قراءة في نص .. قيامة جسد تنبعث شعراً

قراءة في نص .. قيامة جسد تنبعث شعراً

حيدر حاشوش العقابي

الدهشة عنصر مهم من عناصر البناء الشعري، وفي اعتقادي هي ملح القصيدة ، الذي يعمل عليه الكثير من الشعراء ،ومنهم الشاعرة لمياء عمر عياد ،في نصها المنشور في جريدة العراق اليوم .حيث ترسم بفرشاتها لوحة جميلة ..تضع لها صورا شعرية رائعة لاغية كل حالة ترميز معقد في البناء التركيبي للنص ،فالشاعرة تنتهج اسلوبا غاية في الروعة اسلوب التمدد الشعري عبر نافذة الواقعية الشعرية ..حيث لا تشرك حراكها بالفعل الفراغ وانما تقوم بأملاء تصورات ومفاهيم عقلانية ،من الممكن ان تمر لنافذة القارئ العربي .الذي تحيطه هذه الارتباكات والتخبط والالم المضني الذي يعيش عبر حركة الحروب الدائرة ،فالشاعرة تتنفس هموم الوطن وتعبر عن ماهية هذا التوغل بالنص بلغة عمودية ،عبر اسلوب سهل ولغة رائعة ،ترسم النص بفرشاة جديدة وتطرحه على المائدة الثقافية ليكون بمتناول الكثير ..وهنا يكمن واجب الشعر. الرغبة القرائية، وهذا بالفعل الذي دعاني ان اكتب عن هذا النص ،حيث يبرز هيكل النص المتكامل بالتفصيل بالترجيح والرؤية ،فقد اضافت العديدة من الخيارات ،حيث تزدحم الصور الشعرية ببودقة واحدة ضمن سياق النص ،فلاتجد هناك فاصلة او مساحة بين مقطع واخر ،وليس هناك حالة قطع للنفس الشعري القرائي، كما في هذا المقطع..

مدهوشة بين شهقة

الموت

كغريق

ازاحم الموت فيباغتني

وافنى

اتكورحبلى

ازهق اجنتي

فلاكون غير من تحتي يئن

نعم التراب يئن في الخليج الذي يسمى بلاد العرب، يئن في هذه الارض التي تفقد ابناءها دائما ،وهل سنصل سيدتي للضفاف ،هل سنوقف هذا النزف المستمر في دم عروبتنا ..دائما ما اذكر ان هناك روحا للقصيدة،(زبد القصيدة)وهناك تعطينا هذه الشاعرة الزبد مباشرة ،دون ان تكرر الهالة المبرمجة بالتوظيف ،عبر هياكل ارتدادية ،فالموضوع واحد ،والصورة الشعرية تغلي في مستنقع ،بارد ،صورة حية بكل تفاصيلها تتنفس حتما ،هناك ضرورة بتوفر نقاط قوة النص ،فنحن نعكس صورة مجتمع يخيم عليه الحزن من كل مكان ،والناس تحاول ان تجد لها ظل في هذا الفناء الذي لا ينشر سوى روائح البارود والموت تقول الشاعرة:

اهتز بكفن

ابصر المدى

واحداق استقال منها البياض ،

نعم سيدتي انه البكاء المر على وطن نمزقه مخالب القدر،

اغادر صدفة الموت

جسدي رخامي بارد

تشاكسه مرايا البغاء،

انها ارهاصات ،في ظل بارد الحزن ،الالم ..القيامة ،الحياة المزيفة اللااستقرار،التي تعيش عليه هذه الشعوب ،فالشاعرة تدخلنا في فضاء هذا الجهل المتراكم ،بأسقاط هويتنا دون ان نعرف أين سقطت ،ودون ان نفكر باستعادتها ،وعموما فالنص الحديث الناجح يتمتع بهذه الحركة ،الصورية التصويرية ،بإضفاء حالة الصدق المهيمن دون خيال ،فالخيال لا ينتج غير خيال ،والعالم لا يحتاج لهذا الخيال ،العالم يحتاج لدفعة حقيقة ،للوصول للراس الذي قطعه الاغراب لنعيده للجسد، آنها الصدمة والدهشة التي اشرت لها ،الشاعرة التزمت بهذه الدهشة ،الكون الغرائبي التخيل الواقعي ،انها تضيف حالة الصدق بحركة نصية اراها ببرمجة شكلية ،صفة الثقة ،بالنص تقول الشاعرة،

كن ايها الجسد

مسكونا بالطهر

وارمي بالتراب عليك نواحا

تعزفه ارض

ومن دمائها

تنقش..

رداء الكرامة

لكن هل سنرتدي رداء الكرامة سيدتي ..؟مرة اخرى

هذا الذي اشرت اليه الهزة العنيفة للنص ..الترابط الروحي ،،بين لقطة سمية واخرى تشكلها انامل شعرية رائعة ..وتضيف عليها حالة الصدق بعيدا عن المباشرة ،بعيدا عن التوغل في اودية غير مكتنزة بالشعرية انها الحدائق العامرة بالزهور وبالعبق، فالشاعر ة ترسم بقوالب شعرية مجسمة ،تلكم الصورة ،وذلك الفعل العذب المجلجل ،اضف الكم الذهني الواضع بترابط النص الواحد، حيث لا تجد ان هناك هوة بين شطر واخر،فالنص مرتبط بأواصر قوية ،ولكن الحالة التشاؤمية تكاد تكون هي الطاغية على النص حين تقول

الارض يسكنها الزيف

فما عادت

غير مسرح دمى

ادواره الجمهور

فالشعب هو الجمهور ،والزيف يرسم ملامحه باناقة،على هذه الارض الخراب ،الارض النبيه التي اغتالتها ذئاب الوقت ..نعم انه الزيف سيدتي ولاشيئا سواه ،زيف عقولنا ،التي ارتضت ان تتبرمج عليه بريموت غبائنا، احصينا كل صدمات هذا القرن المهزوم ،تتزاحم هذه الصور في هذا النص ،فالأرض فعلا اصبحت مسرح قديم ،والجمهور هو الذي يقوم بدوره ،لكنه دور غامض ..دور المغفلين ..والحمقى ..هناك تكمن الدهشة التي اشرت لها ،ولكن لماذا الصمت؟

لماذا نرضي بهذا الزيف الواضح في حياتنا ؟لماذا الوقوف عند نقطة واحدة الصمت القاتل .ومرة اخرى تتجه الشاعرة لتعرض صورة سمية اخرى على الشاشة الشعرية النص ، تقول

كفني غزل عناكب

وهي واهنة تماما..

والتاريخ مؤلم

انها انقطاع الاصرة بين التاريخ الذي تهزمه القوة الغبية بإصرار محير، وهكذا ازدهر النص ،بهذه المساحات الجميلة المليئة بالضوء الدهشة،

جسدي

من كبريت مبلل فكيف سيـــــــــــــشتعل،

نعم سيدتي انه مبلل بدموع الارامل …بدموع الاطفال ..بهذا النزف المر الذي لا يتوقف بدم العروبة