخر(المسرح المدرسي وتوصيل اللغة العربية) واتخذ من مسرح الطفل انموذجا..وفيه يرى ما يراه السلامي ان المسرحية( فن ادبي انساني تتخذ من الشعر او النثر اسلوبا لها وتقوم على الحوار  بين الشخصيات محددة الزمان والمكان(المسرح) تدور حول حدث معين وتهدف الى بناء الشخصية..)..اما دوسن فقد عرفها بانها(الفعل الدرامي ذو طول معين له بداية ووسط ونهاية وهو يضم مجموعة من الاوضاع تستحوذ على انتباهنا..ويصدر كل وضع عما سبقه ويبعث توقعا لتغير آخر حتى نهاية الفعل الذي ما يستطيع المرء فعله من دون النظر في الوسيلة التي يخلق فيها الوضع والفعل..ألا وهي اللغة الدرامية..والتخييلية قد يقتبسها المدرس  او بعض التلاميذ النابهين من الموضوعات الدراسية كالادب والتاريخ..)..

  بعدها يؤكد الكاتب على ضرورة توظيف المنهجين البنيوي(وابرز منظريه رولان بارت) والتفكيكي الذي يعد( دريدا من مؤسسيه) ..في توصيل مادة النقد الادبي للطلبة كونهما منهجان حداثويان شهدهما القرن التاسع عشر والعشرين وذلك من اجل توصيل مادة التعبير الادبي الحداثي للطلبة زيادة على المنهج النقدي القديم واثراء قابلياتهم التذوقية والادبية والابتعاد عن الاسلوب الاستاتيكي في تحصيل مادة النقد الادبي التي ترسم ملامح الناقد بالمستقبل..وبما يلائم مستواههم العقلي والعمري..وفي نهاية الفصل يركز الكاتب افكاره في تحليل المعنى..كونه يرى من الضروري افادة المعلم من نظريات القراءة والتاويل في تحليل المعنى لاسيما في دروس المطالعة والادب والنقد..واخيرا يدون الكاتب مصادر الفصل ويتجه الى توثيق ابواب الفصل الثاني  الذي يبدأ  بالنحو المدرسي كشاهد على اللغة وتراكيبها والكاشف عن كونها لغة فصاحة وبيان وحكمة..حتى ان ماسينون قال في الفاظها(ان في اللفظ العربي جرسا موسيقيا لا اجده في لغتي الفرنسية..).. ومن ثم يعرج الكاتب على اسباب وضع النحو والصرف وكيف يقدم النحو في مدارسنا وجامعاتنا مؤكدا على ما قاله الدكتور ابراهيم السامرائي:ان المنهج العلمي الذي ينبغي ان ندرس العربية بمقتضاه يفرض علينا ان يكون منهجا موضوعيا..وان ندرس العربية دراسة نصل منها الى الفهم الصحيح وان نتعلمها تعلما صحيحا فيها شيء من الطبيعة اللغوية بعيدا عما علق بها من عناصر دخيلة ليست من العربية..)..ثم يقدم الكاتب نصائح تعليمية في توصيل الزمن باللغة العربية للطلبة..

اذ ان استعمال الزمن في السياق اللغوي يكون اساسا لفهم المعنى لاسيما في النصوص الابداعية كالمسرحية والقصة والشعر..وقد عده ارسطو احد وحدات المسرحية(الزمان والمكان والحدث..)..بعدها ينتقل الى اساليب تعليم الاملاء في المرحلة الابتدائية باعتباره الوعاء المادي ـ التجريدي ـ للمضمون الفكري والادبي..وان أي خلل في رسم المفردات رسما املائيا توفيقيا يؤدي بالضرورة الى خلل في فهم الافكار في السياق او البنية لنص ما باعتباره(نظام لغوي معين..موضوعه رسم الكلمات وما يفصل ويوصل من الحروف التي يجب فصلها والتي يجب وصلها والحروف التي تزاد والحروف التي تحذف والهمزة بانواعها المختلفة ووظيفة الاملاء انه يعطي صورا بصرية للكلمات التي تقوم مقام الصورة السمعية عند تعذر السماع..بعدها ينتقل الى الرسم القرآني واساليب توصيله للطلبة..فاساليب توصيل السيرة الحديثة ومميزاتها لدورها المهم في تحقيق تعبير الطلبة لانها مصوغة باسلوب ادبي..فني يتوافر فيها الوصف والتفسير والحوار بنوعيه(الصامت والصائت)وفيها يستبطن الكاتب نفسه والاخر.. بعدها يطرح انموذجا للسيرة الذاتية الحديثة متمثلا بـ (الاعتراف الاخير لمالك بن الريب) ليوسف الصائغ..فالسرد القصصي واساليب توصيله للطلبة كون القصة من انجح الوسائل لتعليم اللغة..فهي تزود الطلبة بالمفردات والتراكيب والاسلوب وتعودهم حسن الاستماع ودقة الفهم وتاخذهم لحسن الاداء وتصوير المعاني..فضلا عن اهميتها في تحسين اسلوب  تعبير الطلبة وتاثيرها السلوكي..فنهاية الفصل وحصره بمشكلات توصيل القراءة الصامتة باعتبار القراءة عماد اللغة المكتوبة..اضافة الى انها وسيلة لنقل المعرفة فهي تختصر عاملي الزمان والمكان وتسهيل عملية الاتصال..فمصادر الفصل..

 اما الفصل الثالث فقد تصدرته رؤية جديدة في تعليم قواعد اللغة العربية في ضوء المنهجين الوصفي الذي يرفض القياس المستند الى الفلسفة والمنطق الارسطوي ودرس اللغة في ضوء القياس الطبيعي المعبر عن منطق اللغة..فضلا عن انه يدرس اللغة على اساس مستويات متعددة:المستوى الشكلي والتحليلي والوظيفي والدلالي..ويشخص الكاتب الفرق بين الكلام الذي هو فردي واللغة التي هي مظهر جماعي..اما المنهج الاخر فهوالمنهج التحويلي التوليدي الذي يتميز بالقدرة على توليد متواليات من الجمل في نظام لغوي باستعمال انظمة القواعد التي انشئت جميعها بطريقة واحدة.. ولا يفوتنا ان نذكران المنهج التوليدي يعكس سلوك المتعلم..بعدها يطرح الكاتب سؤالا حول تحديد سمات المعلم من وجهة نظر الطلبة..ثم يعرج على طرح بعض من الاتجاهات الحديثة في  التدريس وياخذ من التعليم التعاوني انموذجا كونه يعد اسلوبا من اساليب توصيل المواد الدراسية للطلبة علما انه طريقة لاتقف بوجه الطرائق الاخرى..بل يتعاون معها لتوصيل المادة الدراسية للطلبة كطريقة المحاضرة والمناقشة.. ودعما لهذا يقدم اتجاها اخر في تدريس اللغة العربية مع انموذج تمثل في مهارة تنويع الحافز..كون المهارة تعني(مجموعة السلوكيات المرتبطة بالتدريس ولها اهداف تربوية معينة) على حد تعبيرmonityre وwhite  وعرفهاsingh بانها(مجموعة سلوكيات المدرس التي تكون فاعلة بوجه خاص في حصول التغيير المطلوب في الطلبة..) اما التعريف الاجرائي للمهارات التدريسية فهي(نشاط معين يقوم به المدرس داخل الصف يتطلب الخبرة والممارسة والتدريب وهي مجموعة من سلوكيات المدرس تؤدي الى التغيير المطلوب في الطلبة وتزيد من  تحصيلهم.. فعودة اخرى الى درس التعبير والحديث عن تحديث تدريس التعبير(اسلوب الندوة والاسلوب الحر انموذجا)..والذي عرفه قاموس التربية:بانه اختيار الافكار وتنظيمها وتنميتها بصورة لائقة كلاما اوكتابة.. اما اسلوب الندوة فقد عرفهgulley بانه مجموعة صغيرة من الخبراء او الاشخاص ممن لديهم معلومات جيدة يناقشون مسألة او مشكلة لصالح الجمهور..وان ما يميز هذه المجموعة هو نمط الاتصال..اما الاسلوب الحر فهو(الطريقة التي ينظر مستعملها الى المتعلم بوصفه انه الغاية من التعليم وان ينمي فيه قابلية الانتقاد وقابلية البحث والتنقيب ويناقش بعضهم بعضا فيكون الجميع قد اشتركوا في اعداد الدرس ويكون المدرس المرشد والهادي للوصول الى اعداده..بعدها يناقش الكاتب الاختبارات المدرسية بانواعها(التحريرية والشفوية) والمبادي التربوية والنفسية.. فالمصادر التي اعتمدها الكاتب لتحقيق فصله هذا…