أنتج (ماضٍ لا يمضي).. هاني فحص رجل الحوار والتعايش والوسطية.
شكيب كاظم
يوم الخميس الثامن عشر من أيلول سنة 2014 رزئت الاوساط الثقافية والدينية في لبنان والوطن العربي، برحيل الأديب والمنشئ الجميل ورجل الدين الوسطي والسياسي السيد هاني (مصطفى حسن) فحص، رجل الوسطية والتعايش والحوار مع الآخر، أياً كان هذا الأخر، والذي كان يثير حفيظة المتشددين والمتزمتين.
ولد السيد هاني في قرية (جبشيت) احدى قرى الجنوب اللبناني عام 1946 واذ تسمح له سنه في الدخول الى المدرسة الابتدائية، فانه لا يتوانى في الانتظام في هذه الدراسة، واذ يكملها فان الرأي يتجه الى ضرورة التوجه الى العمل، وترك الدراسة، فالاسرة فقيرة والاب البناء لا يكاد دخله يسد رمق الأفواه التي تتكاثر، يقر القرار على الذهاب مع أبيه حيث يعمل بناءً في بيروت، لكن هذا المسكون بالاسئلة لا يجد نفسه في هذا العمل اليدوي المضني، فيعمل في أشغال بسيطة، تم ما يلبث أن يغادر بيروت عائداً الى قريته (جبشيت) ليعمل مع جدته في الحقل.
الصبي هاني المسكون بالأسئلة، ذو العقل الموّار، كان يجد نفسه في أعمال العقل لا أعمال الساعد وإعماله، فهو خلق للدرس والبحث، لذا مالبث أن غادر قريته الوادعة، نحو مدينة النجف عام 1963 لينخرط في حوزتها العلمية طالباً نابهاً، وعلى الرغم من الدراسة الحوزية المتشددة في طقوسها على مستوى الدرس والتصرف واللبس، ما استطاع الطلاب اللبنانيون، التخلص من ترف اللبناني وأناقته، فكنت ترى الساعة في المعصم، فضلاً عن البنطلون تحت الجبة، وما إنتعلوا مداساً، بل احتذوا أحذية أنيقة، وما أقتصروا، او ما أختصر هو على قراءة الكتب المقررة، بل ظل يرنو نحو المجلة الفكرية والثقافية والكتاب، فكان يديم النظر في مجلة (الأداب) البيروتية، لا بل حتى (الطريق) اليسارية، وكنت تجد بين كتبه، كتباً لسارتر والبير كامي، ودستويفسكي، وفرانسوا ساكان، ومع علمه أن الشعر بالعلماء يزري، على حد قول الامام محمد بن ادريس بن شافع الشافعي، كنت تجد عنده دواوين شعر.
واذ اكمل دراسته عام 1972 وما كانت حياته في العراق درساً فقط، بل كان فيها شيء من سياسة، اذ حينما يصل الخميني الى بغداد، بعد أن أبعدته السلطات التركية، بعد ضغوط شاهنشاهية، يكون السيد هاني فحص في ضمن مستقبليه، واذ يعود الى بلده، بعد اكماله دراسته، فيقترح الاهالي أن يتولى مسجد القرية، ولما كان فحص مسكوناً بالاسئلة، اسئلة الحياة والثقافة والسياسة، فانه لا يوافق على هذه الوظيفة السكونية الساكنة، لينخرط في العمل السياسي، هو الذي أفاق على الدنيا، واخبار العدوان الثلاثي على مصر، خريف سنة 1956 اثر تأميم الرئيس جمال عبد الناصر لقناة السويس تملأ الآفاق.
عندما اعلنت الوحدة المصرية السورية في شباط من عام 1958 في عرس قومي عروبي رائع، قرر وعديد زملائه التوجه نحو دمشق، لمشاركة الناس عيدهم، ويعود سعيداً، اذ حظي برؤية الزعيم جمال عبد الناصر، وينهمك في العمل السياسي المحلي، واذ كانت شركة التبغ (الريجي) المحتكرة لتسويق التبغ، تغبن حقوق المزارعين، وكنت أتابع اخبارها من خلال مجلة (الحرية) الاسبوعية اللبنانية لسان حركة القوميين العرب، فكان السيد هاني فحص من قادة الاضراب ضد شركة الريجي، كما انخرط في العمل السياسي العربي، فكان من مناصري الثورة الفلسطينية، اثر كارثة الخامس من حزيران/ 1967 وكان قلبه مع حركة (فتح) وزعيمهما (ابو عمار) ياسر عرفات، ولأن عقل السيد هاني فحص- كما قلت مسكوناً بالاسئلة وضاجاً بها، هو الباحث عن البتولية والنقاء والبيوريتانية، التي تقترب من اليوتوبيا والبحث عن المدينة الفاضلة في مواجهة وموازاة المدينة الفاسقة الراذلة، رجل هذا شأنه، تطهراً ونقاءً وصدقاً، لاشك سيصدم، فالحياة الماكرة شيء وما نغني له ونهفو إليه ونهدف شيء آخر فصدم في الحوزة، وكما صدم في السياسة، فكانت سلوته القراءة ومن تم الكتابة وهما اللتان جعــــــلتا من الحياة، شيئاً وامرأ يمكن أن يعاش بعـــــيداً عن هجير الواقع ولسعاته.
تفرغ السيد هاني فحص، في سنواته الاخيرة للقراءة والكتابة، فأنتج عديد الكتب، ولكن آثرها الى نفسي وأقرب، كتابه الرائع الذي أعطاه اسماً موحياً رامزاً وبجزءين أصدرتهما (دار المدى) للثقافة والنشر.
الاول صدر عام 2008 وحمل عنوان (ماض لا يمضي. ذكريات ومكونات عراقية) والثاني صدر عام 2010وحمل العنوان ذاته، (ماض لا يمضي)، فضلاً عن عنوان فرعي (ذكريات التبغ والزيتون والزعفران) ويقعان في اكثر من سبع مئة صفحة، متحدثاً في الجزء الاول عن دراسته بحوزة النجف، والعراق الذي أحبه حباً جماً، والذي كان يرصع أحاديثه بمفردات من اللهجة العراقية الدارجة، وهذا ما لمسته عن كثب وأنا أشاهد لقاءاته الثقافية التلفازية، ولم ينقطع عن زيارة العراق، وظل يكتب في صحافته ومجلاته، حتى كانت له مقالة اسبوعية في مجلة (الاسبوعية) كنت حريصاً على قراءتها لمواكبة افكار السيد وآرائه.
لقد أحب السيد هاني فحص العراق، لذا ما جانب الصواب من لقبه بـ (العراقي) أحب العراق كما أحب لبنان والضاحية الجنوبية من بيروت، وجنوب لبنان، وضيعة جبشيت مسقط رأسه، التي عاد اليها محمولاً على الاكتاف ليوارى في ثراها الطيب.























